في معوقات التواصل العمومي بالمغرب

 

 

المعلومات, معطى كانت أم صوتا أم صورة أم كلها مجتمعة, هي مادة عملية الاتصال والتواصل وصلبها أيضا, سواء بين الأفراد والجماعات فيما بين بعضهم البعض, أو بينهم وبين المستويات (العمومية فيما يخصنا) المنتجة للمعلومات, المخزنة لها بهذه الصيغة أو تلك.

 

ولما كانت كذلك, فإن بلوغها والنفاذ إليها يفترض عمليا ومن الناحية التقنية, ليس فقط ضمان ذات البلوغ, عبر توفير البنى التحتية الأساسية لذلك, بل وأيضا توفيرها كمضامين, وكمحتويات مهيكلة, يسهل استقراؤها, والتعامل معها, واستغلالها بنهاية المطاف, لهذا الغرض أو ذاك.

 

من هنا, فمن التجاوز حقا الحديث عن تواصل عمومي, إذا لم يتوفر الحد الأدنى من البنية التحتية إياها التي تضمن البلوغ, والحد الأدنى أيضا من البيانات المنظمة والمهيكلة, بطرق معيارية وبمقاييس محددة...ناهيك عن التأطير القانوني, الذي من المفروض أن ينصص على كل ذلك, دونما لبس أو إبهام أو تلميح فضفاض.

 

إن مسألة التواصل العمومي بالمغرب عصية على الاستنبات, ليس فقط باستمرار سيادة ثقافة السرية والتعتيم, ولكن أيضا بسبب التردد في استصدار قانون يضمن الحق في المعلومات, ومن خلاله وعبره الحق في الإعلام والاتصال.

 

فالعوائق القانونية, التي كانت سائدة في البدايات الأولى للاستقلال, لا تزال قائمة ومشددة, وما طاولها من "إصلاحات", مس بعض عناصر الشكل, في حين أبقى على لب الجوهر كما هو. فنظام الوظيفة العمومية مثلا (والقانون الجنائي وقانون الإرهاب أيضا) لا يزال يمنع على الموظفين تسريب المعطيات والمعلومات, التي يطلعون عليها أثناء مزاولة وظيفتهم (مراسلات, مراسيم, لوائح تنظيمية داخلية, مقررات اجتماعات, وغيرها), ولا يرفع هذا المنع جزئيا على وثيقة أو معلومة, إلا بإذن من الوزير الذي يعمل الموظف تحت إشرافه.

 

وهو ما يسري أيضا (بمنطوق القانون الجنائي) على العاملين بالقطاع الخاص, سيما العاملين بالأنشطة ذات "الطبيعة الحساسة", أو لها ارتباط بالأمن العام للدولة, أو بقطاعات السيادة, أو بما سواها.

 

من جانب ثان, فإن كل ما يتعلق بمعلومات مؤسسة الجيش (العسكرية أو الدبلوماسية أو الاقتصادية أو الصناعية أو غيرها) مقنن من لدن القانون الجنائي, الذي لا يجيز بلوغ بياناته ومعطياته إلا "لذوي الصفة". صحيح أن معظم دول العالم تعتمد إجراءات تحفظ سرية المعلومات العسكرية, أو المتأتية من الجهات المرتبطة بها, ضمانا "لأمن وطني أو قومي" مشروع, لكن القانون (بالبلدان الديموقراطية تحديدا) يحدد مجال ذلك بدقة, ويصنف المعلومات التي تطاولها السرية دون لبس. وهو ما ليس معتمدا بالمغرب, اللهم إلا بصيغ هلامية, مضببة, قابلة للكثير من التأويل.

 

لا يقتصر الأمر هنا على المعلومات الموجودة لدى المؤسسة العسكرية, بل يتعداه إلى معلومات العديد من المرافق الوزارية كالداخلية, والخارجية, والعديد من المصالح التابعة لرأس الدولة مباشرة.

 

من ناحية ثالثة, فإن العديد من النصوص القانونية والإجرائية, تمنع النفاذ إلى المعلومات المصنفة "ذات الطبيعة الخاصة", أي المتعلقة بالحياة الخاصة للأفراد والجماعات, لدرجة قد يتعذر معها على المرء الاطلاع على سجله, بغرض التتميم, أو إصلاح خطأ, أو التأكد من عدم تقادم البيانات المسجلة باسمه.

 

هذه العوائق القانونية الثلاثة, هي التي لا تزال, في تصورنا, حجرة عثرة بوجه أي مبادرة للنفاذ إلى المعلومات, أو صياغة مشروع متكامل لتجاوزها (العوائق أقصد), سيما لو كانت مشتتة بين مجموعة لوائح وتشريعات, يتعذر على المرء معها معرفة القاعدة من الاستثناء.

 

إلا أن ثمة ثلاث حالات "مضيئة", من الإنصاف التوقف عندها هنا, على اعتبار تكريسها ولو ضمنيا, لبعض عناصر التواصل العمومي العصي على الاستنبات بالمغرب:

 

+ الأولى وتتعلق بحالة هيئة الإنصاف والمصالحة, التي أنشئت بالعام 2004, بغرض حصر واستقصاء, وجرد الخروقات الخطيرة لحقوق الإنسان, والتجاوزات التي طاولت هذه الأخيرة, في العقود الثلاثة اللاحقة على الاستقلال. وقد كان لها أن تبحث في حالات عديدة ومتشعبة, إما عبر شهادات الأحياء, أو الأرشيفات المتوفرة, أو مباشرة من أفواه من كانوا عرضة لهذه الخروقات, ولا يزالوا على قيد الحياة.

 

وعلى الرغم من كونها استبعدت جملة وتفصيلا الجانب القضائي من العملية, فإنها (سيما عبر العديد من اللقاءات والندوات والموائد المستديرة) قد استطاعت أن تسهم في نوع من التواصل مع الضحايا, أو مع أبنائهم بطريقة تلقائية وعفوية, على الرغم من أن تقريرها النهائي لم يفصح جهارة, عن طبيعة العوائق التي لقيتها الهيئة, في بحثها عن المعطيات والبيانات, حتى بتلميحها إلى الجهات التي امتنعت عن فتح أرشيفها لها, أو سمحت بلقاء من يقومون عليها.

 

+ الحالة الثانية, وتتعلق بلجن التحقيق البرلمانية التي أقامتها المؤسسة التشريعية, لاستقصاء بعض حالات الفساد الكبرى, التي طاولت تسيير بعض المؤسسات العمومية, في السنين الأخيرة.

 

وعلى الرغم من الطبيعة الاستثنائية لهذه اللجن (بالقياس إلى الوظيفة التشريعية للبرلمان), فإنها أسهمت, بتلازم والبث المباشر للأسئلة الشفوية, في انسياب مهم للمعلومات, وأسهمت أيضا, وإلى حد ما, في رفع جزء من الستار عن طرق وآليات اشتغال بعض أجهزة الدولة, سيما ذات العلاقة المباشرة بالمواطنين.

 

والسر في ذلك متأت من كون القانون يعطي هذه اللجن, حق "الاطلاع على الوثائق العمومية, أو الخاصة التي لها علاقة بموضوع التحقيق", ويعطي رئيس اللجنة, صلاحية مكاتبة الجهات التي تحتكم على هذه الوثائق لغرض توفيرها...أو استدعائها للاستماع إليها, في كل ما من شأنه أن يساعد في التحقيقات.

 

إلا أن ذات الحق, الذي يعطي الانطباع بمرونة المسألة, يصطدم بالقيد الذي يفرضه القانون (القانون التنظيمي للعام 1995) على بلوغ المعلومات المتعلقة ب"الأمن الوطني والأمن الداخلي والخارجي للدولة, وعلاقات المغرب مع البلد الأجنبي", ويرهن ذلك بموافقة الوزير الأول.

 

وعلى الرغم من نجاح بعض اللجن (أنشئ منها حوالي أربع لجن من 25 سنة), فإن معظمها لم يوفق في تحديد المسؤوليات بدقة, أو اصطدم بلوبيات المصالح الكبرى, أو لا زال يراود مكانه بحثا عن المعلومات, أو تم تحويله جملة وتفصيلا لمصالح وزارة العدل, عندما تبين أن بعضا من المتورطين كانوا, أو لا يزالون بأعلى هرم السلطة.

 

وبكل الأحوال, فإن عمل اللجن يبقى محدود النتائج والتبعات, كون هذه الأخيرة غير مجبرة على نشر تقاريرها,  ليطلع عليها الرأي العام. بهذه النقطة أيضا, يبدو التواصل العمومي معطوبا في أساسه, مرهونا في أبجدياته, وغير قادر على التمأسس.

 

+ أما الحالة الثالثة فتتعلق بميدان بلوغ المعلومات فيما يتعلق بالصفقات العمومية, على اعتبار أن هذه الأخيرة غالبا ما يشار إليها بالأصبع من لدن الفاعلين الاقتصاديين, كونها تعدم الشفافية, والوضوح, والمرونة اللازمة.

 

صحيح أن بعض الإصلاحات قد تم اعتمادها (سيما منذ وصول حكومة "التوافق" للسلطة) من قبيل إجبار الإدارات العمومية, على نشر برامج عملها بالصحافة بنهاية كل سنة مالية, وإخبار المتنافسين عن تواريخ وطبيعة العروض. إلا أن ثقل الرقابة المالية, وانتشار ظاهرة الرشوة والمحسوبية والزبونية, تحول دون تجسيد مبدأ الشفافية والمساواة بين المتبارين, والذي دفع به القانون بهذه الزاوية.

 

بالمقابل, فإن طلبات العروض غير الممنوحة لسبب من الأسباب, غالبا ما لا تجد الإدارة نفسها مجبرة على تسويغها, أو تبرير السر في ذلك, دونما (مثلا) أن تكلف الإدارة نفسها حتى عناء إرشاد المتظلم عن الجهة التي بإمكانه رفع التظلم إليها.

 

بالارتكاز على ما سبق (وعلى ما سبق على الأقل), يبدو أن عناصر التواصل العمومي بالمغرب, هي أبعد من أن تتجذر, أو تتكرس بأرض الواقع. والسبب في ذلك لا يكمن فقط في المعوقات المتعددة التي أشرنا إلى بعض منها فيما سبق, ولكن أيضا إلى تعذر مشاريع "إصلاح وعصرنة الإدارة", التي لطالما وعدت بها الحكومات المتعاقبة...دون مفعول أو فعالية.

 

 

يحيى اليحياوي

الرباط, 2 نونبر 2009