ما المشين في
السلوك
الإيراني
بالعراق؟
عندما
يعلن شيخ، طاعن في
السن وفي
العلم وفي
الوطنية، كالشيخ حارث
الضاري جهارة
بأن إيران
موغلة في العراق
حتى النخاع، فلأن للرجل
تأكيدا
الدلائل
والحجج على
ذات التوغل
المشارف على التغول، استدعت من
الرجل الخروج
عن هدوئه واتزانه
المعتاد، والجهر بما
تحاشى الجهر
به صراحة منذ
سقوط بغداد في
التاسع من
أبريل من
العام 2003.
وعندما
يتكتم موالو
إيران،
حكومة وطوائف
وميليشيات
ومرجعيات
دينية،
عن ذات التوغل
أو يحسبونه
ضمن "نفوذ
الجوار الجغرافي
الطبيعي"، فلأن لهم في
ذلك تواطؤا
بائنا،
أو فائدة
قائمة،
أو مصلحة
مرجوة لا
يماروا في
الإفصاح عنها
فيما بينهم
وأمام الملأ
أيضا.
وعندما
يدعي
الأمريكان
(والبريطانيون
بجنوب العراق)
بأنهم لا
يحتكمون على
قرائن وبراهين
دامغة تدين
الإيرانيين
(المدانين من
لدن أكثر من
جهة بتزويد
حلفائهم
بالعراق
بالسلاح
والعتاد)، فلأنهم يغضون
الطرف عنوة عن
ذلك،
لخدمة مشروع
مؤداه ترجيح
كفة الشيعة، وموالاتهم
سرا وعلانية
في أفق ما
رسموا
ويرسموا من
سياسات.
وعندما
يعلن الرئيس
الإيراني أن لا
مانع لديه
لمساعدة
الأمريكان
بجهة ضمان
خروجهم من
العراق،
في إطار ما
أوصت به لجنة بيكر/هاملتون
أو في إطار
مؤتمر إقليمي
أو دولي،
فلأنه يدرك جيدا
أن لديه
بالعراق أكثر
من مدخل (سيما
مدخل حلفائه
بأرض الواقع)
للدفع بذات
الاتجاه أو
الإسهام بقوة
للتأثير فيه.
من
المزايدة
الخالصة حقا، على الأقل
بناء على ما
سبق،
التحايل على
حقيقة تغلغل
النفوذ الإيراني
بالعراق. ومن
غبن الحقيقة
أيضا الادعاء
بحيادية دور إيران
فيما يجري
بالعراق من
تصفيات على
أسس مذهبية، ومن اقتتال
على الهوية تذكيه
نيران
الطائفية، ومن ترحيل
قسري لأهل
السنة يكاد يوشك
في بعض من
أوجهه،
ليكون تطهيرا
عرقيا على
شاكلة ما
شهدناه نهاية القرن
الماضي،
ببعض دول
إفريقيا
السوداء أو ببعض
جمهوريات
أوروبا
الشرقية
المتفسخة
الأضلع
والبنيان.
وعلى
الرغم من
إنكار ذات
الحقيقة، حقيقة
النفوذ
الإيراني
القوي
بالعراق المحتل، من لدن
العديد من
هؤلاء،
فإن بعض
المعطيات القائمة
على الأرض لا
تدع مجالا للمكابرة
في ذات
الإنكار جملة
وبالتفصيل:
+
فالحكومات
الثلاث
المتعاقبة
على العراق المحتل، ارتكزت في
منطوقها
واتكأت في
تركيبتها على
مبدأ
المحاصصة
الطائفية كان
للشيعة
والأكراد
بموجبه (في
مقاطعة أهل
السنة) النصيب
الأوفر،
وكان لحلفاء
إيران (سياسة
ومذهبا) الحصة
الأكبر. كان
للحزبين
الكرديين
اللذان حاربا
إلى جانب
إيران في حرب
الثمان سنوات
نصيب،
وكان للمجلس
الأعلى
للثورة
الإسلامية
نصيب،
وكان لحزب
الدعوة نصيب، وكان لمقتدى
الصدر نصيب، وكان للجلبي
نصيب،
وكلهم (اللهم
إلا الجلبي) عاشوا
بالكنف
الإيراني
"زمن المنفى"
أو كانوا، بالنسبة
لمقتدى الصدر، في فلكها
يدورون بهذا
الشكل أوذاك.
+
والميليشيات
"القوية"
بعراق
الاحتلال، هي صنيعة
ذات الأحزاب
الشيعية
تشكيلا وتمويلا
وتأطيرا، ترصد لها
العدة
والعتاد
(بالمال
العراقي
المتسيب) من
إيران مباشرة، أو عن
طريقها الغير
مباشر في
حالات عديدة، أو بغض
الطرف من
لدنها في
حالات عديدة
أخرى... حالات
التهريب
بالأساس.
+
والمرجعية
الدينية
العليا لذات
الأحزاب والميليشيات
فارسية الأصل، إيرانية
الجنسية، رفضت
بشدة التجنيس
بجنسية بلاد
الرافدين، أفتت
منذ اليوم
الأول
بمهادنة
الاحتلال، وباركت
خطواته
وتدابيره
بالنصيحة
حينا وبالصمت
أحيانا،
وزكت
الحكومات
المترتبة عن
قراراته، ولم تفه بأدنى
تصريح (فما
بالك أن تفتي)، فيما أقدمت
عليه ولا تزال
ميليشيات بدر
وجيش المهدي
وعصابات حزب
الدعوة
والجلبي وما
سواهم.
وإذا
كان من غير
الصواب الطعن
هنا في أهلية
علي
السيستاني، أو المزايدة
على رجحان
كفته العلمية
والاجتهادية
(وقد اعترف له
بها أتباعه
وخصومه على
السواء)،
فإن الأخذ
بآرائه
وفتاواه دون
سواه،
لا يغبن فقط
المرجعيات العراقية
(المعارضة
للاحتلال والمطالبة
بالمقاومة
المسلحة ضمنا
وعلانية)، بل ويشي
أيضا بأن
لإيران
بالعراق
الحلف السياسي
الكبير،
ولها بالتزامن
وذلك الرافد
الرمزي
الأكبر...الرافد
المشرعن لها
ولأتباعها
أقصد.
هي
متمكنة إذن من
مفصلين
أساسيين، لا يستطيع
المرء حقا
إغفالهما أو
إعمال الجهد
لإدراكهما.
وهي متمكنة من
مسارات
"العملية السياسية"، سيما وأن
حلفاءها هم
القائمين عليها
بالحكومة كما
ب"الجمعية
الوطنية" كما
بالتأثير
المعنوي
المباشر.
ما
الذي تراهن
عليه إيران
بالعراق
المحتل؟ وما
الآية من
سلوكها هذا، إذا لم يكن
تأجيجا لنار
التطاحن
الأهلي فيما بين
أبنائه؟ ما
السر في
مساندتها
لطرف دون طرف
ورفده
علانية
بالسلاح كما
بالمال، كما بالتبني
المباشر؟
ليس
سرا معاودة
القول بأن
إيران
(الفارسية
تحديدا) إنما تريد
عراقا مقسما، أو بأقل
تقدير موحدا
لكن ضعيفا، وفي أحسن
الحالات
تابعا
"استراتيجيا"
يدين لها
بالولاء
السياسي، ولا يتمنع
في "تصدير
ثورة" كان
الإمام
الخميني يتطلع
إلى إشاعتها
بالخليج، لولا تصدي
الرئيس
العراقي صدام
حسين له، وثنيه قسرا
عن مبتغاه.
قيل ذلك في
حينه،
ولا تجد إيران
اليوم حرجا في
إحيائه،
إذا لم يكن
كهدف
استراتيجي ذو
أولوية كبرى، فعلى الأقل
إكراما لروح
زعيمها
الراحل،
الذي مات
بحسرة من
مشروع لم
يدركه بحياته.
وليس
سرا أن نعاود
القول من جديد، بأن
"المسألة
العراقية" إنما
أضحت اليوم
بيد إيران، ورقة تفاوض
ضاغطة مع
الأمريكان، ليس فقط
بجهة دفعهم
لغض الطرف عن
برنامجها النووي
ذي التداعيات
الدولية
الشائكة
والمتشابكة، ولكن أيضا
لاقتسام
النفوذ
بالمنطقة
(منطقة الخليج)
ترى إيران أن
لها بها (قبل
الأمريكان)
داع
استراتيجي
كبير،
ولها بمياهه
ومضايقه
ومعابره
منفذا حيويا لا
يمكن أن تتنفس
من دونه.
وليس
سرا أيضا
القول بأن
إيران أدركت
منذ اليوم
الأول وتدرك
جيدا الآن، أن تحييدها
من العراق هو
بالقطع تحييد
لها من
المنطقة، ليس فقط
لصالح الأمريكان
(في إطار
مشروعهم ل"الشرق
الأوسط
الكبير")، بل وأيضا
لفائدة
إسرائيل، التي لم تخف
يوما
تطلعاتها لأن
تكون القلب
النابض لذات
المشروع
بالمنطقة.
لو
سلم المرء
جدلا بحسابات
إيران هاته، واعتبر أن ما
سبق هي محددات
جوهرية
موضوعية
لسلوكها
بالعراق، فما دواعي معاتبتها
أو الإشارة
إليها
بالأصبع؟ ثم
إذا كانت
العلاقات بين
الدول هي
علاقات مصالح
بامتياز، فما العيب
في أن تدفع
إيران
بمصالحها
المباشرة من بين
ظهراني دولة
جارة لها، تتقاسمها
الحدود،
ويدين جزء
كبير من ساكنتها
بالمذهب ذاته، ولها به
أوراق ضغط
حقيقية على الأعداء
كما على
الحلفاء سواء
بسواء؟
قد
لا يبدو
للوهلة
الأولى على
الأقل،
أن ثمة أمرا
مشينا
بالسلوك الإيراني
بالعراق:
+
فلإيران
بالعراق
مصالح
جيوستراتيجية
كبرى،
إذا لم يكن من
بين ظهرانيه
مباشرة
وبالزمن
المنظور، فبالتأكيد
كمدخل قوي لها
للتأثير في
تشكيل ما اضحى
منذ مدة سعيا
حثيثا
بجهة تشكيل شرق
أوسط "جديد".
+
ولإيران
بالعراق
أوراق ضغط
قوية لمفاوضة
الأمريكان (أو
للتنغيص
عليهم يقول
البعض)،
كما مع الدول
الغربية التي
لها بالمنطقة
مصالح،
أو تتطلع لأن
يكون لها نفوذ
بهذا الشكل أو
ذاك (حالة
فرنسا بلبنان مثلا).
+ ولإيران
بالعراق، فضلا عن كل
ذلك،
ترتيبات
مستقبلية، لا تستبعد
إحياء
"النعرة
الأمبراطورية"
التي راودت
الشاه وراهن
عليها،
ولم تسعفه
السياقات
السائدة في
حينه لتجسيدها، أو تجسيد
الجزء
الإقليمي
منها على أقل
تقدير.
لماذا
نعيب إذن على
إيران سلوكها
ببلد جار لها، أضحى ساحة
مفتوحة،
يتناحر بين
ربوعه
الأغراب (فلم
لا الجيران)، لتحصيل نصيب
من الغنيمة أو
من النفوذ أو
من
الامتيازات؟
ما
السر في توجيه
اللائمة فيما
يجري بالعراق لإيران، في حين يعمل
الأمريكان
(وإسرائيل بالخصوص)
بالمضمر، ولا يأتي
أحد على ذكرهم
إلا فيما ندر؟
قد
لا يجد المرء
غضاضة في طلب
بعض من
الشفاعة
للنفوذ
الإيراني
بالعراق... فإيران
بكل الأحوال
وبالمحصلة، أولى من
الأمريكان
ومن إسرائيل.
وقد
لا يجد المرء
مآخذ كثيرة
على "سلوك
واقعي"،
من لدن دولة
كإيران أدركت
جيدا أن اعتماد
الواقعية زمن
العولمة أفيد
لها وأنجع.
لكن
الذي لا
يستطيع المرء
تسويغه حقيقة، أو قبوله أو
إيجاد
المبررات له، إنما تمويل
إيران للعديد
من فرق الموت، التي تستهدف
أهل السنة
بمدنهم،
كما بقراهم، بمناطقهم
كما بالأحياء
والشوارع، عبر شرطة
حكومة تدين
لها بالولاء، وميليشيات
تأخذ لها
الثأر من طائفة
أخذت بجريرة
أحد أبنائها
عندما كان رأس
السلطة بالعراق.
إيران من هنا
إنما تعمد، مباشرة أو
عبر روافدها
بالداخل، إلى استصدار
هوية العراق، و"تنقية"
ساكنته من
تميزاتهم
العرقية أو المذهبية
أو ما سواها.
والذي
لا يستطيع
المرء قبوله
أيضا،
فما بالك أن
يسوغ له،
إنما تماهي
مخططات إيران
مع مخططات قوى
الاحتلال (وإن
بالتقاطع
"الطبيعي")، لدرجة دفعت
الشيخ حارث
الضاري للقول
بأنه لولا دور
إيران،
لكانت
المقاومة قد
دحرت
الاحتلال من
مدة.
كيف
يعقل أن تتاجر
إيران
المسلمة بدم
إخوة لها
بالدين في
العراق،
بغرض إدراك
مصالح أنية، أو توظيف
أوراق تفاوض
مستقبلية، أو التموقع
على تخوم خليج
لطالما ادعت
طبيعته
الفارسية؟
كيف
لها أن تعمد
مع الاحتلال
("غريمها")، إلى محاصرة
المقاومة
العراقية، وهي التي لم
تكف عن
الادعاء بمساندتها
للمقاومة
بلبنان
وبفلسطين
وبأفغانستان؟
لا
أتصور،
صراحة،
أن العراقيين
سيغفروا
لإيران
"الجارة"، هذا الدور
القذر الذي
تقوم به لتشديد
محنة العراق... تماما
كما لن ينسوا
لعملائها
بالعراق
عملتهم وتماديهم
في رهن حاضر
بلادهم
ومستقبلها
بدولة خارجية، حتى وإن
كانت "جارة
ومسلمة"...
يحيى
اليحياوي
الرباط، 18 دجنبر 2006