الاتصالات أمام رهان التحولات: الدولة، الاحتكار، اللاتقنين والمنافسة

 المؤلف: يحيى اليحياوي

تقديم البروفيسور المهدي المنجرة

منشورات عكاظ، 140 ص

الرباط، 1995

  

صدر مؤخرا عن منشورات عكاظ باللغة الفرنسية مؤلف " الاتصالات أمام رهان التحولات" للأستاذ يحيى اليحياوي.

يقع هذا الكتاب ، الذي حصل على جائزة المغرب في العلوم الاجتماعية والإنسانية برسم سنة 1995، في 240 صفحة من الحجم الكبير.

 

وقد قدم له البروفيسور المهدي المنجرة الذي اعتبر عنوان المؤلف كافيا لإعطاء فكرة عن التحولات الكبرى والخطيرة التي يعرفها مجال الاتصالات من كافة جوانبها.

 

فالكتاب يأتي بجرد لعدد من القضايا والإشكاليات التي يعرفها هذا الميدان الذي يخضع أكثر من غيره إلى التغيرات المحكومة بتداخل عدد من العناصر الموضوعية والذاتية.

ومن خلال تدخل الدولة والاحتكار والمنافسة وغير ذلك نقف عند إشكالية التحولات التي يشهدها قطاع الاتصالات وكذا باقي الميادين المعلقة بالإعلام والاتصال.

 

لقد صدر هذا الكتاب العلمي الجيد في وقت نحن في أمس الحاجة إلى دراسات تقنية واقتصادية لتقييم وضعية الاتصالات والإعلام ورسم مخطط على المدى القصير والمتوسط حتى يتسنى ضبط هذا المجال الذي أصبح بالخطورة بمكان نظرا لتأثيره على جميع المرافق الحياتية للبلاد من جهة وعلى الإنسان من جهة ثانية.

 

تطرح عادة عدة أسئلة تعتبر نصف أجوبة على اعتبار أهميتها القصوى بالنسبة للاتصال والإعلام. هناك سؤال حول دور الدولة في تنظيم هذا الميدان وآخر يتعلق ب"اجتهاد" الخواص في تدبير الشأن الاتصالاتي ناهيك عن دور التكنولوجيا و"الخارج" في مسار الاتصالات المغربية ومستقبلها.

 

كل هذه العناصر مكملة لبعضها يتناولها الأستاذ يحيى اليحياوي بدقة العارف ببواطن المشاكل مستعينا في ذلك بإحصائيات وجداول تيسر للقارئ فهم المواضيع المطروحة.

 

إن أبرز سؤال يطرحه المؤلف ويعيده البروفيسور المهدي المنجرة هو هل بإمكان الدولة تفويت ميدان الاتصالات؟

إنه السؤال المعضلة ... ونقول  مع الأستاذ المنجرة إن الجواب غير محدد في الزمن الآني و لا في المكان وليس لأي طرف بعينه الحق في اتخاذ القرار بشأنه، وعلى ممثلي الأمة كما يقول الأستاذ المنجرة تبني قوانين منسجمة تضبط هذا الميدان الحيوي والخطير.

 

يفاجئنا الكتاب من جانب آخر طبعا بخصوصية القضايا المعروضة خاصة لما تطبعها "التقنية المفرطة" لكن مع شيء من التركيز نلاحظ مع ذلك أن الأستاذ اليحياوي استعمل لغة مقبولة وسهلة تيسر فهم المعطيات المطروحة.

 

لقد جاء الكتاب ليذكرنا بأننا نعيش عصر الإعلام والاتصال وأنه عصر متميز بالتحول الدائم والمستمر الذي يؤثر على حياتنا العامة والخاصة كما ذكرنا ببداية "الاتصالات" ليصل إلى تقييم مؤثرات هذه الظاهرة على المجتمعات التي أصبحت على إثر ذلك متداخلة ومرتبطة فيما بينها.

 

يعتبر هذا الكتاب لبنة أولى ستساهم في التحسيس بأهمية هذا الموضوع. تحسيس  مراكز القرار وكذا المستهلكين خاصة وأن تبعات الموضوع سياسية واقتصادية واجتماعية وكذلك نفسية.

وتأسيسا على ذلك يمكن التفكير من الآن فصاعدا في "مشروع اتصالاتي وطني" يحفظ للبلاد هويتها وأصالتها ويحميها من الاستلاب العقيم.

 

حاول المؤلف من خلال دراسة تحليلية ونقدية التطرق إلى المسار الذي سلكه تطور تقنيات الاتصالات مع رصد المحددات الأساسية للتحول الذي عرفه القطاع والرهانات الأساسية لهذه التحولات والدينامية التي يعرفها سواء على المستوى التسويقي أو على المستوى التنظيمي وتحرير قطاع الاتصالات خاصة بالنسبة للبلدان النامية.

 

فعلى مستوى التطور والدينامية التي يعرفها قطاع الاتصالات تعتبر الدراسة أن هذه دينامية تكنولوجية بالأساس وتتميز ببروز وتراكم التكنولوجيا بوثيرة سريعة. فالتجديدات التكنولوجية التي كانت في البداية بسيطة تحولت على مدى قرن ونصف إلى قفزات تكنولوجية تتميز إلى حد أنها أعادت تشكيل فضاء الاتصال في المقاولات والمجتمع بحيث أصبح التفكير حاليا منصب على منطق اقتصاد الإعلام والمعرفة ومجتمع الاتصال بعد أن كان إلى حدود الستينات مرتكزا على اقتصاد الإنتاج والمجتمع الاستهلاكي.

 

وفي استعراضها لمراحل هذا التطور تركز الدراسة المعززة برسومات بيانية وجداول بالأساس على المرحلة الممتدة من الستينات إلى الثمانينات. ففي الستينات كان نمو قطاع الاتصالات بطيئا ويرتكز على قاعدة تكنولوجية قارة سواء فيما يتعلق بتقنيات البث أو تقنيات الربط بحيث أن جهود البحث والتطوير لم تكن ذات آثار تمس هندسة شبكات الاتصالات.

 

وبفعل التكنولوجيا الإلكترونية الجديدة التي ظهرت خلالها تعتبر السبعينات عشرية التجديد التدريجي والسريع للبنيات التحتية للاتصالات. أما سنوات الثمانينات فكانت العشرية التي برزت فيها مراكز التجديد بشكل واضح ومحدد نسبيا ويتعلق الأمر بالربط الإلكتروني والبصري وأنظمة الأقمار الاصطناعية وأنظمة استغلال وتدبير الشبكات والقدرات التقنية.

 

كما تميزت هذه الحقبة على صعيد الإنتاج بالحديث أكثر فأكثر عن منتوجات بقيمة مضافة. وعلى صعيد الاستثمار بإعادة التوازن بين الاستثمارات في البنيات التحتية لكن هذه الدينامية أو التحول الدائم للتكنولوجيا ولقطاع الاتصالات لم يكن ليأخذ ثقله وتسريع وتيرته لولا تطور الحاجيات والطلب على ذلك.

وقد كان  هذا التطور في الأصل مرتبطا بطلب غير محدود لكن محدد من الناحية الاقتصادية. ومن جانب ثان فقد كانت التحولات التكنولوجية والتغيرات في مجال الطلب التي تعد مصدر تطور الاتصالات كانت خاضعة بشكل أساسي لإطار مؤسساتي مركزي ولبنيات سوق أصبحت تشهد شيئا فشيئا اضطرابات ابتداء من نهاية السبعينات.

  

عرض: خالد الشاتي، مجلة شؤون ثقافية، شهرية، العدد 16، نونبر 1996