"المجتمع المدني والدولة المعاصرة: الخليج مثالا"

 

أحمد شهاب, مؤسسة الانتشار العربي, بيروت, 2007, 103 ص.

 

 

هذا الكتاب هو محاولة لتتبع الجذور الفكرية والاجتماعية للمجتمع المدني بدول الخليج العربي خلال قرن من الزمن, ودوره في تحقيق الديمقراطية, بالقياس إلى ظروف نشأة المجتمع في البلدان العربية, والتي تميزت طيلة القرن إياه, بحالة من الصعود والهبوط, كانت في أغلبها هبوطا وارتدادا وتراجعا، لعدة أسباب كبرى, لعل أهمها يعود إلى تضخم مشروع الدولة العربية, وسعيها الدائم لإدغام المجتمع, وسلب مؤسساته الطبيعية وموارده النابضة.

 

إن أصل مفهوم المجتمع المدني إنما هو, برأي الكاتب, "وليد مرحلة حاسمة حدثت في الفكر الغربي خلال القرنين 17 و18، تم خلالها التمرد على الفكر القديم, الذي يربط بين السلطة والمقدس, إلى فكر جديد يحرر السلطة من سيطرة الأكليروس، ويحرر الدين من استغلال السلطة".

 

وفي محاولته لتأصيل المصطلح, مصطلح المجتمع المدني, يتتبع الكاتب استخدامه من لدن جون لوك, استخداما سياسيا مباشرا,  "من خلال دمجه مع المجتمع السياسي, واعتبارهما مفهوما واحدا مقابل المجتمع الطبيعي، بالإضافة إلى استخدام هيغل (1770 ـ 1831) للمجتمع المدني كوسيط بين الدولة والمواطن, لكنه وسيط لا يمتلك أي قدرة ذاتية على تحقيق الانضباط, إذا لم تمنحه الدولة ذلك... ثم تعريف كارل ماركس (1818 ـ 1883) للمجتمع المدني, الذي يعتبره الميدان الذي يتحرك فيه الإنسان, مدافعا على مصالحه الشخصية وعالمه الخاص, وتبرز فيه التناقضات الطبقية، مقابل الدولة التي تمثل الميدان البيروقراطي, حيث يتحول الإنسان فيه إلى عضو في جماعة".

 

إن المجتمع المدني, يقول المؤلف على لسان كارل ماركس, إنما "هو جماع العلاقات التجارية والصناعية لمرحلة تاريخية محددة", والذي لم يتم وعيه كصياغة نظرية إلا في القرن الثامن عشر، عندما تخلصت الدولة من الامتياز الديني والعائلي وما سواه.

 

وبقدر توقف الكاتب عند كارل ماركس, فقد توقف أيضا وبقدر أكبر عند نظرة أنطونيو غرامشي (1891 ـ 1937) للمجتمع المدني, وتميز هذا الأخير عن المجتمع السياسي، مؤكدا من خلال ذات التمييز على دور الأحزاب والنقابات والبنى المستقلة عن الدولة، "بحيث مثلت أطروحة غرامشي في الهيمنة والهيمنة المضادة, نقطة تحول في مفهوم المجتمع المدني".

 

في مقابل ذات التأصيل, يرى الكاتب أن أسباب القلق الذي عم العالم الإسلامي منذ مدة قريبة, جراء تسلل مصطلح المجتمع المدني إليه, إنما مرده التقابل الحاد الذي أقامه المفكرون العرب, سيما ذوو النبرة الإسلامية منهم, بين المدني باعتباره مقابل الديني، الذي ينبني على مشروع مواجهة الحالة الدينية في العالم الغربي.

 

من هنا, وبرأي هؤلاء, فإن "جميع ما تشهده المجتمعات الغربية من دمار أخلاقي, هو بسبب هذه المواجهة بين الديني والمدني, وبالتالي فإن القلق من تسلل المفهوم وآثاره إلى العالم الإسلامي أمر مشروع، لاسيما أن الأساس الإيديولوجي الذي يتحرك فيه المجتمع المدني هو القيم الليبرالية والعلمانية، وهي المعتقدات التي لا تتواءم في رأي الكثيرين مع المعتقدات والقيم الإسلامية".

 

ويرى الكاتب, على النقيض من هذا التصور, أنه ثمة من اقترح أسلمة مفهوم المجتمع المدني, جملة وتفصيلا, للتخلص من أبعاده الفلسفية المرتبطة عضويا بالفكر الغربي، "معتبرين ذلك الحل الأمثل, للاستفادة من ايجابيات المجتمع المدني دون التورط في إيحاءاته السلبية"، فيما وجد فريق ثان أولوية في الحديث عن الثقافة الإسلامية والتجربة العربية، بينما مال فريق ثالث إلى اعتبار مفهوم المجتمع المدني تعبيرا عن حالة متطورة, في الوقت الذي لا يعبر فيه مفهوم المجتمع الأهلي إلا عن حالة تقليدية صرفة.

 

وسط هذه التباينات الكبيرة في الآراء, يؤكد المؤلف على ضرورة مراعاة التفاوت الكبير بين المجتمعات الغربية، وأيضا على حقيقة أن "الطريق إلى المجتمع المدني لا يمكن أن يكون واحدا في كل المجتمعات. فإن كانت بعض المجتمعات لها قابلية الانتقال من الحالة القبلية إلى الحالة المؤسسية في ظرف سنوات قليلة، فإن ثمة مجتمعات تتطلب ظروف انتقالها فترات أطول".

 

في الحالة العربية, يستشهد المؤلف بعدد من المؤرخين العرب, "الذين يرون أن مسيرة الأمة كانت حافلة بالإنجاز, مع قلة مساهمة السلطة بهذا الشأن، بحيث كانت سيدة المبادرة والبناء من خلال المؤسسات الدينية, مثل مؤسسة المسجد, الذي كان مكانا للعبادة ولالتقاء المسلمين وإقامة ندواتهم. فهو من أوائل المراكز العلمية في تاريخ المسلمين".

 

بتزامن وذات المؤسسة, يؤكد الكاتب أنه كان لمؤسسة الوقف "مساهمة فعالة في الحضارة الإسلامية, بالإنفاق على العلم والعلماء والمراكز العلمية والبريد، وحل المشكلات الأسرية، وتزويج المعوزين ودعم الضعفاء والأيتام والغرباء والعجزة والمعدمين. وهنا يمثل الوقف أحد أهم المؤسسات الاجتماعية والثقافية والتربوية في المجتمع الإسلامي".

 

هذا ناهيك عن اهتمام المسلمين "بالتطوير الطبي, وما يتعلق به من طباعة الكتب وفتح المكتبات الخاصة بالعلوم الطبية، ورعاية الباحثين والعلماء, والإنفاق على تأليف كتب الطب والصيدلة، وإنشاء المرافق الخاصة بالمستشفيات"...الخ.

 

إن الإسلام, يقول الكاتب, "لا يعارض الحداثة, من حيث هي تجديد ومواكبة لأزمة التطور البشري، والشاهد على ذلك التجربة التاريخية لتألق الإسلام في هذا المجال، ومواكبة المسلمين للعلم والإبداع. والمثال في ذلك بعض الدول التي لم يعيقها إسلامها وقيمها ومبادئها والتزامها من مواكبة الحداثة، والتفكير الدائم المرتبط بالعمل والنهضة والتجدد والمواكبة، منها ماليزيا... وبعض المجتمعات الآسيوية الأخرى".

 

بالبناء على ما سبق, يؤكد المؤلف أنه "أمام المجتمعات الخليجية فرصة سانحة للانتقال من مرحلة التغييب والاستقبال السلبي للأحداث, إلى مرحلة الحضور والمواكبة والتفاعل الواعي مع الأولويات, للمساهمة في حل المشكلات والأزمات القائمة".

 

ويلاحظ المؤلف أن ذلك يستوجب إيلاء أهمية كبرى لتفعيل "مؤسسات المجتمع المدني, من أجل تدعيم المشروع الديمقراطي في المنطقة، خصوصا أن الدول الخليجية تضم شريحة شبابية جديدة, تتسم بارتفاع مستوى التعليم والوعي السياسي, وهي من سمات التحول والتميز التي يفترض استثمارها على أكمل وجه ممكن".

 

إن المفروض يقول الكاتب, إنما إبراز دور مؤسسات المجتمع المدني في تنمية الديمقراطية من عدة أوجه, سعيا لإعادة الاعتبار إلى هذه المؤسسات بعد طول تغييب. والمفروض أيضا برأيه, قراءة "المجتمع المدني من وجهة محايدة وموضوعية, في محاولة لوقف لعبة المصادرات الفكرية والثقافية التي انتعشت في المجتمعات الإسلامية بصورة مرعبة, أثقلت على المشاريع الوطنية, وعطلت مناظير التنمية, وهو بمثابة إثبات لحق الجميع في الفعل الاجتماعي والسياسي".

 

والمفروض, قبل كل هذا وذاك, يؤكد المؤلف بأكثر من مكان, مراعاة التفاوت الكبير بين المجتمعات الإسلامية والمجتمعات الغربية, عند قياس حركة ونهوض المجتمع المدني, إذ "الطريق إلى المجتمع المدني لا يكون واحدا عند كل المجتمعات, فبعض المجتمعات تمتلك قابلية للانتقال من الحالة القبلية إلى الحالة المدنية في ظرف سنوات قليلة, وثمة مجتمعات أخرى تتطلب ظروف انتقالها فترة زمنية أطول".

 

من الناحية العملية الصرفة, يؤكد الكاتب على أهمية "أن تكون هناك حركة وسعي متواصلان من هذه المجتمعات لإنجاز هذا التحول"، وإلى الحاجة الماسة وضع مؤشر لقياس المجتمع المدني, يتم من خلاله تحديد انتماء الأنشطة والمؤسسات إلى المجتمع المدني من عدمه, بغض النظر عن قدم هذه المؤسسة أو حداثتها, وبعيدا عن انتماء هذه المؤسسة الديني أو السياسي" أو ما سواهما.

 

إن الانتقال الديمقراطي, يقول المؤلف, إنما هو تحول من نظام سلطوي إلى نظام ديمقراطي تعددي، بحيث تتم عملية التحول بوسائل مختلفة، بعضها يأتي من الأعلى بوساطة المجتمع وقواه الفاعلة, أو بإرادة السلطة ومبادرة المجتمع، كما أن بعضها يأتي نتيجة ضغوط الخارج, والبعض الآخر إفرازا لحراك الداخل.


والمجتمع المدني يلعب دورا أساسيا في عملية الانتقال الديمقراطي, لكنه "يتعين على المهتمين بالديمقراطية, العناية ببناء المجتمع المدني كنوع من تعزيز الديمقراطية"، مشيرا إلى عوامل عديدة مؤثرة في التحول الديمقراطي الذي يساهم فيه المجتمع المدني، "وهي الضغط، المراقبة، التنمية، التمثيل، التدريب، والمواطنة".

وفي تناول المؤلف لمدى ملاءمة المجتمع المدني الخليجي لفكرة المجتمع المدني الغربي, في بيئة تتصف بالتقليدية والمحافظة وضآلة التجديد, يلاحظ أنه مع بدايات النصف الأول من القرن العشرين, "حدث نزوع إلى التشكل الجماعي, من خلال هيئات ومؤسسات مدنية ذات طابع ثقافي وأدبي وتنموي, كما شهدت سنوات التسعينات انفراجا للمجتمع المدني في الدول الخليجية, من خلال التعبير عن إرادة تبتغي بناء مستقبل واعد, على أسس من الحريات والمشاركة الشعبية".

وي
ستدل على ذلك ب"التطور الملموس الذي شهدته هذه المجتمعات في مجال حقوق الإنسان, أو على صعيد إنشاء الجمعيات الأهلية المعنية بحقوق الإنسان, أو على صعيد انفتاحها على المنظمات الحقوقية الدولية".

 

إن دور المجتمع المدني لا ينحصر, برأي الكاتب, في منافسة الدولة, وإنما يستهدف في جوهره "استثمار واستيعاب البرامج والخبرات والطاقات. فالمجتمع المدني ليس بالضرورة نقيضا للدولة، وإنما بحسب طبيعة هذه الدولة, فإذا كانت هذه الدولة ديمقراطية دستورية، فإن التكامل والتعاضد سيكون سمة العلاقة بينهما".

إن المطلوب, يؤكد المؤلف بالأخير, إنما ضرورة "بناء مجتمع ديمقراطي, يصنع النظام الديمقراطي, وذلك بإنشاء مؤسسات ديمقراطية, توفر حدا لا ينقص من الإيمان بالحرية والالتزام بالعدالة واحترام التنوعات الاجتماعية، بالإضافة إلى وجود حي وحقيقي لنظريات خاصة بالتنمية الاجتماعية".

 

يحيى اليحياوي

الرباط, 11 مارس 2010