"مفاهيم العقل العربي"

 

علي القاسمي، دار الثقافة، الدار البيضاء، 2004، 308. ص

 

1- ولد الدكتور علي القاسمي بالعراق (قد لا يهم مسقط الرأس في هذا الزمن الرديء)،  وبه تابع دراسته الابتدائية والثانوية ليلتحق بجامعة بغداد حيث تعليمه العالي الأول، وليستتبع ذلك بتعليم أعمق بالجامعة الأمريكية ببيروت، ثم بجامعة أكسفورد والسوربون وجامعة تكساس بأوستن في الولايات المتحدة الأمريكية.

 

نال ببعضها الباكلوريوس والليسانس في الحقوق ونال بالأخرى الماجستير في التربية ونال بثالثة شهادة الدكتوراه في فلسفة علم اللغة التطبيقي... ليعود مدرسا من بين ظهراني بعضها (جامعة بغداد وتكساس) أو يحاضر في أخرى (جامعة أكستر) أو يلتحق بأخريات لا تقل عن هاته أو تلك شهرة أو تخصصا (جامعة الملك سعود بالرياض وجامعة محمد الخامس بالرباط).

 

عمل مديرا للتربية (ثم للثقافة فيما بعد) بمنظمة الإيسيسكو ومديرا لأمانة مجلسها التنفيذي ومؤتمرها العام. كما عمل مديرا للأمانة العامة لاتحاد جامعات العالم الإسلامي لما ينيف عن عقدين من الزمن، ويعمل حاليا مستشارا لمكتب تنسيق التعريب التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم موازاة وصفة المقرر لمجلسه العلمي والعضو بهيئة تحرير مجلته "اللسان العربي".

 

لعلي القاسمي العديد من المؤلفات (بالعربية والإنجليزية) تتوزع بين السيرة التاريخية ("العراق في القلب: قراءات في الذاكرة والتاريخ"، 2004) وبين التاسيس الاصطلاحي للغة العربية ("المعجمية العربية بين النظرية والتطبيق" 2003، " معجم الاستشهادات" 2001، "معجم مصطلحات علم اللغة الحديث" 1981 وغيرها) وبين البحث الإنساني والاجتماعي الخالص ("حقوق الإنسان بين الشريعة الإسلامية والإعلان العالمي" 2001، "الجامعة والتنمية" 2002) وبين القصة الممزوجة بالشاعرية والإلهام (" صمت البحر" 2003، "رسالة إلى حبيبتي" 2003 وغيرها) ناهيك عن الترجمات العديدة التي برع فيها منذ ستينات القرن الماضي.  

 

2- ينقسم كتاب "مفاهيم العقل العربي" إلى مقدمة إجرائية وأربعة عشر " نصا" خص الكاتب كل منها بمفهوم تحديدا وتفسيرا واستشهادا بما تموجت وتتموج به الثقافة العربية:

 

+ بالمقدمة ("مفهوم المفهوم") ينطلق المؤلف من تحديد الفلاسفة العقلانيين للمفهوم، إذ يعرفونه " بأنه تمثيل فكري لشيء ما أو لصنف من الأشياء التي لها خصائص مشتركة. ويعبر عنه بمصطلح أو رمز حرفي أو أي رمز آخر بحيث إذا ذكر المصطلح أو الرمز أمام المرء يتبادر إلى ذهنه صورة ذلك المفهوم فيحصل عندئذ فهم الكلام".

 

وإذا كان للمفهوم خصائص جوهرية (ذاتية، ملازمة للشيء)، وخصائص عرضية (ثانوية وغير قارة)، فإن له أيضا بعدان اثنان (كمي ونوعي) هما امتداد للخاصيتين السابقتين من شأنهما تقريب المفهوم من المعنى العام أو تقريب هذا الأخير منه عبر عملية " تقطيع للوجود" بغاية تكوين مفاهيم منفصلة إجرائيا، لكنها تتصل فيما بينها لتكون شبكات يسميها الكاتب ب"الشبكات المفهومية".  

 

وعلى هذا الأساس، فإن المقاربة العقلانية إنما تفصل الفكر عن اللغة، على اعتبار أن "الفكر هو الذي تحصل في نطاقه المفاهيم، أما اللغة فهي مجرد أصوات تعبر عن تلك المفاهيم"، أي أن اختلاف مفردات وتراكيب اللغات قد تتباين، لكن المفاهيم تبقى واحدة يتمثل بها الأفراد وجودهم بحكم أن وحدة الوجود تفرز تلقائيا وحدة في الفكر الإنساني.

 

لا يمانع المؤلف في الاعتقاد بوحدانية الفكر الإنساني ولا في الطبيعة الحسية للأشياء، لكنه لا يحصرها في هذا الجانب، إذ الإنسان "لا يتعامل مع الموضوعات الحسية حوله فحسب، وإنما يتعامل كذلك مع الموضوعات المعنوية والقضايا المجردة كالعواطف والأحاسيس والانفعالات، كما يتعامل مع العلاقات القائمة بين الذوات والموضوعات". 

 

من هنا، يرى المؤلف، فإن اللغة " ليست موضوعية خالصة فحسب، بل ذاتية كذلك وإن دلالتها تكمن في استعمالها من قبل المرسل والمتلقي وتعتمد على السياق والمقام وتتأثر بمعوقات الاتصال". بالتالي، فالفرد لا يستطيع تمثل خصائص الأشياء بدقة وإدراك العلائق الناظمة لها تماما. كما أن المفاهيم ذاتها "لا تبقى صورة مجردة صافية لجوهر الأشياء في الوجود وإنما تتلون وتتشكل بالموروث الثقافي للفرد وما تضيفه الأسماء المعبرة عن تلك المفاهيم من إيحاءات هامشية"...هذا ناهيك عن كون عملية تقطيع الوجود ليست متماثلة عند كل البشر، بل " تختلف من مجموعة بشرية إلى أخرى".   

 

من هنا، فإن المفاهيم، يقول الكاتب، إنما هي "انعكاس الوجود في الذهن البشري" الذي يتعرض لتأثير المعتقدات والتقاليد والعادات وظروف الزمن والمكان وإكراهات السياق وأيضا بناه اللغوية التي يستنبت بها مفاهيمه الخاصة عن الأشياء كما عن الوجود سواء بسواء... لدرجة يذهب المؤلف إلى القول بوجود "علاقة حتمية بين تصورات العقل ومفاهيمه وبين سلوك الأفراد وتصرفاتهم. فإذا استطعنا تحديد مفاهيم ثقافة من الثقافات، تمكنا من معرفة توجهات الأفراد المنتمين إليها ومنهجية تفكيرهم وتمكنا كذلك من توقع أفعالهم أو ردود أفعالهم في المواقف الحياتية المتباينة".  

 

+ بالنص الأول (" مفهوم الحياة في العقل العربي") يجزم المؤلف، منذ البدء، بأن المفهوم إياه متباين المعنى والدلالة من ثقافة لأخرى " طبقا للمعتقدات الدينية والأساطير والتقاليد والعادات والموروث الفكري"، لكنه يندرج (على مستوى العقل العربي) في ثنائية الوجود التي لا يذكر طرف فيها إلا ويتداعي له الطرف الآخر (الموت مثلا مقابل الحياة).

 

وإذا بات من الثابت اليوم أن الإنسان لا يدرك سر الحياة، فإنه لا يدرك بالمثل السر في الموت بقدر إدراكه ل"جبرية الحياة" وزوالها وقصرها واستحالة الخلود بها وتكدرها إن ذهبت بالمرء إلى أرذل العمر. وهو ما تغيأ الكاتب إبرازه متكئا على ما كتبه الشعراء العرب (المعري، المتنبي، أبو العتاهية، أحمد شوقي، نازك الملائكة وغيرهم) ومستشهدا قبل ذلك بآيات من القرآن الكريم تبين ذلك وتستجليه.

 

+ بالنص الثاني (" مفهوم العلم في العقل العربي") يقف الكاتب عند النظام المعرفي في الإسلام ويقر بأنه مبني على ثلاثة مبادئ أساسية:

 

°- مبدأ ان "العلم لله العليم وليس للإنسان من علم إلا ما علمه الله تعالى". بالتالي، فلا احتكار للعلم ولا وصاية عليه بجهة النوع أو المصدر.

 

°- مبدأ لامحدودية العلم. " وهذه متوالية لامتناهية تؤكد لامحدودية المعرفة من ناحية وفتح باب البحث العلمي على مصراعيه من ناحية أخرى".

 

°- ومبدأ وجوب العلم لدرجة اعتبار طلبه فرض عين وليس فرض كفاية، "أي لا يكفي أن يقوم به بعض المسلمين نيابة عن بقيتهم وإنما يجب على كل واحد بعينه". بل إن طلب العلم أفضل من الجهاد، مساو للاستشهاد كما يروى عن الرسول الكريم: " يوزن مداد العلماء بدم الشهداء يوم القيامة".  

 

وإذا كان العلماء ورثة الأنبياء، فإن منزلتهم تستوجب فيهم التواضع (وتوفر سامي الأخلاق) والحث على طلب العلم وتحصيله وإخراج زكاته امتثالا لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: "العلم يزكو على النفقة"... وأيضا العمل على أن يكون العلم لله تعالى كما روي عن الرسول (ص): " من تعلم علما لغير الله وأراد به غير الله  فليتبوأ مقعده من النار".

 

+ أما " مفهوم الوطن في العقل العربي" (النص الثالث) فلا يهتم الكاتب ببعده القانوني أو بجانبه السياسي والاجتماعي، بقدر ما تغيأ استشفافه في عقل الإنسان العربي بناء على ما راج على ألسن الشعراء والرواة وما سواهم.

 

وبناء عليه، فإن الإنسان العربي لا ينظر في الغالب الأعم إلى الوطن إلا في كونه "الأرض التي يعيش عليها والديار التي يسكن فيها"، لكن ذلك لا يكفي في المطلق، في نظر القاسمي، إذا لم تتوفر عناصر الثقافة والفكر التي تجعل من ذات الوطن أكثر من أرض و أوسع من حدود جغرافية.

 

ليس من الأهمية في شيء، يعتقد المؤلف، أن يسأل المرء ماذا منحه الوطن، بقدر ضرورة تساؤله فيما منحه هو له أو تفانى في منحه إياه... وهذا يسري على المرء من بين ظهراني وطنه كما في مهجره إن اضطرته الظروف لمغادرته والابتعاد عنه.

 

+ لا يخرج " مفهوم الجوار في العقل العربي" (النص الرابع) عن السياق العام للكتاب، إذ يوضح المؤلف أن الجوار لا يخص الأفراد فيما بينهم فحسب، بل وكذلك الدول والشعوب. فكلما حسن الجوار عم الأمن والاستقرار والرفاهية.  

 

ويعتبر الكاتب أن الثقافة العربية صنفت حسن الجوار (بين الأفراد كما بين الجماعات والدول) ضمن " محاسن الأخلاق وطيب الأعراق"، بل إن الرسول الكريم رفع الجوار إلى مرتبة الإسلام حين يقول (ص): "أحسن جوار من جاورك تكن مسلما".

 

لا يقتصر الأمر هنا عند احترام الجار، بل يتعداه إلى ضرورة حمايته وتفقده وصيانة حريته وكتمان أسراره وإكرامه وما سوى ذلك.

 

+ بالنص الخامس (" مفهوم الصداقة في العقل العربي") يحدد المؤلف الصداقة في كونها تلك العلاقة المتبادلة " من العواطف الإيجابية بين كائنين، بحيث يكن أحدهما للآخر المودة والاحترام والتفضيل ويتمنى له الخير دون أن يتوقع النفع في المقابل"... وهو ما يفترض حسن اختيار الصديق والرفع من قيمته وصيانة حقوقه والوفاء له.

 

+ أما " مفهوم المرأة في العقل العربي" (النص السادس)، فيقر المؤلف أنه " لم ينصف معتقد من المعتقدات البشرية أو قانون من القوانين الوضعية مثلما أنصف الإسلام (المرأة) ورد التهم الموجهة إليها وفند الافتراءات التي تقال عنها ودفع الظلم الواقع عليها وحفظ لها قدرها وكرامتها وحقوقها"...

 

ويستشهد المؤلف بقوله سبحانه وتعالى: " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم..." وبقول الرسول (ص): " سووا بين أولادكم في العطية، لو كنت مفضلا أحدا لفضلت النساء على الرجال"...وهو نفس ما يلاحظه الكاتب في الثقافة العربية على الرغم من سيادة بعض المعتقدات الخاطئة المنطلقة من اعتبارات مزاجية المرأة أو "عدم الثقة بها" أو "غيرتها" أو "كيدها" أوما سوى ذلك.

 

+ وعن " مفهوم الجمال في العقل العربي" (بالنص السابع) يقر المؤلف أن " قيم الجمال والحق والخير أسمى القيم الإنسانية في العقل العربي. وقد ربط العرب القدماء بين هذه القيم قبل أن ينتبه افلاطون إلى ذلك بوقت طويل"... فميزوا بين الجمال الأصيل الطبيعي وبين الجمال المصطنع المتكلف.

 

+ وهو نفس ما يلاحظه المؤلف في حديثه عن " مفهوم الحب في العقل العربي"، بالنص الثامن، ويعتبره " مستوى سام من العلاقة بين الذات والآخر تكون الأفضلية فيها للآخر على الذات". ويلاحظ أن الثقافة العربية ميزت، منذ القدم، بين الحب الإلهي، المرتكز على الروح، والحب العذري المتداول بجل الأشعار العربية منذ العصر الجاهلي وإلى اليوم ويستدل على ذلك بالعديد من الأبيات الشعرية التي أنتجها إلهام الإنسان العربي.   

 

+ أما " مفهوم المال في العقل العربي" (النص التاسع) فيلح الكاتب فيه على الجانب المادي الصرف كما تراءى له في الثقافة العربية، لكنه يشدد على ما يتفرع عن ذلك من ثنائيات (الفقر والغنى، المال والأخلاق، المال والعلم، المال والقوة، المال والصداقة...) مع تأكيده على مبدأي حسن كسب المال وتنميته وإنفاقه فيما يعود بالخير على الأمة... ويساهم في تكريس قيم الكرم التي أكد عليها الإسلام وحكى الكاتب بشأنها قصة وقعت له بكوالا لامبور (بالنص العاشر عن " مفهوم الكرم في العقل العربي") مع الشيخ محمد الحمد الشبيلي.

 

+ بالنص الحادي عشر ("مفهوم الغربة في العقل العربي")، يميز المؤلف بين الغربة الاختيارية بغرض البحث عن الرزق (غربة الفقر) أو " تجديد المكان والعمل والوجوه" وبين الغربة القسرية بداخل الوطن أو بخارجه فرارا من حاكم مستبد أو سلطان جائر...  

 

أما غربة الفكر فتسكن الفرد عندما يحس بغرابة من هم حوله وتباين أخلاقه وأفكاره ورؤاه مع أفكارهم ورؤاهم وأخلاقهم...على أن أخطرها إطلاقا هي تلك التي يسميها المؤلف ب"الغربة المركبة"، أي حينما تجتمع " في الإنسان الواحد غربة الفكر وغربة الفقر وغربة الحب في آن واحد".

 

+ أما " مفهوم البكاء في العقل العربي"، فقد أفرد له الكاتب نصا مستقلا مستشهدا بالعديد من الأبيات الشعرية والشواهد التي تبين فائدة البكاء (في زمن الشدة والضيق) وأورد العديد من أنواع "البكاء" التي غالبا ما تروج مجازا بالفضاء العربي (البكاء على الأطلال، دموع العشاق، دموع التماسيح وما سواها). لكن الذي يثير المؤلف كثيرا هو بكاء الغربة... (للإشارة فالمؤلف يعيش بعيدا عن بلاده لأكثر من ربع قرن).

 

+ بالنص الأخير ("مفهوم الموت في العقل العربي) يتحدث الكاتب عن الموت (بعدما مهد لذلك بنص قبله عن " مفهوم المشيب") ويحيل على العقيدة الإسلامية التي تعتبر الموت نهاية وبداية، انفصالا واتصالا وأن الخلود لا يخرج عن نطاق الأسطورة باعتبار حتمية الفناء.

 

وإذا كان ثمة، يقول الكاتب، من الشعراء العرب من يدعي أنه لا يهاب الموت، فإن منهم أيضا من يصرح بخوفه منها لدرجة الرهبة، في حين نرى أن البعض الآخر يحن إليها إما تذمرا من الحياة الدنيا أو استعجالا للقاء ربه...لكنهم يمنون النفس جميعا بأن يبقى لهم ذكر ضمن الأحياء... وفاء لذكراهم أو اعترافا بعلمهم أو تيمنا بسيرتهم أو استنهاضا لمقومات الأمة على هدي من تفانيهم ونكران الذات الذي ميزهم...أو ميز بعضهم على الأقل.

 

يحيى اليحياوي

الرباط، 11 ماي 2006.