"الدور الثقافي للقنوات الفضائية العربية: المضامين والأشكال والتلقي"

 

محمد كحط عبيد الربيعي, الأكاديمية العربية المفتوحة في الدانمارك, 2007, 217 ص.

 

 

1- يقول الكاتب, بمقدمة بحثه: "لقد شهد العالم والمنطقة العربية ظهور عدد كبير من القنوات الفضائية, وأحدثت هذه الفضائيات العديد من التحولات الملموسة, كما حدثت تحولات في العديد من المفاهيم والقيم. إن هذه التحولات, بمختلف أبعادها, أصبحت اليوم تعكس حالة العلاقات القائمة بين الاقتصاد والاتصال, من أجهزة ومضامين وخدمات".

 

ويتابع القول: إنه "بفعل هذا كله تجاوز الإنتاج السمعي/البصري والتمويل الثقافي ومسالك التوزيع, حدود الفضاءات الجغرافية التقليدية لتصبح أوسع اتصالا واستهدافا لأوسع الفئات, في ظل عولمة امتدت إلى تركيبة الأنماط الثقافية والقيم والممارسات السلوكية, فأحدثت تغييرات جوهرية, شملت الوظائف الاجتماعية للثقافة من ناحية, والاستراتيجيات التربوية ومواقع النفوذ والتأثير من ناحية أخرى".

 

إن التلفزيون, يقول الكاتب, قد بات عنصرا فاعلا بالتنشئة الاجتماعية, حيث يكتسب الإنسان "ثمانية أعشار معلوماته كما تؤكد ذلك البحوث والدراسات العلمية, وتصبح 35 بالمائة عند استخدام الصورة والصوت في وقت واحد, كما تصل مدة الاحتفاظ بهذه المعلومات إلى نسبة 55 بالمائة". بالتالي, بات التلفزيون "من بين وسائل الاتصال الأخرى الأهم والأخطر, من ناحية التربية والتوجيه والتنمية والتأثير الواسع".

 

وقد عمد الكاتب إلى اختيار عينة من الفضائيات العربية, حاول أن تكون ممثلة للمنطقة العربية من الناحية الجغرافية, وحاول التعامل مع مضامينها تعاملا وصفيا, ثم من خلال تحليل المضامين الممررة بها, من الفترة 15 مارس إلى 25 غشت 2007.

 

وقد أوضح الكاتب أنه من الصعب تعيين الحدود بين البرامج الثقافية والعامة أو السياسية, سيما وأن "الكثير من البرامج تشترك في جوانب متداخلة قاسمها الثقافة, أو هناك برامج ثقافية تنحى منحا عاما أو سياسيا, والعديد من الموضوعات السياسية تتضمن جوانب ثقافية, وليس من السهل الفصل بين ما هو سياسي وما هو ثقافي".

 

ويوضح أن معظم فضائيات الدول العربية تعاني من سلطة الرقيب, وبحكم تدخلها في البرامج, فإن هذه الأخيرة غالبا ما لا تكون مستقلة, أو بعيدة عن التأثير السياسي أو الإيديولوجي أو ما سواهما.

 

ويلاحظ الكاتب, من ناحية أخرى, أن جميع القنوات الفضائية العربية تضع "ضمن خططها للبرامج حيزا للبرامج الثقافية, ولكنها متباينة بين فضائية وأخرى. فبعض الفضائيات لا تهتم كثيرا بذلك, بينما نجد الأخرى تضع نسبا محددة للبرامج الثقافية المتخصصة, إضافة إلى البرامج العامة التي تحوي مضمونا ثقافيا".

 

2- وقد عمد الكاتب إلى إجراء استبيان واسع ومفصل عن مكانة البرامج الثقافية بمجموعة من الفضائيات العربية, فتبين له أن المعدل لا يتجاوز 15 بالمائة. إذ يبلغ الحد الأدنى 4 بالمائة لقناة دبي, و24 بالمائة للفضائية التونسية (مع 17 بالمائة للبغدادية و20 بالمائة للفضائية المصرية, وهكذا).

 

ويلاحظ أيضا "تراجع البرامج الثقافية ذات المضمون الأدبي, لصالح البرامج ذات المضامين الفنية, كالغناء والسينما والموسيقى والرقص والتمثيل, وكذا الثقافة العامة", مع "ازدياد نسبة البرامج الثقافية التي تبث بشكل مباشر إلى 46 بالمائة, قياسا بالسنوات الماضية", حيث لم تكن تتعدى ال 3 بالمائة.

 

ويلاحظ, من جهة أخرى, "تنوع القوالب الفنية في البرامج الثقافية, كما نجد التنوع في نفس البرنامج الواحد, مما يدل على مراعاة التطور وذوق المشاهد ومزاجه, كي لا يصاب بالملل في استمرار نفس القالب طيلة البرنامج".

 

ويلاحظ, من جهة ثالثة, أن هذه البرامج تتوزع على أيام الأسبوع, "وجاء يوم السبت في المقدمة, حيث بلغت نسبة البرامج الثقافية التي تبث يوم السبت 17 بالمائة, يليه الإثنين بنسبة 15 بالمائة, والأحد بنسبة 14 بالمائة".

 

كما يلاحظ أن المشاهدين يفضلون يوم الجمعة لرؤية هذه البرامج بنسبة 24 بالمائة, والسبت ب 20 بالمائة, والأحد ب 17 بالمائة, والخميس ب 15 بالمائة. ثم إن معظم هذه البرامج أسبوعية بنسبة 70 بالمائة, مع وجود برامج ثقافية يومية لا بأس بها, تدرج نسبة 18 بالمائة.

 

أما عن موسيقى المقدمة, فأثبت الكاتب أنها "شرقية بنسبة 36 بالمائة, وتليها الغربية ب 23 بالمائة, فالكلاسيكية ب 20 بالمائة, فالفلكلورية ب 13 بالمائة".

 

أما حدود الفترة الزمنية لهذه البرامج, فهي بحدود 60 دقيقة ل 48 بالمائة منها, ثم 30 دقيقة ب 19 بالمائة, و90 دقيقة ب 15 بالمائة. من هنا, فإن 60 دقيقة تبدو هي المهيمنة, "حيث تتيح تقديم مادة جيدة من ناحية الكم, و لا تبعث الملل لدى المتلقين".

 

ويؤكد الباحث أن البرامج الثقافية العامة والمواضيع الخاصة بالتثقيف والتوعية, هي البرامج الرئيسية بنسبة 28 بالمائة, تليها البرامج الفنية ب 13 بالمائة, والأدبية ب 12 بالمائة, والفكرية ب 10 بالمائة, والفنون التشكيلية ب 10 بالمائة, والوثائقية ب 8 بالمائة. وهذا يعني انحسار المواد الأدبية التي كانت طاغية بالسنين السابقة.

 

كما تؤشر نتائج البحث "إلى ازدياد استخدام اللهجة المحلية في سياق تقديم البرامج الثقافية. فهناك 74 بالمائة من البرامج تستخدم اللهجة المحلية, منهم 25 بالمائة يستخدمها بكثرة, و35 بالمائة بشكل متوسط, و 40 بالمائة يستخدمها أحيانا. والغريب في الأمر أن الجمهور فضل أن تقدم البرامج الثقافية كخليط بين الفصحى والعامية بنسبة 61 بالمائة, و 33 بالمائة فقط يفضل الفصحى. وتعتبر نسبة عالية, خصوصا في البرامج الثقافية التي يفترض أن تكون باللغة الفصحى".

 

وحول استخدام المصطلحات والكلمات الأدبية, "فإن 57 بالمائة من البرامج يستخدمها. ومن هذه النسبة توجد 17 بالمائة يستخدمها بكثرة, و 30 بالمائة بشكل متوسط, و 53 بالمائة يستخدمها عند الضرورة".

 

أما عن طبيعة الجمهور المستهدف, فهو عامة الجمهور بنسبة 52 بالمائة, والمثقفين ب 20 بالمائة, والنخبة ب11 بالمائة, وفئات الطلبة والشباب ب 9 بالمائة, والنساء ب 6 بالمائة والمهاجرين ب 2 بالمائة. أي أن معظم البرامج الثقافية موجهة للجمهور.

 

أما جهة إنتاج البرامج الثقافية, فمعظمها "من إنتاج جهات حكومية. 60 بالمائة حكومية, 24 بالمائة جهات خاصة, 10 بالمائة قطاع خاص, و 6 بالمائة قطاع مشترك".

 

ويلاحظ المؤلف أن 73 بالمائة من القائمين بالاتصال "يعتقدون بأن البرامج الثقافية تحظى بمتابعة الجمهور. أما دراسة أسباب إحجام البعض عن متابعتها, فكانت المؤشرات كالتالي: 21 بالمائة يعزي الأسباب لتفضيل الجمهور لبرامج المنوعات وبرامج التسلية, و 20 بالمائة لانخفاض درجة ثقافة بعض الأفراد, و 13 بالمائة لتوقيت عرض البرامج الثقافية الغير مناسب, و 11 بالمائة لابتعاد الموضوعات المطروحة عن اهتمامات الجمهور".

 

أما مشاركة الجمهور بالبرامج, ف 20 بالمائة منها مشاركة جيدة, و 32 بالمائة متوسطة, و 16 بالمائة قليلة, و 32 بالمائة لا توجد بها مشاركة.

 

أما الأهداف, فيرى القائمون على الاتصال بأن "الأهداف التي ينبغي أن تعمل البرامج الثقافية على تحقيقها فهي: تنمية القيم الإنسانية والحضارية بنسبة 20 بالمائة, ولتعريف الجمهور بالقضايا الثقافية بنسبة 19 بالمائة, والانفتاح على الثقافات العالمية ب 17 بالمائة, وتنمية الحس الجمالي ب 13 بالمائة, وتعزيز الانتماء والهوية الثقافية بنسبة 11 بالمائة".

 

أما عن الصعوبات على مستوى إنتاج البرامج الثقافية, فقد لاحظ 78 بالمائة من القائمين على الاتصال, أن 22 بالمائة منها إدارية, و 35 بالمائة مالية, و 19 تقنية, و 13 عدم توفر الكوادر البشرية المؤهلة, و 11 بالمائة عدم تعاون القائمين على الإنتاج".

أما التقييم ف 26 بالمائة من هذه البرامج لا تقيم, وعندما تقيم فإنها تبقى رهينة "أمزجة المدراء وقناعاتهم الشخصية".

 

بالنسبة للقائمين بالاتصال, يلاحظ الباحث أن معظم الذين درستهم العينة "يتمتعون بمستوى أكاديمي جيد, وخبرة عملية جيدة, ولديهم بالضرورة قدرات فنية تؤهلهم لتقديم برامج ثقافية".

 

3- ويخرج الباحث باستنتاجين اثنين هامين:

 

+ الأول, "عدم وجود تخطيط مدروس أو خطط بعيدة المدى, خطط استراتيجية, لتطوير الواقع الثقافي من خلال البرامج الثقافية في القنوات الفضائية العربية, بل نجد الارتجالية والتخبط.

 

+ الثاني, أن معظم البرامج الثقافية هي من إنتاج هذه القنوات الفضائية العربية التي تقدمها, وقليل جدا هو من إنتاج خارجي.

 

وليخلص إلى مجموعة توصيات أهمها:

 

°- "الاهتمام بإطلاق قناة فضائية عربية باللغات الأجنبية الشائعة, كالإنجليزية والفرنسية والألمانية...على أن تكون برامجها ذات مضامين إنسانية, تستلهم الجوانب المشرقة والمضيئة والإيجابية في المجتمعات العربية, وإنتاجها بشكل عصري, جذاب ومتميز".

 

°- إنشاء لجن متخصصة من المبدعين والأكاديميين وخبراء وعلماء نفس, "للإشراف على إعداد البرامج الثقافية, لتكون فعلا برامج للتثقيف وتطوير قدرات المتلقين".

 

°- "اختيار شخصيات مثقفة, ومن الرموز الثقافية المعروفة, لتقدم أو تعد أو تشرف على إعداد البرامج الثقافية".

 

°- "تخصيص ميزانية مناسبة للبرامج الثقافية, من أجل سد النواقص والاحتياجات, وتوفير المجالات المطلوبة".

 

°- "ضرورة أن تعي إدارات القنوات الفضائية العربية العامة والخاصة, أهمية البحوث العلمية لتطوير عمل هذه القنوات وتحسين برامجها, والارتقاء بأدائها لما يحقق الطموح للمشاهدين, كما تتيح معرفة ردود فعل الجمهور إزاء ما تقدمه من مواد, وتوفر لها معلومات كبيرة وشبه دقيقة عن سلبياتها وإيجابياتها وتقييم أداء القائمين بالاتصال, وكذلك مضامين برامجهم".

 

°- الاهتمام الجدي والمبرمج بتقييم البرامج الثقافية.

 

°- "تشجيع الابتكار والأفكار الجديدة, واحتضان المواهب وتطويرها من خلال التدريب المستمر والدورات التأهيلية".

 

°- العمل على تأسيس فضائية عربية ثقافية متخصصة, "مستقلة, وبمصادر تمويل من جهات عربية ذات نوازع ثقافية, تؤكد على الخطاب الثقافي الغير خاضع للطابوهات السياسية والدينية والاجتماعية المختلفة, وبكادر تخصصي سواء الإداري أو الإعدادي أو الفني".

 

°- "مد الجسور مع المنظمات والهيئات والمؤسسات الثقافية المختلفة, ومع المبدعين بمختلف اختصاصاتهم الثقافية, ومتابعة النتاج الثقافي المتنوع مع استضافة المثقفين والمبدعين".

 

°- "إنتاج برامج ثقافية عربية مشتركة, وإغناءها بتبادل الخبرات والمعارف, وزيادة التنسيق بين القنوات الفضائية العربية, والاهتمام بمواضيع التراث العربي".

 

°- "على البرامج الثقافية أن تفصل بين السياسة والثقافة".

 

°- أن تكون البرامج الثقافية أكثر تعبيرا عن الواقع و"تتناول ثقافتنا بسلبياتها وإيجابياتها, وأن تحاول الربط بين الأجيال الثقافية والأزمنة المختلفة وتطورها".

 

يحيى اليحياوي

الرباط, 13 مارس 2008