في الإرهاب والإعلام وتسويق الخوف
يحيى اليحياوي
1- لن يجازف المرء كثيرا بالقول بأن السنة الأولى من الألفية الثالثة كانت وبامتياز مختزلة ( لنقل أريد لها أن تختزل في الشكل كما في الجوهر) فيما حدث يوم الحادي عشر من سبتمبر بنيويورك وواشنطن.
والواقع أنه بصرف النظر عن الواقعة ذاتها والموقف منها ومن منفذيها المفترضين، فإن ما ترتب عنها (وما سيترتب)، ما جرته على بعض من شعوب الأرض (وما ستجره على أخرى دون شك)، بصرف النظر عن كل ذلك، فإن الأنكى حقا هو اعتبار ما حدث "حادثا مفصليا" تقاس بالرجوع إليه سياسات واختيارات ومواقف الدول والحكومات، الأفراد والجماعات.
ولئن كانت الأحداث إياها بمثابة الشعرة التي قضمت ظهر البعير في السياسة الخارجية (والعسكرية) الأمريكية وأفسحت في المجال لمهندسيها بجهة تصفية الجيوب المناهضة لها، المنددة بعدم حياديتها (دولا ومنظمات ومجموعات)، فإن ذات الأحداث هي نفسها التي أريد على خلفياتها إبراز الوضعية الأمبراطورية التي آن للولايات المتحدة الأمريكية أن تشهرها في وجه أعدائها كما في وجه أصدقائها سواء بسواء.
بالتالي، فالولايات المتحدة لم تدع استعداء أحد على خلفية من الاستعداء النابع من القوة (أو هكذا يقال)، دولة كانت أم منظمة أم عقيدة، بقدر ما لم تتوان في استعداء من تصنفهم قوائمها "إرهابيين" أو "مارقين" أو مكامن للشر وما سوى ذلك.
وبقدر ما لا تشفع ظروف التخفيف للدول والمنظمات إن هي صنفت إرهابية بالمطلق، فإن ذات الظروف لا تشفع لها في حالات أخف، أي حالات إيواء الإرهاب أو تمويله أو التعاطف معه.
وعلى هذا الأساس، فالدول (لربما كل دول العالم) هي وفق هذا المنطق مدانة أيما يكن مستوى الإدانة إلى أن تثبت براءتها أو تبقى تحت المراقبة إلى أجل غير مسمى.
ليس من المبالغة في شيء القول إذن بأن العالم عاش وعلى امتداد سنة من الزمن كاملة تحت وطأة من الخوف الممنهج تناوب على ترويجه كبار الساسة الأمريكان ومستشاروهم (العسكريون منهم والمدنيون) تحت مسوغة "من ليس معنا فهو بالضرورة ضدنا"، بمعنى أن من لا يتضامن معنا فهو حتما متضامن مع أعدائنا.
2- لم يسلم الإعلام من الثنائية إياها ولا مما قد يستتبع تغافله لها من متاعب ومشاق، بل تبناها والتزم بها قلبا وقالبا وأشاع لها الفلسفة والامتداد.
والحقيقة أنه لو كان لنا أن نحدد موقع الإعلام (المكتوب منه كما المسموع كما المرئي) بعد عام كامل على أحداث الحادي عشر من سبتمبر، لاستحضرنا في ذلك أربع ملاحظات كبرى نعتبرها كافية لفهم "السلوك الإعلامي" الذي أفرزته الأحداث إياها:
+ الملاحظة الأولى وتكمن في الانبطاح المؤكد وغير المشروط للمستوى الإعلامي أمام المستوى السياسي والعسكري (والاستخباراتي إلى حد بعيد أيضا).
لا يتعلق الأمر هنا فقط (من لدن الإعلام) بالدفع بضرورة الانتقام من منفذي الضربات (حتى في عدم ثبوت الجهة المنفذة) والمناداة (عبر تأجيج الرأي العام) بضرورة إحضار "رأس بن لادن حيا أو ميتا"، ولكن أيضا بتزايد وتيرة الكتابات الصحفية المطالبة باستهداف كل من لا يتعاون مع الإدارة الأمريكية إما بالأرض (كما كان الحال مع باكستان) أو بالمعلومات الاستخباراتية كما تسابقت إلى ذلك معظم دول وحكومات العالم، المتقدم منه كما المتخلف سواء بسواء.
والعبرة هنا لا تتمثل في ارتهان السياسي للمؤسسات الإعلامية وإخضاعها لخطابه و"إكراهاته"، بل تتمثل أساسا لربما في قابلية ذات المؤسسات على التماهي في وظيفة (وظيفة الارتماء في أحضان السلطة السياسية) لطالما نبذتها وشنعت بها، بل قل كانت، إلى حين عهد قريب، وبكل المقاييس سلطة مضادة لها.
بالتالي، فبقدر ما تسرع المستوى السياسي (والعسكري) في تحديد "الجناة" وعزمه ملاحقتهم واستئصال جذورهم (لا مقاضاتهم)، بقدر ما سار الإعلام على نفس المسار، نسج على منواله وكيف الرأي العام (الداخلي بالأساس) للاصطفاف وراء ذات القرار.
لا قيمة، بناء على ذلك، لمنابر إعلامية مستقلة أو تدعو لإعمال منطق الحكمة والتعقل وتقصي الحقائق، فحال ذات المنابر أصبح نشازا في سياق أصبح للثأر بخضمه القول-الفصل.
+ الملاحظة الثانية وتحيل على البعد التعتيمي الذي مارسه (عن قصد دونما أدنى شك) صاحب القرار السياسي وألزم الإعلامي باعتماده، بالترويج له، بإشاعته بالكلمة كما بالصوت والصورة.
والتعتيم الذي نقصده هنا لا يتعلق (من لدن السياسي) باستبعاد كل ما من شأنه التشكيك في "العدو المعلن" (أعني "الإرهابي المنعوت")، بل وأيضا استبعاد كل الأقلام والوجوه والأفكار التي من شأنها (بالصحيفة كما بالإذاعة كما بشبكات التلفزيون) إفساد مخطط الحرب الوارد أو التشكيك في خلفياته ودواعيه.
والتعتيم المقصود في هذا المقام هو أيضا من إلزام المنابر على اعتبار (وترويج) فكرة أن ما راج يوم الحادي عشر من سبتمبر إنما هو "تآمر على الحضارة الغربية" و "استهداف لنمط العيش الأمريكي" و "تحامل على قيم الليبيرالية والحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان" التي تنعم بها أمريكا (والغرب عموما) وبغيابها بباقي دول العالم تتزايد "نعرات الحقد والكراهية" وما سواها.
لم يكتف الإعلام بنشر ذات الاعتقادات وتوزيعها على نطاق واسع، بل عمل (بحكم منطق التكرار اللامتناهي) إلى جعلها حقائق كبرى لا يأتيها الخطأ لا من أمامها ولا من خلفها.
بالتالي، فلم يعد الإعلام ناطقا رسميا باسم المؤسسة السياسية والعسكرية فحسب، بل أضحى جهازا معتمدا يشرعن لممارسات ذات المؤسسة ويبرر لها التصرفات، بل قد يتجاوزها، في أحيان عديدة، عندما يستعجل القصاص أو "يستنكر التردد في القرار".
وعلى هذا الأساس، فلم يختلف السياسي والإعلامي منذ الحادي عشر من سبتمبر حول ماهية "الإرهابي" ولا اختلفا حول سبل استئصاله وتدميره سيان لديهما أتوفرت دلائل الإدانة أم لم تتوفر...فهما معا (أو هكذا يدعيا) ضحية "عدو مشترك" يستهدف الحرية والليبيرالية والديموقراطية.
+ الملاحظة الثالثة وتتعلق باستراتيجية "تسويق الخوف" التي اعتمدتها الإدارة الأمريكية منهجا وسلوكا واستوظفت لتمرير ذلك منابر الصحافة والإعلام.
واستراتيجية "تسويق الخوف" المعتمدة هاته لا تتغيأ فقط "شيطنة العدو" وإظهاره بمظهر "الشرير، المارق والضال"، بل وتتغيأ أيضا تبيان القابلية التي من المؤكد أنها تتوفر لديه على الإيداء والتدمير اللامتناهيين.
لن يتعذر الأمر على قارئ الصحيفة (كما على المستمع للإذاعة كما على المشاهد للتلفزيون أو المبحر في الأنترنيت) أن يقيم خطا فاصلا بين الخطأ والصواب...إذ لم يعد بإزاء تضارب للآراء له أن يقيم أصوبها، بل أضحى رهينة لصناعة الخوف التي تقوم عليها مؤسسات مختصة لا تعدم لديها الأفكار ولا التقنيات.
بالتالي، فلم يعد الخوف (منذ الحادي عشر من سبتمبر) لازمة إنسانية تطفو وتخفت، بل أصبح هوسا نفسيا جماعيا لن يتسنى التخلص منه إلا بالتخلص من العناصر التي تشيعه، تغرسه في النفوس بقوة التكرار وتتخذ منه مذهبا ومسلكية.
+ الملاحظة الرابعة وتحيل صوبا على الحرب السيميائية التي استنبتها المستوى السياسي وتلقفتها وسائل الإعلام دونما تدقيق في محتوياتها ومضامينها.
لم ينحصر الأمر في هذا الباب على عبارة "الإرهاب" التي أصبحت عنوان معظم المقالات والتعليقات والدراسات (حتى الأكاديمي منها)، بل تعداها إلى عبارات (من قبيل "الحرب الصليبية" و "محور الشر" وغيرها) جرت على العديد من الجنسيات والديانات والمعتقدات (بالولايات المتحدة كما بباقي الدول الغربية) المضايقات والتحرشات وشتى ضروب المتابعات والمراقبة.
صحيح أن ذات الحرب (السيميائية أعني) كانت قائمة ولها أقلامها ووجوهها (بمراكز الأبحاث الاستراتيجية كما بالجامعات كما بمؤسسات "الأمن القومي" الأمريكية)، لكنها بعد الحادي عشر من سبتمبر أصبحت المحدد المركزي للسياسات المعتمدة بل قل موجهها الأقوى.
وعلى هذا الأساس، فلم يعد المطلوب من الإعلام الأمريكي (كما الغربي) تمرير ذات السياسات أو ترويجها بالداخل كما بالخارج، بقدر ما أصبح مطالبا بتبريرها والشرعنة لها بالكلمة والصوت والصورة.
3- لم يشد "الإعلام العربي" (بصحافته وإذاعاته وقنواته الفضائية بالأساس)، لم يشد كثيرا عن السياق القائم:
+ فهو إعلام سلطاني في غالبيته من المتعذر كثيرا فصله عن الحاكم (رئيسا كان أم ملكا أم أميرا أم غيرهم).
بالتالي، فمواقفه كانت (ولا تزال حتما) من مواقف الحاكم إياه إبان أحداث الحادي عشر من سبتمبر كما بإزاء ما ترتب عنها ويترتب.
ومعنى هذا أن انبطاح ذات الإعلام أمام ما وقع من أحداث (وما سيقع) لا يوازيه إلا انبطاح الحاكم نفسه وتخوفه من الإدانة أو التشنيع أو التضييق.
تساوقت إذن "مواقف" معظم المنابر الإعلامية العربية مع مواقف الحكام فدفعا مجتمعين برد الفعل أكثر ما اجتمعا على ضرورة التأثير والفعل.
+ وهو إعلام تابع على حد بعيد، إذ لم يكتف بتبني "مواقف" الحاكم، بل روج للخوف داخل الوطن الواحد على خلفية من الاستهداف و "محاربة التطرف" والتساوق مع النهج المعتمد أمريكيا "لمواجهة الإرهاب".
+ ثم هو إعلام لا يحتكم إلى الالتزام في الرسالة أو الجرأة في التقويم، إذ سرعان ما تماهى مع "قاموس المصطلحات" الذي وضعته الإدارة الأمريكية وانصرف عن غيره من القواميس.
لا يتعلق الأمر هنا باعتماده عبارات "الإرهاب" و"العنف" و "التطرف" التي تعممت عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، بل سحب صفة الاستشهادي التي كانت تصاحب عمليات المقاومة الفلسطينية لفائدة المصطلحات المعتمدة في الإعلام العالمي (من قبيل "الانتحاري" و "الفدائي" وغيرها) أو من لدن الصحافة الإسرائيلية ذاتها عندما تتحدث عن "الإرهابيين" و"المخربين" وما سوى ذلك.
وبناء على ما ورد، فإن الاعتقاد السائد (ولربما المؤكد أيضا) هو أن الإعلام العربي (بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر) لم تتكرس بصلبه خاصية الانهزامية، بل تعدى ذلك إلى اعتماد خطاب يدفع بقابلية الانهزام إلى مداها الأبعد.
جريدة العلم، 11 شتنبر 2002