أمريكا
وأزمة
المنظومة
عندما
انفجرت
الأزمة
المالية
العالمية, بالأشهر
الستة
الماضية, تباينت
الآراء
والمواقف
بإزاء
أسبابها وطبيعتها
وتداعياتها,
والآماد
القصوى التي
قد تبلغها,
بداخل البلدان
والأقطار, كما
فيما بين
الدول
والاقتصادات,
وتباينت أيضا
فيما يخص أدوات
المعالجة,
وسبل الخروج
منها دونما
آثار جوهرية
أو جانبية
كبرى.
قلنا
في حينه,
والأزمة
المالية في
بداياتها الأولى,
بأن الذي يجري
من أمامنا,
ونراه باديا
جليا من حولنا,
إنما هو
المظهر, في
حين أن الجوهر
هو المنخور, أي
أن ما يجري
إنما هو عرض
من أعراض أزمة
أكبر وأعمق,
كانت مضمرة,
أو متبرم عن
الاعتراف بها,
أو متحايل على
آجال
انفجارها
لهذا
الاعتبار أو
ذاك, وأن
الأسباب
الثاوية
خلفها متعددة
ومتشابكة, و
لا يمكن فصل
عناصرها عن
بعضها البعض:
+ إنها أزمة
منظومة فكرية
تدعى
الرأسمالية,
وتأزم مرجعية إيديولوجية
تسمى الليبيرالية,
بكل تموجاتها
ومستوياتها,
سيما المتطرفة
منها, التي
تقدس السوق, تمجد
أطروحة العرض
والطلب, تتقزز
من أي دور للدولة,
وتؤمن بقوة,
بجدوى ونجاعة
المبادرة
الخاصة,
والتنافسية في
أقصى أشكالها.
الأسواق هنا
لم تعد تشتغل
ببراءة أو
بعفوية أو
بتلقائية حتى,
بل غذت موجهة
بتصورات في
الفعل
الاقتصادي,
يطلقها على عنانها,
في غياب
وتغييب لكل
سبل تدخل
الحكومات
للجمها, أو
مراقبتها, أو
تقييم أدائها,
أو محاسبة
القائمين
عليها, فاعلين
ذاتيين
ومؤسسات على
حد سواء.
+ ثم هي
انعكاس لتأزم
الطروحات
والسياسات
الاقتصادية,
التي دفعت
بالعولمة إلى
أقصى مدى لها,
من بين ظهراني
الاقتصادات
الوطنية, كما
فيما بين
البلدان, سيما
المتقدم منها,
فبات الكل بظل
العولمة والانفتاح,
وتراجع
القيود
الجمركية
والحدود الجغرافية,
بات الكل ولكأنه
مع الكل ضد
الكل, وباتت
الشركات
المتعددة الجنسيات
تصوغ
الخيارات, بما
فيها
الخيارات
السياسية,
تصوغها وفق
مصالحها الذاتية
الصرفة, لا
وفق ما ترتئيه
الدول
والشعوب.
العولمة هنا,
أفرزت ثلاثة
مفارقات كان
فيها مقتلها:
أفرزت طلاقا
تاما بين حلقة
الإنتاج
والحلقة
المالية,
فباتت هذه
الأخيرة تدور
في استقلالية
تامة, بدليل
أن المحك لم
يعد الإنتاج
المحيل على
الربح, بل ترك
الإنتاج والتوجه
للمضاربات
بكل أشكالها,
الضامنة للمردود
السريع,
والغير مكلفة
بجانب
الاستثمار المادي
المعهود. والدليل
أنه خلال العقود
الثلاثة
الماضية فقط،
توسعت
الخدمات
المالية
بالولايات
المتحدة
لوحدها, من 11
بالمائة من
إجمالي
الناتج
المحلي, إلى 21
بالمائة، في الوقت
الذي تراجع
فيه قطاع الصناعة
وبنفس الفترة, من 25
بالمائة إلى 13 بالمائة.
ثم إن
العولمة,
بالتزاوج مع
ثورة الشبكات
الألكترونية,
خلصت
الرأسمال من
العوائق
الجغرافية
والزمنية
التقليدية,
فباتت
الملايير
تتنقل بالشبكات
ليل نهار,
ترتكز على
المضاربات, تتجه
بجهة المناطق
المعفية من
الضرائب, ولا
تعير كبير
اعتبار
للاستثمار في
الإنتاج.
بمعنى أن رجال المال
اندفعوا بقوة,
للبحث عن
أماكن لتوظيف
الأموال, والمدرة
لأرباح كبيرة
خارج القطاع
الصناعي،
فكانت أسواق
المال, الوهمية
و الافتراضية,
والمرتكزة
على المشتقات
المالية
الوفيرة, في
معظم جوانبها.
والعولمة
أفرزت
بالمحصلة,
ثقافة جديدة
مؤداها
الاستهلاك من
أجل الاستهلاك,
حتى وإن كان
ذلك على حساب
الادخار أو
تأمين
المستقبل ضد
المجهول,
القادم لا
محالة. إن تعدد
المشتقات
المالية
المغرية,
وتنوع سبل وأشكال
الاقتراض
السهل, وسهولة
إعادة جدولته,
والمجازفة في
إطار
"الرأسمالية
الشعبية", بالبورصات,
وبالمراهنة
على عافية هذه
الشركة أو
تلك, كلها عناصر
لم تثبت كثيرا
عندما تهاوت
المنظومة, وتتالت
الإفلاسات
هنا كما هناك.
بالتالي, فالأزمة
المالية
للشهور
الأخيرة, ما هي
بالحقيقة إلا
مظهرا من
مظاهر أزمة
النظام والمنظومة
برمتهما:
النظام هو
العليل, فيما
الأزمة
المالية ما هي
إلا عرض من
الأعراض, التي
تبين أن ثمة
علة بنيوية
حقيقية, تنخر
مفاصل
المنظومة
بانتظام ودون
هوادة.
ليس ثمة أدنى
شك أن السوق الأمريكي
هو الأكبر
والأضخم حجما,
وبكل
المقاييس
(أكثر من 14
تريليون
دولار, مع 10
بالمائة ضمن
المبادلات
التجارية
العالمية). وليس
ثمة شك أيضا أن
قوة الولايات
المتحدة
العسكرية
والتكنولوجية,
ومركزها
الأساس في
تحديد
السياسات
الكبرى
للمؤسسات
الدولية
الكبرى (من
قبيل صندوق النقد
الدولي والبنك
العالمي
ومنظمة
التجارة
العالمية),
ناهيك عن
نفوذها
كجغرافيا
استقطاب
للرساميل
الجوالة عبر
العالم, هذه
القوة الضخمة إنما
هي بمثابة
قاطرة لكل
اقتصادات
العالم, فإذا
اهتزت ذات
القاطرة, فسيكون
من شأن ذلك
خلق اهتزازات
وارتدادات
بكل دول
العالم,
وللمرء هنا أن
يلاحظ كيف
انتقلت عدوى
الإفلاسات
باليابان كما
بأوروبا, حتى
وإن بدا لنا
لأول وهلة,
أنها قد تكون
محصنة بهذا
الشكل أو ذاك,
بالقياس إلى
صلابة
اقتصاداتها.
ولما كان
للولايات
المتحدة كل
هذا الوزن,
فإنها غالبا
ما تجد السبل
والآليات لتبتز
الآخرين,
وتدفعهم لاقتسام
الخسائر معها
(مع سلوكها
المعروف بحصر
الفوائد على
مستواها هي,
لا غيرها).
بهذه الجزئية,
يبدو أن
الولايات
المتحدة لن
تتلكأ في
ابتزاز
حلفائها قبل
الأعداء, وقد
برز ذلك تحديدا
مع أوروبا,
وبرز أكثر مع
الريع النفطي
الذي تحصلت
عليه دول
الخليج, وبعض
دول المغرب
العربي.
الغاية هنا هي
الحصول على
السيولة
المالية,
لضخها في
النظام
المالي
الأمريكي
المعتل, على
أساس من القول
بأنه لو انهار
هذا النظام,
لانهارت
بجريرته كل
النظم
المالية
الأخرى.
إن الرئيس
الأمريكي
"الجديد"
إنما يبدو في
وضعية لا يمكن
مداواتها إلا
بالصدمات العنيفة
والقرارات
الحادة. فقد
ورث الرجل,
بالإضافة إلى
تداعيات حربين,
لا تزال
تداعياتهما
طاغية على
الميزانية
الأمريكية,
ورث أزمة مالية
خانقة,
وإفلاسات متتالية,
ومستويات في
البطالة لم
تعهدها
أمريكا, من
أكثر من نصف
قرن, ناهيك عن
تعب الاقتصاد
الأمريكي
العام, أمام
منافسين
صاعدين
يتعاملون وفق
مقاييس السوق,
لكن برقابة
وتدرجية
وبراغماتية
هائلة.
إن الرائج من
مدة, أن
الإدارة
الأمريكية
تنوي خفض
ميزانية
البنتاغون
بحوالي 10
بالمائة في ميزانية
العام 2010. لكن
هذا التخفيض
يأتي ضمن ميزانية
عامة تتزايد
بما يناهز ال 3
بالمائة, وضمن
مصاريف
عسكرية تمثل 50
بالمائة بما
ينفقه العالم
كله على هذا
الجانب. وهذا
يؤشر على أن
المقصود هنا
هو بعض
البرامج التي
كانت تراهن
عليها أمريكا,
من قبيل
النظام
المضاد
للصواريخ,
الذي كلف 9
مليار دولار,
ونظام الحرب
المستقبلي
(إف.سي.إس) الذي
كلف ما يناهز
الأربع
مليارات,
ناهيك عن
معارضته
للسباق
العسكري
الفضائي.
إن
الميزانية
العسكرية
الأمريكية هي
الأضخم في
العالم على
الإطلاق (568 مليار
دولار كنفقات
عسكرية للعام
2008 و 515 مليار
دولار
كميزانية
للعام 2009), وهذه
مستويات لا
يستطيع رئيس
كيفما كان
لونه السياسي,
أن يقلصها
بقوة, سيما في
ظل نظرية
القوة
العسكرية
الأمريكية
التي يعتمدها
معظم الرؤساء,
كائنة ما تكن
وعودهم
ومشاريعهم.
صحيح أن
الرئيس
الأمريكي وعد
باقتصاد بعض الملايير,
من خلال
الانسحاب من
العراق (الذي
يكلف 3 ملايير
شهريا),
والتقليص من
المصاريف
الغير مهمة
كثيرا, لكنه اقترح
مبادرات
مكلفة إضافية
أيضا, من قبيل
توظيف أكثر من
90 ألف فرد
بالقوات المسلحة,
لمواجهة
طالبان وتنظيم
القاعدة
بأفغانستان.
لست متأكدا
حقا من أن هذه
الأموال
المحصل عليها
عبر هذا
التقليص
الفرعي أو ذاك,
على أهميتها
وضخامة
مستواها,
كافية
لمواجهة
المصاعب
الاقتصادية
التي تطاول
الولايات
المتحدة
الأمريكية, إذ
أن الأزمة
التي يعيشها
الاقتصاد
الأمريكي هي
أزمة ملازمة
له, ولم تغدو
عالمية إلا
بالعدوى.
بمعنى أن العالم
لم يسهم في
تفجيرها, بقدر
ما طاولته دون
إذن منه, أو أن
يكون له بها
دخل كبير.
ومع ذلك, فلو
سلمنا بأن
الأزمة هي أزمة
مالية صرفة,
أي أن
المعاملات
بالسوق, هي
معاملات
ورقية وشكلية,
ولا تقوم على
أية مبادلات
فعلية للسلع
والخدمات,
وهذا رأي غير
دقيق تماما,
فإن الحل كامن
على المدى
القصير, في
إصلاح
المنظومة
المالية على
مستوى
الولايات
المتحدة, وعلى
المستوى الدولي,
فيما يتعلق
بالمنظمات
الدولية التي
أنشئت في إطار
بروتون وودز,
والتي لم تعد
اليوم ناجعة.
بالتالي, وجب
التفكير في
صيغ جديدة على
النقيض من
مؤسستي ذات
الإطار.
في حين لو
سلمنا بأن
الأزمة تطاول
النظام الرأسمالي
والمنظومة
الليبيرالية
برمتهما, وهذا
أقرب إلى كبد
الحقيقة, فإن
الحل يختلف
جذريا, ويجب
أن يطاول ليس
فقط العلاقة
بين السوق والدولة,
وضرورة ضخ بعض
من الحكامة في
علاقتهما, بل
وأيضا البحث
في سبل تخليق
الأسواق
ذاتها, بما يضمن
القليل من
الغش
والتدليس
والكذب
والتحايل والعمل
بمنطق
المضاربات.
إن
المطلوب اليوم
كامن في جزء
كبير منه, في
تخليص
الاقتصاد
العالمي من
الفقاقيع
المالية التي
تطاوله
كالسرطان,
ومحاولة
إيجاد أطر جديدة,
ليكون المال
مرآة فعلية
لمستوى
الإنتاج الواقعي
والملموس, لا
صورة مضللة لرأسمال
هلامي ووهمي,
يتعفف عن الإنتاج,
ويتسابق على
الربح السريع
والريع الأسرع.
يحيى
اليحياوي
الرباط,
30 مارس 2009