"منظومة البحث والتطوير: معاينة في مكامن الخلل بالمنطقة العربية"

 

يحيى اليحياوي

 

 بصرف النظر عن موقفنا من الخلفيات والفلسفة الثاوية خلف صياغة " تقرير التنمية الإنسانية العربية" للسنة 2003 الصادر عن الأمم المتحدة, فإننا لا نستطيع تجاوز مسلمة أننا حقا بإزاء جرد جيد لواقع حال المنطقة وبإزاء عمل توثيقي كبير لمجموعة من القضايا والإشكالات الكبرى بذات المنطقة بما في ذلك مكامن الخلل وهي عديدة ومتشعبة بالتقرير الأول كما بالثاني.

 

والحقيقة أن التقرير نجح حقا وإلى حد بعيد في تحريك بعض من المياه الراكدة وساهم في إزعاج أكثر من جهة ولربما خلط أوراق العديد من الجهات وأفسد على جهات أخرى حساباتها وترتيباتها.

هذا أمر لا اختلاف حوله كبير بقدر سعة الاختلاف حول الخلفيات التي حكمت التقرير في التصور والمنهجية ولربما في الاستنتاجات أيضا:

 

+ فالتقرير صيغ واختير القائمون عليه وفق دفتر تحملات محدد, وضع السياق العام, حدد الخطوط الكبرى (حتى الحمر منها) وأقام السقف الأعلى للاجتهادات في التحليل وللجرأة في الاستشراف (وهو ما أثار الشك والتشكيك ودفع بعض كتاب الأوراق الخلفية إلى الاحتجاج على إدراج إسمهم بالتقرير في الوقت الذي لم تؤخذ أوراقهم بعين الاعتبار كما الحال مع طارق البشري تحديدا).

 

+ ثانيا: باستثناء بعض الأسماء الوازنة (نادر فرجاني, أنطوان زحلان وبعض الأسماء القليلة الأخرى) فإن البقية الباقية من الأسماء إنما هي نكرة أو لا علاقة لها بموضوع التقرير...وهو موضوع تقني بكل المقاييس على الأقل قياسا إلى ما يروج من أدبيات حول ذلك بالغرب.

 

+ الأمر الثالث, الذي يذكي بعضا من النقد, هو الطبيعة التمطيطية للعديد من الفصول والأقسام دونما مسوغ كبير سيما فيما يتعلق بالتراث أو الدين أو غيرهما...ثم هو كل شيء (من التراث إلى الإنترنيت عالي الصبيب) ولا شيء في الآن ذاته على اعتبار أن ما تعرض له التقرير معروف ومتداول ومكامن الخلل موثقة بحثا ودراسات.

 

لا تطال الملاحظات هذه الجوانب فحسب, بل وأيضا العديد من جوانب القصور الأخرى سيما فيما يتعلق بمنظومة البحث العلمي والإبداع التكنولوجي (أو التطوير التقاني كما يسميها التقرير).

التقرير تحدث عن هذا الجانب في أكثر من مكان, لكنه أفرد له فصلين كاملين (الفصل الثالث عن "إنتاج المعرفة في البلدان العربية" من الصفحة 69 إلى الصفحة 73 والفصل الخامس عن "السياق التنظيمي لاكتساب المعرفة من الصفحة 97 إلى الصفحة 108) مع معاودة التأكيد عليه فيما أسماه بالفصل التاسع "رؤية استراتيجية لأركان مجتمع المعرفة" والتي طالب ضمنها بضرورة "توطين العلم وبناء قدرة ذاتية في البحث والتطوير التقاني في جميع الأنشطة المجتمعية".

 

+ يقول التقرير أولا: أن نواتج البحث العلمي والتطوير التقاني بالمنطقة العربية متدنية إلى حد كبير ولم تعرف النمو الذي عرفته دول في ذات مستوى التنمية مع دول هذه المنطقة:إذ بلغت (سنة 1995) المنشورات العلمية لكل مليون مواطن في الصين 11 ضعفا مما كانت عليه سنة 1981, 24 ضعفا لكوريا الجنوبية...2,4 ضعفا فقط بالنسبة للدول العربية مع العلم أن معظم البحوث العلمية تبقى تطبيقية (بالطب, بالزراعة, بالصحة, بعلوم الحياة...الخ) بنسبة 90 إلى 95 بالمائة بما معناه أن جانب البحوث الأساسية يبقى ضعيفا للغاية.

وبراءات الاختراع المسجلة بالولايات المتحدة الأمريكية لا تحصل ضمنها مصر إلا على 77 براءة (170 للسعودية) في حين تصل 16328 لكوريا و7652 لإسرائيل.

بالمحصلة , يقول التقرير, إن نواتج البحث العلمي بالمنطقة العربية متدنية إلى حد كبير ولم تعرف الحركية التي عرفتها دول في نفس مستوى التنمية.

 

+ ويلاحظ ثانيا, قلة نسبة الملتحقين بالفروع العلمية بالجامعات في الدول العربية: 20 بالمائة لكوريا الجنوبية مقابل 2 بالمائة لمصر, 3 بالمائة للمغرب وتونس وهكذا.

ويلاحظ أن عدد العلماء والمهندسين العاملين بالبحث والتطوير (لكل مليون من السكان) في الفترة من 1990 إلى 2000 لا يصل 500 عالم ومهندس في حين يصل الحجم إلى 4000 بأمريكا الشمالية وأكثر من 3000 بأوروبا.

 

+ ويقر ثالثا بأن الإنفاق على البحث والتطوير بالمنطقة العربيةلا يتجاوز 0,2 بالمائة من الناتج القومي, 90 بالمائة منه حكومية...3 بالمائة فقط تأتي من قطاعات الإنتاج (تبلغ هذه النسبة 50 بالمائة بالدول المتقدمة)...90 بالمائة من هذه ال90 بالمائة الحكومية تذهب لتغطية رواتب العاملين... ناهيك عن العدد المحدود لمراكز البحوث وضعف الميزانية المخصصة لها وما سوى ذلك.

 

 في فصول أخرى يتحدث التقرير عن مجموعة من السياقات لعل "السياق التنظيمي لاكتساب المعرفة" (الفصل الخامس) هو الذي يطاول مباشرة منظومة البحث والتطوير. عم يتحدث هذا الفصل؟

+ أولا عن " نسق الابتكار والتقانة" على اعتبار أن الابتكار هو القدرة على "إدارة المعرفة على نحو خلاق استجابة لمتطلبات الأسواق وحاجات المجتمع", لكنه لا يحدد التقرير مكامن الخلل هنا بل يطرح السؤال البديهي المتداول : "أين البلدان العربية من مثل منظومة الابتكار هذه ودورها الحيوي في اقتصاد المعرفة؟".

 

+ ثانيا: يتحدث التقرير عن " نقل التقانة وإدارتها وتوطينها في الوطن العربي" ويعتبر أن معظم دول المنطقة العربية ارتكنت إلى سياسات "النقل التكنولوجي" ولم تعمد للسيطرة عليها أو توطينها...مما أفرز ما أسماه التقرير بالصفحة 99 ب"اتساع الفجوة التقانية بين البلدان العربية والدول الصناعية"...وتردي البنى الأساسية بدليل يقول التقرير, عطفا على دراسات لأنطوان زحلان, أنه ما بين 1980 و 1997 استثمر العرب ما يناهز 2500 مليار دولار في تكوين رأس المال الثابت الإجمالي, لكن متوسط الناتج المحلي الإجمالي للفرد لم يزدد خلال هذه الفترة بل انخفض بشكل كبير.

 

+ ثالثا: يعتبر التقرير أن غياب الروابط التنظيمية لترويج نواتج البحث العلمي إنما سببه ضعف دور المؤسسات الوسيطة والمنظم الإبداعي وكذا حاضنات التقانة...وهو أمر يبذر الجهد, يضيع المال ولا يفتح في السبل للتراكم الإيجابي.

 

+ رابعا: الاستثمار الأجنبي. يشير التقرير بهذا الخصوص أن الدول العربية لم تنجح في استقطاب الاستثمارات الأجنبية بدليل أنه ولا دولة عربية واحدة توجد ضمن الدول النامية العشر الأكثر جذبا للاستثمار اللهم إلا , يقول التقرير, ال 2,1 مليار دولار التي درتها خوصصة جزء من رأسمال الفاعل الأساسي بالاتصالات في المغرب والتي صنفها التقرير ضمن خانة الاستثمار المباشر.

 

+ خامسا: يؤكد التقرير على ضرورة تحديد دور الدولة وصياغة سياسات العلوم والتقانة يكون بإمكانها توظيف التقانة المنقولة مع العمل على دعم مصادر تمويل البحث والتطوير عبر إنشاء صناديق عربية متخصصة قطرية وقومية...الخ.

 

في الفصل التاسع يتحدث التقرير عن "رؤية استراتيجية" من خمسة أضلع ضمنها مطالبته بضرورة " توطين العلم وبناء قدرة ذاتية في البحث والتطوير التقاني في جميع الأنشطة المجتمعية" في إطار" نسق عربي للابتكار يتمركز قطريا متخللا النسيج المجتمعي بالكامل, تكمله امتدادات عربية ودولية قوية".

 

ولما كان التقرير كثيفا ومتشعبا بهذا الجانب, جانب منظومة البحث والتطوير بالمنطقة العربية, فإن تقييمه بدقة يتطلب بعض الوقت ويستدعي الحيطة والحذر, لكنه لا يعفي المرء من إثارة بعض نقط القصور الكبرى:

 

+ أولاها, أن التقرير لم يأت حقيقة بجديد اللهم إلا جهد التوثيق وجمع الإحصاءات وتوظيفها...سوى ذلك فواقع الحال معروف وحال الجامعة و"مؤسسات البحث والتطوير" معروف وكذا ظروف اشتغال الباحثين و دور الدولة وتقصير سياساتها وما سوى ذلك.

 

المفارقة هو أن التقرير, على الرغم من الحوصلة السوداوية لواقع الحال, يستعمل عبارة " نحو" في العنوان كما لو أن نقطة الارتكاز سليمة يمكن البناء عليها, ناهيك عن خطاب الينبغيات الذي نلمسه بهذا الجانب كما بكل التقرير.

 

+ ثانيها أن التقرير قدم تحديدا لمصطلح المعرفة لا يدري المرء معها هل هي المعلومة أم الفكر أم التراث أم الثقافة أم العلم أم ما سواها مجتمعة.

لا نعرف بالتالي أن تبدأ المعرفة وأين تنتهي؟ هل لها فضاء قائم أم هي تجاوز لكل الفضاءات؟ هل الشعر والرواية وما سواهما لهما نفس الحمولة المعرفية قياسا إلى الأبحاث العلمية والتطويرات التكنولوجية؟ وهكذا.

 

+ ثالثها, أن التقرير لم يبين جليا من أين البدء لتطوير منظومة البحث والتطوير: هل من الصفر وهو أمر مكلف ماديا وفي الجهد أم " بحرق المراحل" (باعتبار العلم والتقنية ملكية بشرية عامة) وهو ما لا يمكن المراهنة عليه في الآماد البعيدة.

 هذه معادلة خطيرة لم يجب عنها التقرير ولم يطرحها حتى فيما يبدو.

 

 بالسياق ذاته, يتحدث التقرير عن توطين العلم ولا يقول كيف, ويتحدث عن بناء قدرة ذاتية ويبقى على مستوى الينبغيات العامة.

 ثم كيف المزاوجة بين هذين المستويين في ظل العولمة وتزايد هيمنة الشركات المتعددة الجنسيات وعدم السماح لأية دولة بإقامة بنى تحتية ذاتية للبحث والتطوير.

بالتالي فالتقرير إما استبعد هذا الجانب لحساسيته المفرطة فاكتفى بالتلميح المبطن درءا للمتاعب, وإما أنه لم يستطع ضبط جدلية الخارجي والداخلي بدقة فبقي على مستوى الطرح في حين أن المطلوب منه كان الحل أو بعضا من بوادر الحل.

 

+ ورابعها أن المرء لا يستطع  حقيقة معرفة لمن هو موجه التقرير: هل هو موجه للاستهلاك العام؟ أم للنخب المثقفة؟ أم للنخب الحاكمة؟.

 لو كان موجها خصيصا للنخب الحاكمة (وهو الأمر المرجح) فإنه يتجاهل أن التخلف بالمنطقة العربية أضحى منظومة حكم ليس فقط لأن هذه النخب لا مصلحة لها تذكر بالتنمية, ولكن أيضا لأن مصلحتها هي إلى حد بعيد من مصلحة الغرب عموما (سياسات استيراد الأسلحة ضمن أمور أخرى).

 

+ أما خامسها فهي أن التقرير افتقد لأدوات تصريف خطابه ومقترحاته. فهو لم يحدد كلفة توطين العلم والتكنولوجيا عندما يتم "استيرادها", ولم يحدد التكلفة التي من شأنها أن تترتب عن إقامة بنية علمية وتكنولوجية ذاتية ولا حدد لهما معا جدولا زمنيا.

وعلى هذا الأساس, فإذا كان التقرير قد برع في تقييم واقع الحال, فإنه سرعان ما تقهقر فيما يخص تصريف الحلول على أرض الواقع.

 

يقول القائمون على التقرير إنه ليس برنامج عمل, إنه بحث في مفاصل القصور. أنا أقول بأننا اليوم بحاجة حقا إلى دراسات أكاديمية من هذا القبيل, لكن حاجتنا أكبر إلى أن تتضمن برامج عمل يكون بالإمكان تجسيدها على أرض الواقع.

 

جريدة العلم, 22 يونيو 2004