"تناقضات العولمة"
حاتم حميد محسن, دار كيوان، دمشق, 2008, 240 ص.
1- يتناول هذا الكتاب ظاهرة العولمة من منظور اقتصادي صرف,
باعتبار هذا المنظور "العنصر الأساسي والأكثر تأثيرا في حياة الشعوب
والدول". فالعولمة, يقول الكاتب, "كونها
دعوة لإزالة الحواجز أمام حرية التجارة والتكامل البناء بين اقتصاديات الدول, ربما كانت ستشمل عامل
تقدم للشعوب, غير أن الطريقة التي أديرت بها بما في ذلك اتفاقيات التجارة
العالمية والسياسات التي فرضت على الدول النامية, كلها تحتاج إلى إعادة تفكير شاملة وجذرية".
يلقي الكاتب الضوء في هذا البحث, على المؤسسات الدولية الكبرى
التي تفعل في العولمة وتحدد مسارها, سيما مؤسستي بروتن وودتز, أي صندوق النقد الدولي والبنك العالمي وأيضا منظمة
التجارة العالمية, حيث القرار السياسي والإيديولوجي هو
الذي يتحكم في هذا
المسار، موضحا بذلك "التناقض الصارخ بين المبادئ التي أعلنتها تلك المؤسسات, من منافسة وحرية وتجارة وديمقراطية, وبين السياسات في مجال
التطبيق".
والدليل على ذلك, يلاحظ الكاتب, هو مطالبة
هذه المؤسسات لدول العالم الثالث بالانفتاح على الاقتصاد والتجارة العالمية عبر
مطالبتها بفتح أسواقها, في حين تبقي الدول الكبرى على أسواقها مغلقة بوجه تيارات
السلع والبضائع والخدمات الآتية من هذه الدول, أي دول العالم الثالث.
إن صندوق النقد الدولي, يتابع المؤلف, إنما يدعو "إلى
ضرورة أن ترفع الدول الفقيرة كل أشكال الدعم الحكومي للسلع الغذائية
الأساسية والوقود, بينما في الوقت نفسه يتجاهل الدعم الأوروبي والأمريكي
للمزارعين المحليين بملايين الدولارات, بما يجعل من الصعب أو المستحيل على مزارعي الدول الفقيرة تصدير
منتجاتهم إلى الأسواق الغربية".
من جهة أخرى, وفي تعرضه للوصفات التي
تقدمها هذه المؤسسات لدول العالم الثالث, يتحدث المؤلف عن دفع العولمة بمسلسلات
الخوصصة وتحرير لأسواق رأس المال وتشجيع الاستثمار الأجنبي, لتحويل هذه البلدان إلى اقتصاد في السوق
مفتوح ومحرر وخاضع لقوانين العرض والطلب لا لغيرها.
بهذه النقطة تحديدا, يلاحظ الكاتب أن
الخوصصة المتسرعة التي دعا إليها الصندوق الدولي لم تقد إلا "إلى
تصفية وبيع الأصول الإنتاجية, ولم تؤد إلى الكفاءة المطلوبة, بقدر ما أدت إلى إثراء
حفنة من المنتفعين من رجال الأعمال المرتبطين بذوي السلطة, وكذلك سياسات الإقراض
وإعادة الهيكلة المالية كلها انتهت إلى الفشل".
2- إن المؤسسات المالية للعولمة, يزعم المؤلف,
إنما عمدت على إحداث تغيرات كبيرة في اقتصادات دول العالم الثالث, فدفعت "نحو ضرورة توفر الضغط الدولي على الدول كي تمارس المزيد من سياسات التوسع الاقتصادي، مثل زيادة الإنفاق وخفض الضرائب أو خفض
الفائدة كي تحفز اقتصادياتها. ووصل الأمر اليوم بصندوق النقد
إلى توفير الأموال فقط للدول التي تتبنى سياسات مثل خفض العجز ورفع الضرائب أو
رفع سعر الفائدة, التي تقود إلى انكماش في الاقتصاد. وأدت سياسات صندوق النقد
الجديدة، والتي تدعو إلى تحرير سوق رأس المال، إلى عدم الاستقرار
العالمي، إذ أن الصندوق فشل في معالجة الأزمات الاقتصادية في دول العالم وخاصة في
الدول الأكثر فقرا".
وقد عملت
الولايات المتحدة بقوة
لتكون قائدة مسار العولمة, المرتكزة على فلسفة اقتصاد السوق, سيما بعد
انتهاء الحرب الباردة. خلال هذه الفترة كان "الانتباه الدولي يتجه نحو الأسواق الجديدة التي امتدت من شرق آسيا إلى أمريكا اللاتينية، ومن روسيا إلى الهند. وقد سادت هذه
التوجهات حالات الاضطراب والقلق. ووجد المستثمرون في هذه
الأسواق ما يشبه الجنة, نظرا للمردود العالي ولقلة المخاطرة. وخلال سبع سنوات
انتقل رأس المال الخاص من الدول المتطورة إلى الأقل تطورا, وزاد حوالي سبعة أضعاف، أما رأس المال العام فقد
بقي ثابتا. وكان مسؤولو الخزانة الأمريكية وصندوق النقد الدولي
يرون أن التحرير الكامل لرأس المال سيعجل في النمو السريع لكل دول المنطقة".
واستشهادا بالحالات الخاصة, يقر الكاتب بأن "العولمة واعتماد اقتصاد السوق لم يحققا النتائج الموعودة في
روسيا، وفي معظم الاقتصاديات التي تحولت من الاشتراكية إلى اقتصاد السوق. هذه الدول
كانت قد حصلت على وعود من الغرب بأن أنظمتها الاقتصادية الجديدة ستحقق لها التقدم
والازدهار، وبدلا من ذلك فهي لن تحصل إلا على الفقر", لا بل إن بعض مظاهر العولمة، من خطط ومشاريع مثل برامج الزراعة والبناء وتحرير التجارة،
انتهت إلى الفشل الذريع. وهذا ما دعا الكثيرين للاحتجاج عليها، "إذ
نظروا إلى برامجها وتطبيقاتها، بشكل مختلف عن تصورات وزير
الخزانة الأمريكي أو وزراء المالية والتجارة في العالم الغربي. وفي
المقابل لا أحد ينكر أن العولمة أدت إلى تركيز الانتباه نحو المؤسسات الدولية ذات
الحضور الفاعل مثل الأمم المتحدة، ومنظمة العمل الدولية، ومنظمة الصحة العالمية.
ولقيت العولمة الترحيب على هذا الانتباه، إذ لا أحد يرغب في رؤية الأطفال يموتون في
وقت تتوفر فيه المعرفة والأدوية في مكان ما من العالم".
ومع ذلك يقول المؤلف بحالة روسيا: «في العام 1989، كان فقط 2% من المواطنين في روسيا يعيشون في حالة فقر، ولكن في أواخر عام 1998، قفز ذلك الرقم إلى 23,8%
يعيشون بـ 2 دولار باليوم، وأكثر من 40% من المواطنين يعيشون
بأقل من 4 دولارات باليوم، طبقا لبيانات البنك الدولي. والإحصاءات
المتعلقة بالأطفال كشفت عن مشاكل خطيرة حين وجد 50% منهم يعيشون ضمن عوائل فقيرة.
والأقطار الأخرى من دول ما بعد الشيوعية شهدت نفس النسبة من الفقر ولم تكن أسوأ.
وهذا التحول داخل روسيا لم يزد عدد الفقراء فقط، بل سحق الطبقة الوسطى، وابتلع كل
مدخراتها الأساسية".
إن المؤسسات
الاقتصادية الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة
العالمية، التي تضع قواعد لعبة العولمة, إنما وضعت برأي الكاتب, القواعد والقوانين لخدمة الدول الصناعية, وليس كل دول العالم أو الدول الفقيرة والجائعة.
لكنه يتابع وبالآن ذاته: إن "هذا لا يجعلنا نغفل أن العولمة يمكن أن تكون قوة خير, باعتبار أن عولمة الأفكار حول الديمقراطية والمجتمع المدني غيرت من طريقة تفكير
الناس، والحركات السياسية العالمية قادت إلى تخفيف الديون وإلى توقيع معاهدة
نزع الألغام. والعولمة أيضا ساعدت مئات الملايين من الناس لتحقيق مستوى أعلى
للمعيشة، وعولمة الاقتصاد أفادت الدول التي استغلت الفرصة
بالبحث عن أسواق جديدة، وفتح أبوابها للاستثمار الأجنبي...الخ".
يحيى اليحياوي
الرباط, 21 أكتوبر 2010