"تكلفة
اللامغرب والمقاربة الجديدة للمستقبل المغاربي"
مؤلف جماعي, مؤسسة
التميمي للبحث العلمي والمعلومات, تونس, 2009, 442 ص.
هذا الكتاب هو حوصلة أعمال المؤتمر المغاربي الذي عقد بتونس في العام 2008,
حول "تكلفة اللامغرب", أي التكلفة المترتبة عن غياب منظومة المغرب
العربي التي بنى لها وأسس زعماء الاستقلالات السياسية, منذ أكثر من نصف قرن من
الزمن.
ومع أن الكتاب عبارة عن مجموعة من المداخلات المختلفة والمتباينة, لكنها
تحتكم إلى خيط ناظم مفاده إلى أن عدم قيام مغرب عربي إنما كلف شعوب المنطقة واقتصادياتها
تكاليف عالية, ما كانت لتكون أصلا لو كان لهذا الكيان أن يقوم ويشتغل.
ولعل أهم ما طرح من آراء وأفكار يعبر بقوة عن شتى مظاهر الخلل التي تعتري
هذا البناء, وتجعله مكمن تبذير كبير لمصادر القوة والتقدم:
°- ف"المغرب العربي" لا يتوفر على منظومة في تنقل المعلومات
والبيانات والمعطيات, الاقتصادية منها كما الاجتماعية كما الثقافية كما غيرها.
وعليه, فإن "توفير معلومات كافية, مهيكلة ومتجددة" إنما من شأنه الدفع
بعجلة التنسيق بين الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين, وتجاوز ندرة المعلومات التي
غالبا ما تكون مكلفة بالنسبة لهؤلاء, لا بل ومحدة من نشاطهم بها البلد كما بذاك.
°- والمغرب العربي لا يتوفر على مجتمع مدني يغطي المنطقة برمتها, بل على
"مجتمعات" مدنية محصورة في إطارها الجغرافي, ولا تفعل كثيرا خارج ذات
الإطار, إما بغرض التنسيق فيما بينها, أو بجهة إقامة بناء مدني يتغيأ التأثير في
أصحاب القرار بالمنطقة إياها. إن المجتمع
المدني, المحلي كما الفاعل على المستوى الإقليمي, إنما يجد نفسه محكوما من لدن
الدولة, أو موجها, أو خاضعا لإكراهات تحول دونه ودون توسيع مجال اشتغاله.
°- والمغرب العربي لا يتوفر على جامعات مفتوحة لكل أبناء المنطقة. إذ لكل
دولة جامعاتها, التي تشتغل في إطارها الضيق دونما تنسيق يذكر فيما بينها. والسبب
أن "الاتفاقيات الثنائية بين الجامعات المغربية ونظيراتها المغاربية هزيلة
جدا, بالمقارنة مع عددها مع الجامعات الأوروبية والأمريكية, شمالية وجنوبية,
والشرق أوسطية". هذا ناهيك عن غياب مراكز البحوث والتطوير المشتركة, والتي
كان من شأن إقامتها الإفادة من الخبرات المتوفرة بهذا البلد أو ذاك.
إن الطابع الموحد للجامعات بالمغرب العربي إنما الطابع المتخلف, إذ أنها لا
تخرج كثيرا عن كونها "جامعات تعليمية" بالأساس, وليست جامعات بحثية,
بدليل أن طلبة الدراسات العليا بها لا يمثلون إلا نسبة تتجاوز ال 10 بالمائة.
إن الجامعات المغاربية, يقول واضعو الكتاب, إنما تزخر "بمؤهلات بشرية
كبيرة, يمكن لو أحسن تأهيلها وتشجيعها, تحقيق نتائج علمية كبيرة...", لكن
شريطة وضع "رؤية استراتيجية طموحة وواضحة للجامعات المغاربية".
°- ثم إن المغرب العربي يشكو من تبعات النزاع بين المغرب والجزائر, وهو ما
يؤدي إلى ضياع الجهد والمال في قضية غير ذات بال, اللهم إلا الحزازات والمزايدات
التي أتت على مجهودات بناء المغرب العربي بأكمله.
°- أما الحركات الشبابية والجمعوية التي حاولت أو تحاول تكثيف الجهود بجهة
البناء المغاربي, فقد اعترضتها ولا تزال معوقات رسمية, تجعل ذات المجهودات تذهب
سدى, أمام الناقضات الرسمية التي لم تفتأ تعيق العملية برمتها. كما أن شعور الشعوب
المغاربية اليوم "هو أبعد ما يكون عن الشعور الذي كان يحمله جيل العشرينات
والثلاثينات وحتى الستينات من القرن العشرين, والذي كان يتميز بالحرارة والعنفوان,
وزادته مقارعة الاستعمار الفرنسي حدة ومضاء".
وعليه, فإن الحديث عن "بناء مغرب عربي متكامل وقادر على التعاطي
المجدي مع التحديات التي تحدق بالمنطقة المغاربية, يتطلب تضافر الجهود لتحقيق
التنمية والديموقراطية والإصلاح السياسي واحترام حقوق الإنسان. كما أن التوازن
الحقيقي في المنطقة لن يبنى بمنطق من يقود ومن يتبع, وإنما وفق منظور التحولات
الدولية التي تؤكد استحالة العيش في انغلاق, وإن أية قضية تحل عبر الحوار, وأية
مقاربة لا تنشد المفاهيم المستقبلية محكوم عليها بالفشل".
يحيى اليحياوي
الرباط, 24
فبراير 2011