في إشكالية العولمة
يحيى اليحياوي
الإشكالية،موضوع هذه
المحاضرة، تثير في ذهني أكثر من إشكال وتدفع إلى أكثر من تحفظ.
هناك،فيما يبدو لي،إشكالان منهجيان اثنان أرى أنه من الضروري إثارتهما رفعا لكل لبس ودرءا لكل
التباس:
- الإشكال الأول ويحيل
إلى الاصطلاح وإلى المفهوم،اصطلاح ومفهوم العولمة ذاته.
أعتقد أن المفهوم،مفهوم العولمة،قد سقط مبكرا ولربما لسوء حظه في الميدان العام،لا قبل أن يمأسس
ويؤسس فحسب،ولكن أيضا قبل أن تستقر حمولته وتتبين ملامحه ومكوناته الكبرى.
والدليل على ذلك كون
المفهوم قد تعرض (ولا يزال) لتضخم في الاستعمال وتعدد في الاستخدام من طرف الأفراد
والمؤسسات أو من لدن الجماعات،إما بغرض تبرير واقع أو تمرير اختيار أو لمجرد
مجاراة الموضة الرائجة على اعتبار أن من لا يستخدم مصطلحات ومفاهيم العصر
(وتقنياته أيضا) هو حتما خارج العصر،خارج منطق العصر.
معنى هذا الإشكال أن
المصطلح قد سقط،لمجرد بروزه،في المشاع وأصبح بالتالي حديث الخاص والعام،حديث
النخبة والجماهير أيضا.
- الإشكال الثاني
ويرتبط،في نظري،بطبيعة المقاربة التي يراد بها أو من خلالها العرض لظاهرة
العولمة في فعلها وتفاعلها،في اعتمال مكوناتها أو اشتغال آلياتها.
أعتقد أن معظم
المقاربات المتوفرة تتعامل مع الظاهرة وفق حقل الاهتمام،اهتمام الباحث أو
المتتبع،وهو ما يجعلها إما مقاربة جزئية أو مقاربة مؤد لجة،لكن نادرا ما تكون
شاملة وموضوعية.
بمعنى أن معظم
المقاربات الرائجة إما تتعرض للظاهرة من الزاوية الاقتصادية الخالصة أو من جانب
ربطها بالثورة التكنولوجية أو من منطلق محاولة فهمها من خلال استحضار إشكالات
كإشكال الهوية أو الخصوصية أو الذاتية الثقافية،فتبقى بالتالي إما مقصية لباقي
زوايا الرؤية الأخرى أو متحدثة في ظاهرة لم يضبط مفهومها ضبطا علميا أو لنقل،على
الأقل،موضوعيا وشاملا.
هذان الإشكالان (سقوط
الظاهرة في المشاع والميدان العام والمقاربة الجزئية الإسقاطية والإجرائية) حالا
في تصوري دون إمكانية التنظير للظاهرة أو على الأقل المأسسة والتأسيس لمحدداتها
ومرتكزاتها،وهو ما يجعل الكتابات (عندنا بالمغرب خصوصا) كتابات هواة لا كتابات احترافية مدققة وممحصة.
ماذا نعني بالعولمة؟ ما
هو السياق العام الذي برزت الظاهرة في إطاره،ما هي تبعاتها؟ وما البديل عنها؟
هذه مجموعة أسئلة
سنحاول هنا طرح إشكاليتها ليس إلا نظرا لشساعة الظاهرة واتساع مجال اشتغالها.
ما المقصود إذن
بالمصطلح،مصطلح العولمة،الذي لربما بلغنا من تضخم استعمالاته مبلغ التخمة؟
أعترف من البداية،بأنه
ليس من الهين ولو مؤقتا،تحديد المفهوم تحديدا نظريا وافيا،مضبوطا،قارا وشاملا
ليس فقط على اعتبار عدم استقراره الحالي وإحالته على أكثر من حقل معرفي،ولكن أيضا
وبالخصوص بحكم تعدد العوامل والمؤثرات التي تفعل في الظاهرة أو تتفاعل
معها...ولربما أيضا بسبب جانب الأدلجة الذي تعرضت له أو لا تزال.
لكني أريد أن أحسم
القول من الآن بأن ظاهرة العولمة،في محدداتها،في جوهرها،في مضمونها وفي
مكوناتها العضوية،هي أصلا وبالأساس ظاهرة اقتصادية صرفة،أي ظاهرة جذورها
اقتصادية،مكوناتها اقتصادية،أطراف معادلاتها الكبرى اقتصادية وفضاء اشتغالها
البعيد المدى اقتصادي.
بيد (وهنا المفارقة مع
المقاربات الرائجة) أن تبعاتها،انعكاساتها،آثارها،وصاياها الكبرى تتفرع لتطال
أنماط الإنتاج والاستهلاك وتوزيع الرموز،أي لتطال الثقافة والسياسة واللغة ولربما
أيضا الهوية والخصوصية والذاتية وغيرها.
الظاهرة إذن ظاهرة
اقتصادية في مضمونها،في شكلها وفي صيرورتها،لكن ما يتفرع عنها كتبعات إنما هو من التمثلات والإسقاطات التي هي إلى " عالم الأفكار" أقرب إلى صيرورة
الواقع،واقع الحال السائد أو الذي هو في طريقه لأن يسود.
وعلى هذا الأساس،فلو
كان لنا أن نتساءل في الظاهرة من حيث زاوية قدمها أو جدتها (وهو على أية حال أمر
آخر)،لقلنا إجمالا بأن الظاهرة ليست جديدة ولا حديثة العهد إذا كان المقصود بها
مسلسل التدويل... على اعتبار أن هذا المسلسل ميز،ولعهود طويلة،التداخل المتزايد
وعبر كل دول العالم،لتيارات السلع والخدمات والمواد الأولية والوسيطة والمعارف
العلمية والتقنية وغيرها بين الاقتصاديات والأمم.
وهي أيضا ليست بالظاهرة
الجديدة ولا حديثة العهد لو كان المقصود بها مسلسل تعدد الجنسية أي تعدد جنسية
الشركات منتشرة النشاط بكل بقاع العالم والفاعلة في الاقتصاد والتجارة والنقل
والإعلام وغيرها.
من هنا،فمن الجائز
اعتبار الظاهرة امتدادا لهاتين المرحلتين أو الظاهرتين أو مرحلة متقدمة من مراحل
تطور منظومة رأس المال.
بيد أنه من الممكن
(أعني من الوارد) اعتبار الظاهرة ظاهرة جديدة وحديثة العهد (بأكثر من جانب) لو نحن
قصدنا بها مجموعة المسلسلات التي تمكن من تحقيق أربعة معطيات جديدة:
+ المعطى الأول،أن
السلع والخدمات تنتج وتوزع وتستهلك انطلاقا من هياكل تنظيم وسائل الإنتاج (المادية واللامادية) منظمة وفق قواعد عالمية.
+ المعطى الثاني أن هذه
السلع والخدمات تنتج وتوزع من أجل أسواق عالمية منظمة (أو في طريقها إلى التنظيم)
محكومة بمقاييس ومعايير عالمية.
+ المعطى الثالث،أن
هذه السلع والخدمات (المادي منها والرمزي) تنتج وتوزع من طرف مؤسسات تعمل وفق
قواعد عالمية وتخضع في تنظيم مسلسل إنتاجها وتوزيعها لاستراتيجية عالمية.
+ المعطى الرابع،أن
هذه المؤسسات (والمسلسلات) لا تخضع لمرجعية " ترابية" واحدة،ويصعب
بالتالي تحديد إطارها القانوني أو الاقتصادي أو التكنولوجي بحكم كثرة التداخلات
والتشابكات التي تميز نشاط هذه المؤسسات قبل عملية الإنتاج وبعدها.
معنى هذا أننا لو
حاولنا قراءة وتتبع الظاهرة وفق هذه المعطيات لقلنا إجمالا (ولو مؤقتا) بأن
الظاهرة جديدة إن لم تكن في نشأتها،فعلى الأقل في فلسفة الاشتغال التي تتراءى لنا
من خلالها.
ومعناه أيضا أننا لو
استقرأنا الظاهرة بارتباط والمسلسلين السابقين (أي مسلسل التدويل وتعدد الجنسية)
لكان بمستطاعنا أيضا القول بأن الظواهر الثلاث متواصلة ومتكاملة (ولا قطيعة
بينها)،إذ كلها تشتغل في إطار الحركية العامة المتمثلة في التراجع التدريجي
لمبادئ وقواعد وأنماط تنظيم وتقييم الموارد (المادية واللامادية) المتمحورة ،إلى
حين عهد قريب،حول وحدانية ونسقية النظام السائد أي النظام الوطني.
هذا النظام فقد جزءا من
مرجعيته مع التدويل وفقد جزءا آخر مع مسلسل تعدد الجنسية وفقد الحصة الكبرى من هذه
المرجعية مع مسلسل العولمة.
أقصد أن النظام الوطني
لم يعد المستوى الاستراتيجي (حتى وإن كان لا يزال أحد المستويات الهامة) في تحديد
التنمية الاقتصادية أو التطور الاقتصادي أو الإبداع التكنولوجي.
لماذا؟ لأن واقع الحال
السائد،زمن العولمة (أو ما يقدم على أساس كونه كذلك)،هذا الواقع تزامن وانبعاث
مؤسسات ضخمة تتوفر على سلط وقوة تتعديان (تتحديان) السياسات الوطنية والحكومات
الوطنية ونسق التنظيم الوطني،أعني الشركات متعددة الجنسيات أو الشركات العابرة
للقارات.
أي أن القرارات الكبرى
والتوجهات العميقة التي تتحكم في الإنتاج المادي والرمزي وترهن المستقبل أصبحت،نهاية هذا القرن،من اختصاص مجموعة من الشركات الكبرى،المدولة،المتعددة الجنسيات
التي لا تعترف لا بالفضاءات الوطنية ولا بالسياسات الاقتصادية ولا بالثقافات
الوطنية ولا تتعامل معها إلا في كونها فضاء لإنتاج السلع والخدمات أو
لاستهلاكها...الخ.
معنى هذا أن الدولة-الأمة
(الدولة الوطنية) لم يعد لها كبير دور أو لنقل لم يعد لها من دور إلا ما ارتضته
هذه المؤسسات لها ورضيت به لها،وبالتالي أصبحت هذه الدولة-الأمة (أو ما تبقى
منها) متواطئة مع هذه الشركات،فاتحة لها الطريق (عبر الدبلوماسية والحرب أيضا)
تحت مسوغة أن نجاح هؤلاء "الأبطال الوطنيين" هو نهاية المطاف نجاحا
للاقتصاد الوطني أو مساهمة من لدنهم في نشر بريق الاقتصاد الوطني وتأكيد استقلاله
وسيادته.
من هنا فالحكومات
الوطنية لا تتوانى في منح هذه الشركات المساعدات والتسهيلات (في البحث والتطوير
والتصنيع) ولا تتوانى في تسهيل تحالفاتها مع "الأبطال الوطنيين" الآخرين
ولا تتردد في كسر شوكة كل ما من شأنه أن يزعجها (نقابات،قوانين شغل وتشريعات
وغيرها).
هذه هي المظاهر الكبرى
التي تبرز لأول وهلة والتي ستتكرس لا محالة طيلة العقود القادمة: فتح الأسواق،كل
الأسواق،تحرير تنقل السلع والخدمات والرساميل دون قيد أو اعتراض،تكسير القيود
والتشريعات التي من شأنها أن تقف في وجه هذه "السلط الجديدة" بما في ذلك
دور الدولة ودور النقابات وقوانين الشغل وغيرها.
لو كان لنا أن نتساءل
في آية وسر تقدم ظاهرة العولمة (على مستوى الخطاب،والممارسة أيضا)،أعني تقدمها
الجارف منذ عقد من الزمن وأكثر،لربما نعترف بوجود عوامل كبرى (قطائع كبرى يقول
البعض) ساهمت إلى حد كبير في تشكل الظاهرة (أو لنقل في تعميق صيرورتها) سنحاول
عرضها هنا باختصار كبير:
+ العامل الأول أو
المحدد أو القطيعة الأولى التي ساهمت في تشكل الظاهرة أو في تسريع وتيرة اشتغالها
وتتعلق أساسا بطفرة التطورات التكنولوجية التي كان لها الفضل (ولا يزال) في شيوع
الظاهرة وانتشار مكوناتها.
ليس غريبا إذن أن نلاحظ
أن تزايد الحديث في الظاهرة زامنه وواكبه تشديد الحديث في الثورة التكنولوجية سيما
تكنولوجيا الإعلام والاتصال والنقل أيضا.
معنى هذا العامل أن
ثورة تكنولوجيا الإعلام والاتصال خلصت الشركات من العوائق الجغرافية أو ما كان
يسمى بامتيازات القرب الجغرافي،ومكنت الأسواق من الانفتاح على بعضها البعض لدرجة
أننا نلاحظ اليوم أن ملايير الدولارات تتنقل يوميا عبر الشبكات على شكل بتات
إلكترونية لا حسيب عليها ولا رقيب (حوالي 98 بالمائة ذات طبيعة مضارباتية).
إلى جانب تكنولوجيا
الإعلام والاتصال،هناك أيضا ثورة النقل والمواصلات. فبفضلها اختصر زمان ومكان
إنتاج السلع والخدمات ناهيك عن تنقل الأفراد والجماعات (ليس اليد العاملة بالتأكيد).
هذا محدد أولي ساهم
وبعمق في تكريس الممارسة وتجذير الخطاب المتمحور حول ظاهرة العولمة.
+ العامل الثاني أو
المحدد الثاني ذو طابع تنظيمي ومؤسساتي محض،ويرتبط بالأساس ب"انتصار"
(أو ما يقدم على أنه انتصار) للفكر
اللليبيرالي الجديد،للفكر النيوليبيرالي المطالب بتكسير التقنينات وتحرير
الاقتصاديات وخوصصة القطاعات (حتى الاستراتيجي منها) وفتح الأسواق على مصراعيها
والاحتكام لقيم ومنطق ومنظومة السوق في الإنتاج والتسيير والتدبير والتعامل...الخ.
بمعنى أن لا حاكمية ،زمن العولمة،إلا للسوق المحرر،غير المقنن،التنافسي ولا دور للدولة يذكر اللهم
إلا فيما يخص تحديد قواعد اللعبة بين الفاعلين ولا دور للمؤسسة التشريعية إلا في
إخراج النصوص المتبنية لاقتصاد السوق وديموقراطية السوق والمدافعة على
قيمها...الخ.
وهو أمر من السهل
التدليل عليه من خلال استقراء بسيط لأدبيات مؤسستي بروتون وودز ونصوص المنظمة
العالمية للتجارة وأيضا من خلال الاضطلاع على معظم قوانين المالية المعتمدة بكل
دول العالم.
معنى هذا أن فضاء
اشتغال رأس المال قد اتسع و لا يمكن إلا أن يتسع ما دامت الأفكار الليبرالية
الجديدة تحكم التعامل مع السوق وتحكم أيضا السياسات الاقتصادية.
+ ثم هناك محدد ثالث ذو
أهمية كبرى لفهم التحولات التي ساهمت في تشكيل ظاهرة العولمة واتساع مجال
اشتغالها.
ويتعلق الأمر بالقطائع
الجيوسياسية التي عاشها جزء من العالم بداية التسعينات،أقصد التقويض الذي تعرضت
له دول أوروبا الشرقية وانخراطها في منظومة اقتصاد السوق وما ترتب عن ذلك من تبعات
اقتصادية وسياسية واجتماعية لا مجال للتفصيل فيها هنا.
محصلة كل هذه العوامل
والمحددات أن غالبية دول المعمور أصبحت تؤمن (أو تخضع) لمقاييس اقتصاد السوق
ومنطقه وثقافته المبنية على المبادرة الخاصة والتنافسية والإنتاجية ولا دور فيها
للدولة كبير.
وهو،في المحصلة
النهائية،ما كانت تسعى له الشركات الكبرى (ودولها من ورائها) أي تكوين فضاء عالمي
لإنتاج السلع والخدمات،لتوزيعها ولاستهلاكها على نطاق واسع.
إلا أن ما نلاحظه من
واقع حال أن الظاهرة،ظاهرة العولمة،لم تطاول لحد نهاية هذا القرن،كل أطراف
العالم أو كل الفضاءات الوطنية.
بمعنى أن الظاهرة ما
زالت لحد الآن محصورة في الفضاءات الجغرافية الكبرى وبين التجمعات الجهوية
العملاقة (النافطا،الاتحاد الأوروبي،تجمعات آسيا-الباسيفيك...الخ) لتبقى بالتالي
ظاهرة جهوية أو لنقل بيقطبية.
وهو ما يجعلنا نتحفظ
على عبارات الشمولية أو الشوملة أو الكوكبة أو غيرها من التسميات: أي أن الظاهرة
لم تتحول بعد إلى شوملة أو كوكبة ما دامت بعض الجيوب خارجة عن طوعها (ولو مؤقتا)
وحتى الأدوات (أدوات العولمة) ما زالت في طور التأسيس (كمنظمة التجارة العالمية
وغيرها).
العولمة ليست إذن هي
الشوملة حتى وإن كانت الأدبيات الرائجة تجعل من الثانية الترجمة
الأنجلوساكسونية للأولى وهو ما لا مجال
للحديث فيه هنا كذلك.
لو كان لنا،بصرف النظر
عما سبق من كلام،أن نقف عند البعد الإيديولوجي للخطاب (وللممارسة أيضا) المتبنية
لظاهرة العولمة،ماذا عسانا نقول؟
أعتقد أن البحث في
المضمون الإيديولوجي للظاهرة (من منطلق نظرية المؤامرة أو الاستعمار الجديد أو
الغزو الاقتصادي والثقافي) أمر وارد وهو الذي غالبا ما يقدم. لكني لن أخوض في هذا
السجال بقدر ما سأحاول أن أقف هنا عند ثلاث أطروحات زامنت ورافقت وأسست لظاهرة
العولمة ولربما تبين أكثر من غيرها المكنون الإيديولوجي لذات الظاهرة:
- الأطروحة الأولى
وتنبني بالأساس على ما بدأ يروج له منذ مدة تحت منظومة
"الاتصال-العالم" على غرار ما
أسماه بروديل وفالرشتاين ب "الاقتصاد-العالم".
ومفاد هذه الأطروحة أنه
بفضل الأقمار الصناعية والسواتل وانتشار القنوات الفضائية وانفجار بنوك المعطيات
المعلوماتية،فإن العالم قد أصبح قرية صغيرة لكل فرد فيها أن يرى ويسمع ويقرأ ما
يروج حوله من أنباء ووقائع ومعارف وعلوم.
بمعنى أننا نعيش،نهاية
هذا القرن،الوصول الحر والديموقراطي للمعلومات أي الاضطلاع على مكونات العلم
والمعرفة دون تعب ولا عناء.
وهو أمر لا يخلو كله من
صواب،لكنه يبقى خطابا موجها للدول الصناعية ذات الإمكانات التكنولوجية (من
اتصالات ومعلوميات وسمعي-بصري وغيرها من الوسائل).
وهو ما لا يصدق على
الكثير من الدول والشعوب التي لا ترى لها قدما في هذه القرية ولربما توجد قارات
بأكملها عرضة للتهميش والإقصاء ولا قيمة لها تذكر في دورة رأس المال العالمي.
هذا نموذج من نماذج
الخطابات التي يروجها متبنو ظاهرة العولمة وينشرونها على أكثر من مستوى باسم
"طرق الإعلام السريعة" و" مجتمع الإعلام والمعرفة الكوكبي".
ولكم أن تقارنوا عناصر
هذه الأطروحة وما تعيشه دول وقارات بأكملها من شتى ضروب التردي في أوضاعها العامة.
- النموذج الثاني أو
الأطروحة الثانية وترتكز على تقديم الفكر النيوليبيرالي (كمنظومة أفكار وكمرجع
للسياسات الاقتصادية) كسبيل واحد ووحيد للتنمية والخلاص من واقع التردي والتخلف.
وتستدل هذه الأطروحة
على ذلك بالقول بأن معظم الدول التي لم تتبن النموذج اللليبيرالي كفكر وكممارسة
(أوروبا الشرقية مثلا) لم تعرف إلا المجاعة والفقر وغيرهما لدرجة الانفجار من
الداخل وانهيار المؤسسات.
وهو أمر قد يسهل التدليل
عليه سيما وأن تطبيقات الفكر الاشتراكي في العديد من دول العالم ترتب عنها تبذير
للموارد وبيروقراطية في التسيير وغياب في المراقبة وغيرها.
إلا أن طبيعة التطرف
التي حملتها اللليبيرالية،زمن العولمة،لم تفرز لحد الآن،إلا المزيد من ضروب
التهميش والتفقير والبطالة وساهمت (ولربما إلى حد بعيد) في أشكال التطرف الدينية
والإثنية وغيرها،وفي تفجير الحساسيات القومية واللغوية والثقافية وخطاب
الخصوصيات...الخ.
ولكم أن تلاحظوا الذي
يجري من حولنا من عصبيات لربما لم يشهد التاريخ مثيلا لها وبمعظم دول وقارات
العالم: إن لم تكن الحرب (كما في إفريقيا والبلقان وآسيا وأمريكا اللاتينية) فعلى
الأقل العنف كما نلاحظ بالولايات المتحدة أو بأوروبا أو بغيرها،أو الانكفاء على
الذات بطريقة بدائية كما نلاحظ ذلك مع ظاهرة الطوائف.
لا أقول بأن العولمة
وتطرف اللليبيرالية هما السبب المركزي لذلك،لكني ألاحظ أن تزامن هذه الظواهر مع
تلك ليس بريئا ويجب أن ينظر إليه بعين موضوعية ومدققة.
- النموذج الثالث الذي
يدلل على الطبيعة الإيديولوجية لظاهرة العولمة ويمكن اشتقاقه مما يسمى منذ مدة
بانتصار "الفكر الواحد" أي فكر الدول الصناعية الكبرى والشركات المتعددة
الجنسيات والمؤسسات المالية الدولية والمنظمات التجارية العالمية والمؤسسات
العلمية.
هذا الفكر الواحد،الوحيد والسائد ينبني على منظومتين:
+ المنظومة الأولى
ومفادها أن لا سبيل للاستفادة من مزايا العولمة وفضائلها إلا بالمزيد من الانفتاح
على الأسواق،بالمزيد من التحرير،بالمزيد من الخوصصة،بالمزيد من اللاتقنين
وبالمزيد من القطاع الخاص...الخ.
+ المنظومة الثانية
ومضمونها أنه فضلا عن هذه التوصيات ("المقدسة") يجب إخضاع الاقتصاديات
والمجتمعات والثقافات " لقيم" جديدة،لمعايير جديدة تسمى: التنافسية،الإنتاجية،الربحية،التكيف،المرونة،الانضباط والتأقلم وغيرها.
وهي الوصايا الجديدة
و"القيم" الجديدة التي لا يسمح بغيرها،وهي على أية حال المعتمدة
والمقدمة على سواها من وصايا وقيم.
هل يمكن،انطلاقا مما
سبق "أنسنة" العولمة؟
لا نعتقد بذلك،ولئن
اعتقدنا به فلكأنما نعتقد بأن مواجهة الحرب الاقتصادية إنما يمر عبر تمرير قيم
السلم الاقتصادي,... وهو ما لا يمكن.
هل هي ظاهرة حتمية
ومعطياتها موضوعية؟
قد يجوز أمر موضوعيتها
لو تأملنا مثلا الثورة التكنولوجية وانهيار الفكر غير اللليبيرالي وتقدم منظومة
الأفكار الليبرالية وضغط المنظمات والشركات والدول المتحكمة في مصير الأفراد
والجماعات.
وقد يجوز أمر حتميتها
أيضا،لكننا نعتقد بأن إحدى وسائل اتقاء شرورها يمر عبر تكوين التجمعات الجهوية
وتقويتها أيضا ... وهو ما يمكن أن يكون موضوع عرض آخر.
محاضرة،مركز تكوين الأساتذة،سطات،3 ماي 1999.