مفهوم الاتصال

 

 

مفهوم "الاتصال", بالمعنى المضفى عليه منذ مدة ليست بالبعيدة, مفهوم جديد النشأة, حديث العهد, إذا لم يكن بالتنظير الجاد للكلمة, فعلى الأقل بمنسوب الرواج الذي يلقاه هنا وهناك .

 

والواقع أنه على الرغم من أن الكلمة (كلمة الاتصال) قديمة قدم الإنسان وأكثر, إلا أن الفضاءات الواسعة التي أضحت تغطيها, منذ أواسط القرن الماضي, جعلت منها ليس فقط "معطى" اجتماعيا وسوسيولوجيا (وأنتروبولوجيا أيضا) قائما, بل وحولته إلى وحدة تحليلية ومفاهيمية معتمدة في الأبحاث والدراسات, بل ومؤطرة " لعلوم" جديدة تدرس بالمعاهد والمراكز والجامعات وغيرها.

 

لكن المصطلح أو المفهوم, حتى وإن اتسع فضاؤه منذ أواسط القرن العشرين, وساع مجاله باطراد كبير من فترته, فإن الوقائع المراد تغطيتها (أو ملامستها بواسطته) ليست بالراهنة ولا بالقريبة منا زمنيا...إذ الاتصال ملكة اجتماعية طبعت الحياة الإنسانية منذ خلق الله الكون, أو على الأقل الحياة بصلب هذا الأخير.

 

بالتالي, فليس من المهم كثيرا إثبات ذلك (مادام الاتصال غريزة أولية كبرى) بقدر أهمية الوقوف عند السر خلف اتساع مجاله, وتحوله إلى ما يشبه "القيمة الاجتماعية", على الأقل منذ حوالي خمسة أو ستة عقود من الزمن.

 

يقول فيليب بروتون في هذا الباب: "إن مجموع ما نسميه اليوم بممارسات الاتصال إنما كانت موجودة منذ زمن بعيد: فالإنسان, بالمفهوم الواسع للكلمة, كان دائما ودوما يتواصل. هذه الممارسات يمكن اعتبارها مزامنة للإنسانية, تماما كاللغة أو الأداة اللتان تعتبران الميزات الأساسية لإنسان ما قبل التاريخ...إنه بالإمكان تصور أن ممارسات الاتصال كانت بامتياز نقطة تلاق بين اللغة والأداة. أليس الاتصال هو في الآن معا تفعيل تقني للغة, مثلا في التبليغ والتبرير, وحركة إبداع في ميدان التقنيات, التي بمقدورها نقل الكلام على شكل رسالة؟".

 

من الواضح الجلي إذن أن الاتصال لم يكن, على الأقل إلى حين أواسط القرن الماضي, لم يكن له من وجود يذكر خارج نقطة التقاطع الجوهرية بين عالم اللغة وعالم التقنية.

 

ومن الواضح الجلي أيضا أنه لم يكن هنالك فضاء للاتصال قائم الذات, مستقلا عن هذين العالمين, وهو ما يشي بمدى ارتهانهما له (ارتهان مجالي اللغة والتقنية لفضاء الاتصال) لقرون عديدة قبل أن يعمد, مع نوربير فيينر أساسا, إلى تحديد مجاله الخاص في إطار  "نظريات الإعلام ونظريات الاتصال", وفي ظل نظرية السبرنطيقا وما سواها.

 

ليس ثمة شك أن اللغة كانت قائمة الذات منذ البدء, والاتصال أيضا كان حاجة قائمة منذ القدم, والأداة (التقنية أعني) كانت بهذا التطور أو ذاك قائمة, وكانت كلها مستويات مترابطة ومتداخلة, لكنها كانت محكومة في مجملها بالسياق الاجتماعي, الذي إذا لم يكن يحدد لها المرجعية والإطار, فقد كان يمهد لها سبل التمظهر والتجذر والشيوع.

 

وعلى هذا الأساس, فالمساءل هنا ليس فقط اللغة أو الأداة, بل هما معا بارتباط والتحولات المجتمعية القائمة. إذ إلى حين عهد ليس بالبعيد كثيرا, تم التسليم وبالقطع بأن الاختراعات إنما كانت تتم في مناخ شبه مستقل عن التحولات المجتمعاتية, وأن الأولى لا تؤثر في الثانية إلا تدريجيا وهامشيا...بل ذهب الأمر بمارشال ماكلوهان, نهاية ستينات القرن الماضي, إلى تبني أطروحة مفادها أن المراحل الكبرى لتاريخ الإنسانية, إنما ترتبت بطريقة  عضوية ومباشرة عن الإبداعات والاختراعات والتطبيقات التي تمت وتتم بميدان تقنيات الاتصال.

 

ومعنى هذا, في تصور ماكلوهان, أن المجتمعات الإنسانية إنما طالها و يطالها التحول والتغييرعلى المستوى الثقافي والذهني والاجتماعي, عن طريق التقنيات الكبرى التي تمثلت بداية في الكتابة والمطبعة, وفيما بعد في طفرة  وسائل الإعلام والاتصال الجماهيرية.

 

والواقع أن ما حملته هذه التقنيات, وتقنيات أخرى جذرية فيما بعد, إنما دشن لمرحلة جديدة لم تعد معها كلمة الاتصال مؤسسة "لعلم" مستقل قائم الذات, بل أضحت, بموازاة ذلك, عاملا مؤثرا وبقوة, في الحياة والاقتصاد والمجتمع والثقافة وغيرها.

 

يحيى اليحياوي

الرباط, 14 دجنبر 2009