"التواصل السياسي والتسويق الانتخابي"
مصطفى المريط, دراسة غير
منشورة, 2010, 253 ص.
1- بمقدمة هذا البحث, يقول
الكاتب: إن "التواصل
السياسي ظاهرة إنسانية واجتماعية قديمة, برزت منذ نشأة التجمعات الإنسانية وضرورة
التنظيم الاجتماعي. وبالرغم من ذلك, فإن الاهتمام بالتواصل وبمجالاته لم يبدأ إلا
حديثا, مع تطور الفكر والمعرفة السياسية وانتشار مفاهيم الديمقراطية والتعددية
الحزبية".
ويتابع: لقد "كانت أولى محاولات التأسيس الإبستمولوجي في منتصف القرن
الماضي، عندما ظهرت دراسات تتتبع علاقة الأنظمة الحاكمة بالسلوك الانتخابي للأفراد,
والاهتمام بالرأي العام, ودور جماعات الضغط والأحزاب السياسية في بناء المعرفة
السياسية والتأثير في التوجهات الخاصة بالجمهور المستقبل. ويعتبر تعريف برايان
ماكنير, الذي وضعه سنة 1999 في كتابه (مقدمة في التواصل السياسي) الأشهر والأكثر
تدقيقا عندما عرفه بأنه: تواصل هادف حول السياسة, يتضمن كل أشكال التواصل التي
يقوم بها الفاعلون السياسيون لتحقيق أهداف معينة... إنه يتناول الساسة وأنشطتهم,
كما تتضمنها التقارير الإخبارية والافتتاحيات والأشكال الأخرى من تناول وسائل
الإعلام للسياسة".
وعليه, فإن هذا النوع من
التواصل يشمل، "بالإضافة إلى الألفاظ والخطابات المكتوبة والمنطوقة، أشكال
التواصل غير اللفظي المرئية, كتعابير اليدين والعينين وشكل الحواجب والأسنان
وحركات الأصابع، والحركات الوصفية والرمزية، والتواصل غير اللفظي المسموع,
كالتنغيم واللحن والنبر والوقف والمد ومعدل النطق، التي يجب على الفاعل السياسي أن
يستفيد منها, ويوظفها لأجل ضمان حد أقصى من التفاعل مع المخاطب. وهو ما عجل بظهور
مجموعة من الأساليب والتقنيات, التي تعتمد على آخر مستجدات تكنولوجيا الإعلام
والتواصل، التي انتظمت في علم التسويق
السياسي, الذي يراهن على الممارسة العلمية والعملية الواعية, التي تروم تحليل
وتخطيط وتنفيذ البرامج السياسية والانتخابية, من خلال بناء علاقات ذات منفعة
متبادلة بين كيان سياسي ومرشح ومواطنين وناخبين".
ويلاحظ المؤلف أن استعمال مفهوم التواصل عوض الاتصال، مبرره أن هذا الحقل
يقوم على التفاعل والتأثير في الجمهور أو الرأي العام، إما بإكسابهم معرفة سياسية أو
تأثيرا في قراراتهم وخياراتهم. وهو ما يستوجب في جميع الحالات, ردة فعل أو تغذية
راجعة أو حتمية. وأيضا لأن صفة الخطية التي تميز الاتصال عن التواصل تراجعت أو
انتفت، "إما بسبب الانفتاح العام للدول على الخيار الديمقراطي, أو لتراجع
الدكتاتوريات وأنظمة الحكم الشمولية، أو لأن
وسائل التواصل والإعلام الحديثة أصبحت تتيح إمكانيات هائلة للتفاعل مع
الجمهور, وخصوصا مع برامج الحوار المباشرة, وبرامج إشراك المستمعين والمشاهدين في
إبداء آرائهم بكل حرية، ومع استعانة القنوات الإذاعية والتلفزية في ذلك بشبكة
الانترنيت, من خلال مواقع الفايس بوك واليوتيب".
ويلاحظ أيضا أن الحاجة إلى التواصل
السياسي, والاهتمام بدراسة العلاقة بين الفرد والسياسة ومكونات المجتمع, وتفاعل
النظام السياسي مع بقية النظم الاجتماعية الأخرى قد ازدادت اليوم بقوة، إذ لم تعد
السياسة "حكرا على من يمارسون العمل السياسي، بل أصبحت سلوكا يقوم به أفراد
المجتمع العاديين, كما يقوم به القائم على السلطة السياسة، إلى الحد الذي دفع
البعض إلى تسمية هذا العصر بعصر السياسة والتسييس".
ومعنى هذا, برأي المؤلف,
أنه بات من المستحيل تصور
العملية السياسة بدون عملية تواصلية. ولذلك يمكن القول بأن العلاقة بينهما
جدلية دياليكتيكية، تختلف دائرة التأثير بينهما باختلاف الأنظمة السياسية السائدة
في بلد ما، "فالنظامان, أي التواصل والسياسة, كلاهما يتأثر بالآخر ويؤثر فيه،
وإن كان التأثير الذي يمارسه النظام السياسي على نظام الاتصال في البلدان النامية
بشكل خاص, أكبر من تأثير الاتصال على النظام السياسي".
2- إن خطاب التواصل السياسي, يزعم الكاتب,
ليس كباقي خطابات التواصل الأخرى، فلغته لغة تواصلية بالدرجة الأولى، وقراءتها تحتاج
لتمعن وتدبر كبيرين, لاستكناه ما يخفيه منتج الخطاب, على مستوى المضمون والمصدر
ووسائل الانتشار.
إن الخطاب
السياسي لا يهتم "كثيرا بالتغيير المعرفي، أو نقل الحقائق الماثلة على الأرض،
بقدر ما يهمه تدعيم موقف السياسي وصورته وبرنامجه ونفوذه، ولهذا فهي ليست لغة
صريحة، بل لغة ملتبسة حافلة بالمعاني المتعددة والتفسيرات الهادفة إلى استثارة
النفوس، بغية خدمة الأهداف السياسية القائمة". إنه شكل من أشكال التفاعل يبرز
معه تياران: " تيار البعد الرمزي للتواصل السياسي، وتيار البعد التداولي له...
فالتواصل فعل استراتيجي، إذ خارج الأدلة والرسائل والشفرات التي تستعمل، والتي
تكون البعد الرمزي، وخارج القنوات والشبكات التي تكشف البعد البنيوي، يجب النظر إلى
التواصل عبر البعد التداولي، وهذا البعد هو
الذي يجعل من التواصل السياسي خطابا ومعلومة وإشهارا وتسويقا وإشاعة في نفس الوقت".
ويعتقد
المؤلف أن هناك عوامل عديدة تلعب دورا هاما في التأثير على فاعلية التواصل السياسي,
وأداءه لدوره كاملا في دولة ما، وترتبط أساسا بنوعية النظام السياسي وطبيعته, وشكل
نظام التواصل والإعلام السائد فيها، إضافة إلى العوامل العامة التي تؤثر في كل
بنية مجتمعية، وأخيرا العوامل الخارجية متمثلة في الثورة المعلوماتية, مع العلم أن
المؤثرات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية تؤدي دورا هاما في التأثير على التواصل
السياسي, والحد من فاعليته أو جعله أنجعا. وهذا راجع إلى العلاقة التبادلية التي
تتم بينهما، لدرجة أنه لا يمكن دراسة نظام التواصل السياسي وفعاليته دون وضعه في "
في إطار النظام الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، ودون معرفة النسيج الاجتماعي
والمعتقدات الثقافية التي يعمل من خلالها، خصوصا أن الإيديولوجية تشكل المصدر
الأساس للمبادئ العامة لسياسة الدول".
3-
أما الإشهار السياسي, فإن الهدف الأساس منه هو "تغيير ميول ورغبات وسلوك
المستهلكين والمستهلكين المحتملين، لكنه تجاوز مجال تسويق البضائع, ليشمل تسويق
الأفكار والمعتقدات. فلم يعد الإشهار مروجا لسلع معينة فقط، بل أصبح يروج لقضايا
إنسانية واجتماعية، لكنه في الوقت نفسه يصنع صورة المؤسسات الكبرى, وهيآت الضغط
والوزارات والأحزاب والجمعيات وغيرها. بعبارة أخرى إن الإعلان صار يقوم بحملة
مرسلات إيديولوجية, وليس فقط سلع تجارية".
إن
الحديث عن الخطاب الاشهاري السياسي يفرض, بنظر الكاتب, التمييز بين قطبين متباينين
ومتكاملين في الآن نفسه، ويتمثلان في البعد النفسي الاجتماعي/الاقتصادي الذي يوجد
خارج الخطاب، والبعد الخطابي بصفته نسيجا تتشابك فيه مجموعة من العلامات, وفق
قواعد تركيبية ودلالية.
من هنا,
يبدو الإقناع عملية تأثير قصدية, تستهدف التأثير العقلي والعاطفي في المتلقي أو
الجمهور، قصد تفاعله ايجابيا مع الفكرة أو السلعة المعروضة عليه, باعتماد الحجج
والبراهين الإثباتية، عبر وسائط طبيعية أو صناعية. بمعنى أن الإقناع هو أحد وظائف
التواصل وأهدافه.
ويلاحظ
المؤلف أن الخطاب السياسي يتقاطع, في بحثه عن الإقناع والتأثير, مع الخطاب
السفسطائي, لأنه يثير الغلبة والإقناع والانتقال من رأي إلى رأي آخر بالاعتماد على
اللغة:" فالسياسة عبارة عن كلام... وجوهر التجربة السياسية... أنها نشاط
اتصالي بين الأشخاص. واللغة كما تؤدي دورا مهما في عملية التنشئة الاجتماعية،
تساهم أيضا في صنع الشرعية للنظام السياسي, لأنها تتجاوز مسألة التخاطب العادي
والتعبير الرمزي وقواعد الأدوار الاجتماعية والجنسية، والحفاظ على العادات
والمؤسسات، ونقل المعايير الثقافية من جيل إلى جيل، لتصف وتكبح وتعزز وتحفظ الوضع
الراهن".
4-
أما التسويق السياسي فيرى فيه الباحث عملية معقدة ومتداخلة، تتقاطع فيها ثلاثة
علوم هي: علم الاجتماع السياسي وعلم الاقتصاد وعلوم التواصل والإعلام. وخلفياتها
مجتمعة وتكمن في التحليل والتخطيط والتنفيذ, والتحكم في البرامج السياسية
والانتخابية التي تتضمن علاقات ذات منفعة متبادلة بين كيان سياسي أو مرشح وناخبين
أو جمهور.
إن التسويق السياسي, من هنا, إنما يقوم على التأثير على اتجاهات أكبر عدد
ممكن من الأفراد. ولذلك, "فمن الممكن أيضا القول بأن التسويق السياسي ما هو
إلا أساس أو إستراتيجية لإدارة الحملات الانتخابية, باستخدام كافة وسائل التواصل
الجماهيرية والشخصية والجمعية المباشرة, وفق مقاربة شمولية مندمجة ومتكاملة, بحيث
لا يتم إقصاء قناة تواصلية على حساب أخرى".
ولبلوغ
ذلك, يعتمد التسويق السياسي على مجموعة من المعارف والوسائل والأدوات, التي توضع
لخدمة قضية أو فكرة أو برنامج انتخابي معين, بشكل عقلاني فعال وواقعي. والمتخصصون في
التسويق السياسي عادة ما يقدمون خدمات تساعد في تغيير أو بناء رأي عام حول برنامج
الحزب أو المرشح بدرجة أكبر, وهو ما يساهم في تحديث وتنمية المجال السياسي الخاص
في هذه البلدان.
إن نقطة
البداية في التسويق السياسي إنما تكمن, من وجهة نظر الكاتب, في "وجود الحاجات
والرغبات البشرية من الطرفين (ناخب ومنتخب مثلا)، ثم وجود المنتجات التي تشبع هذه
الحاجات ( أفكار أو مشاريع أو برامج انتخابية...)... وبالرغم من ذلك, فوجود
الحاجات والمنتجات التي تشبعها, غير كافيين للتعبير عن مضمون التسويق، إذ لا بد أن يتم ذلك عن طريق السوق ( محيط، مجتمع،...)،
وما يتبع ذلك من توزيع وترويج وضمان الخدمة بعد البيع، والتي تتجلى في مثال
الانتخابات بتواصل الناخب الدائم مع منتخبيه".
يحيى اليحياوي
الرباط, 15 دجنبر 2011