بعض فظاعات القطاع العام بالمغرب

 

 

من أسابيع قليلة مضت, أصدر المجلس الأعلى للحسابات بالمغرب, تقريرا "خاصا", تأتت لقضاة ذات المجلس صياغته, بعد عشرات المهمات بعين المكان, طاولت العديد من المؤسسات العمومية, وغرف التجارة والصناعة, والجماعات المحلية, وعدد كبير من المرافق العمومية المرتبطة بالدولة, أو الدائرة في فلكها بهذا الشكل أو ذاك.

 

لم يجتر التقرير الكلام كثيرا, بل خلص صوبا إلى حقيقة مفادها أن المؤسسات, المدققة وثائقها وحساباتها, تعرف اختلالات كبيرة على مستوى التدبير والتسيير, متأتية في غالبيتها العظمى, من عدم احترامها للقوانين واللوائح القائمة, ومن تجاوزات متعددة لاختصاصاتها ومجالات اشتغالها, مما ترتب عنه تبذير صارخ للمال العام, واستهانة خطيرة بالشأن العام, المؤتمن عليه من لدن ذات المؤسسات والأجهزة:

 

+ فالمكتب الوطني للمحروقات, التابع بمنطوق الوصاية لوزارة الطاقة والمعادن, يعرف خروقات قانونية صارخة, لعل أقواها على الإطلاق, تغطيته لمصاريف وسفريات الوزير الرسمية بالخارج, علما بأن ذات المصاريف تتكفل بها ميزانية الدولة بحكم القانون. التقرير هنا يقول صراحة وجهارة, بأن الوزير, بتواطؤ قبلي مؤكد مع مدير المكتب, لا يخرق القانون إجرائيا فحسب, بل يتحايل على المال العام, ليستفيد مرتين وبالآن ذاته, من تعويضات النقل الآتية من خزينة الدولة, ثم من "تعويضات" مكتب المحروقات.

 

+ والمركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد بالدار البيضاء, لم يتهم "بغياب الحزم في تسييره المالي" فحسب, بل اتهم بكونه فرض على الفقراء المعوزين, الخاضعين للإعفاء من الأداء, على خلفية مبدأ المجانية, فرض عليهم رسوما تصل مائتي درهما في الخدمات الأساسية, مع تحميلهم نصف تكاليف التحليلات والصور بالأشعة, وما سوى ذلك... ناهيك على وقوف قضاة المجلس على غرف الولادة غير الصالحة بذات المركز, والمستوى الجد مرتفع لوفيات الأطفال من بين ظهرانيه, والتي تصل 300 طفلا ضمن كل ألف يولدون.

 

التقرير هنا, لا يشير فقط إلى التسيب الكبير الذي تعرفه مصالح المركز الحيوية, ولكنه يعلن أيضا وصراحة بأن القائمين عليه, إنما يعمدون إلى فرض رسوم وإتاوات خارج ما ينص عليه القانون, ولكأنهم مستوى في التشريع قائم الهوية والذات.

 

+ والمكتب الوطني للحبوب والقطاني لم يتهم بتحايله على نظام منح المساعدة للقمح الطري الموجه للتجار, بل وأيضا لتوجيه ذات المنحة من لدن المكتب لصالح مهنيي القطاع, سيما المطاحن الكبرى, التي فوق كل هذا وذاك, لا تزود به أشخاصا ومؤسسات من ذات القطاع, بل لأطراف نافذة لا تمارس التجارة بالقطاع أصلا. التقرير بهذه الحالة, يضع يده أيضا على شكل من أشكال التلاعب الذي تعرفه مادة حيوية للتجار وللمستهلكين على حد سواء.

 

+ أما شركة الطرق السيارة, فالتقرير لم يشر فقط, فيما يخصها, إلى مستوى الديون المرتفعة المتراكمة عليها, والذي من شأنه أن يفضي حتما إلى إفلاسها, ولا إلى نظام التسعيرة المبالغ فيه من لدنها, بل وأيضا إلى تردي معايير السلامة المنصوص عليها في دفتر التزاماتها, بدليل يقول قضاة المجلس الأعلى, أن "الطرق السيارة في المغرب تقتل 15 مرة أكثر مما تقتل شبيهاتها بفرنسا".

 

+ بحالة المركز السينمائي المغربي, يشير التقرير صراحة إلى التجاوزات الخطيرة في تسيير هذا المركز للمهرجانات, والتلاعبات الكبيرة في ميزانيتها, دونما اعتبار يذكر للميزانية المرصودة لهذا المهرجان أو ذاك. لا, بل إن التقرير يؤكد أن المركز لا يعمل دائما بمبدأ المنافسة في تنفيذ مشاريعه, ولا يخضع صندوقه في دعم السينما, لمعايير مدققة, ولا يصرف ذات الدعم وفق مستوى تقدم العمل السينمائي, بل بالبناء على اعتبارات أخرى.

 

+ أما مجالس وعمداء المدن الكبرى, فقد لاحظ التقرير بالحجة والدليل, بأنها تشتغل في غياب تام لنظم الرقابة والتدقيق, وتصرف المال العام دونما حد أدنى من احترام القوانين العامة أو التنظيمية, أو من استحضار لعناصر الشفافية والوضوح, المفروض توفرها في هذه المستويات المنتخبة.

 

فمجلس الدار البيضاء اتهم بعدم تفعيله للإجراءات القانونية في تمريره للصفقات العمومية, ولم يضع حدا لتداخل صلاحيات مصالحه ومستوياته, ولم يعر أدنى اهتمام للمرافق العامة, كالحدائق العمومية مثلا, التي تحولت إلى مأوى للمتسكعين والمجرمين والمنحرفين.

 

أما مجلس مراكش, فاختلالاته وتجاوزاته كبيرة ومتعددة, يقول التقرير, تبدأ بعدم احترامه للمسطرة في منح الصفقات العمومية (لا بل إن بعضا من هذه الصفقات رسى على مقاولات بعينها,  قبلما تفتح الأغلفة ويبث في المستحق), وصولا إلى سوء تسيير المجال الجماعي (كالتكفل على نفقته, بإنارة اللوحات الإشهارية), مرورا بتكفل المجلس بتكاليف هواتف العديد من المنتخبين, ناهيك عن التغطيات المبالغ فيها, لتنقلاتهم بالداخل والخارج.

 

أما مجلس مدينة فاس, فقد وقف التقرير على تجاوزات صارخة من بين ظهرانيه, من قبيل منح العديد من الصفقات العمومية, دون فتح الأغلفة التقنية والمالية الناظمة لها, وتفاقم الديون على المدينة, والنفخ في مصاريف النقل والسفر (أكثر من ملياري درهم من التنقلات الوهمية, لم يعثر القضاة على وثائق إثباتية بشأنها), و"التبرع" على مصالح أمن المدينة بعشرات السيارات, ناهيك عن تكفل المجلس باشتراكات واستهلاكات هواتف العديد من المنتخبين والموظفين.

 

أما مجلس الرباط, فقد اتهم التقرير عمدة المدينة بتغييبه التام لمبدأ الشفافية, وبالتجاوز الواضح على القانون, في منحه للصفقات العمومية, أو في التعويضات المرتفعة, التي يقدمها لبعض مستشاري الجماعة وأقربائه أيضا, سواء فيما يتعلق بالامتيازات الخاصة (هاتف, تعويضات, نقل...الخ), أو في منحه إياهم مساكن بسومة كرائية زهيدة, أو تمكينهم من مساكن مخصصة بالأصل لبعض أحياء صفيح المدينة.

 

إن الذي قدمناه أعلاه, هو غيض من فيض, فيض 245 حساب مصالح الدولة و 198 جماعة محلية, دقق مجلس الحسابات في طرق تسييرها, ونمط صرفها للمال العام, فتبين له بالحجة والدليل, أن التجاوزات فظيعة, والاختلالات خطيرة, وتبذير المال العام دون رقابة أو وجه حق, قاعدة ناظمة للممارسة والسلوك, فيما احترام القانون وصيانة مال المواطنين, هو استثناء الاستثناءات.

 

وعلى هذا الأساس, فإن هذا التقرير, وما سواه من تقارير محلية ودولية سابقة, ولربما لاحقة, إنما يؤكد بالقطع بأن القطاع العام بالمفهوم الواسع, إنما بات مرتعا ليس فقط لإقطاعيات حقيقية (والثاوين خلفه أوكار فساد وإفساد), ومصدر اغتناء فاحش غير مشروع, بل ويؤكد أيضا أن ذات القطاع بات حقا وحقيقة, دولة داخل الدولة, لها قوانينها ونواميسها وضوابطها, لا تدرك المتابعات القضائية فاعليها, ولا تطاولهم المحاسبة عند كل تدقيق أو تحقيق, فما بالك بالمعاقبة عند كل استحقاق للانتخابات.

 

صحيح أن لرئيس الدولة الحق, وقد توصل بنسخة من التقرير كاملة, أقول له الحق والصلاحية في الإذن لوزير العدل (ووزير الداخلية أيضا), بتحريك مسطرة التحقيق والمتابعة ضد هؤلاء وأولئك, ومساءلتهم عما ارتكبوه من فظاعات, لكن يبدو أن الأمر لربما لن يتعدى الرد التطوعي من لدن كل جهة مشار إليها في التقرير, بالطريقة التي تستحب, وبالزمن الذي يبدو لها مناسبا.

 

لقد كنا, وكان غيرنا, يعلم أن المال العام بالمغرب مباح ومستباح, وأن من يتحصل على تعيين أو تكليف, كمن يتحصل على مصدر اغتناء وريع. وكنا, كما غيرنا, ندرك أن الفساد بات منظومة مستشرية, تضرب بنيان البلاد عموديا وأفقيا كالسرطان. وكنا ولا نزال نشدد, على حقيقة أن بالمغرب محميات متنفذة, لا يسري عليها ما يسري علينا من قوانين وإجراءات. لكننا اليوم, بما قدمه التقرير من فظاعات, بتنا على قناعة قاطعة, بأن "حاميها هو حراميها" بالجملة والتفصيل.

 

من مدد زمنية سابقة, كان المسؤولون يطلعون علينا, كلما صدر تقرير أجنبي سلبي عن حال المغرب, ليجهروا ويشهروا القول, بأن هذه التقارير "غير منصفة", و"تتجاهل الطفرات المحققة", وهي "متحيزة" في خلفياتها ومضامينها, وغرضها بالمحصلة, "تشويه صورة المغرب", و"التقليل من أهمية الإنجازات المدركة", وهكذا. ترى ماذا عسى هؤلاء (وضمنهم من وردت "مؤسساتهم" بتقرير مجلس الحسابات), ترى ماذا عساهم يقولون هذه المرة, والتقرير من صياغة نفر من أهلهم وذويهم, وبأياد قضاة محلفين, فوق كل هذا وذاك؟

 

لقد انكشف المستور, وبات الأمر بحاجة لحجاج حقيقي, يضرب بسيفه عنق "الحرامي", ويقطع يد "الحامي".

 

 

يحيى اليحياوي

الرباط, 15 دجنبر 2008