هل هناك أزمة بقطاع الاتصالات في العالم؟
يحيى اليحياوي
1- لا يبدو التساؤل في أزمة قطاع الاتصالات بالعالم اليوم تساؤلا إشكاليا كبيرا بقدر ما أضحى أمرا واقعا قلما تتغافله الملتقيات أو تتجاهله منابر الإعلام المتخصص منها كما العام.
والحاصل أن تهاوي العديد من كبريات شركات الاتصالات بالعالم لم ولا ينذر فقط بأزمة في قطاع لطالما عاش في منأى عن الأزمات، ولكن أيضا بهشاشة السياسات والاختيارات التي جعلت من القطاع إياه عصب "الاقتصاد الجديد" ومن الفاعلين فيه عنصر التنمية الأساس وبريق الاقتصاد والثقافة.
وعلى هذا الأساس، فالأزمة التي نلاحظها اليوم لا تطاول كبريات شركات الاتصالات فحسب، بل هي إن لم تكن نذير الأزمة التي يعيشها القطاع برمته، فهي على الأقل عرضا من أعراضه.
من هنا فلو تم التسليم بوضعية الأزمة القائمة حاليا بقطاع الاتصالات، فإن الاختلاف لن ولا يأتي إلا من التشخيص (تشخيص الأسباب الكامنة وراء ذلك) ومن تحديد طبيعة ذات الأزمة وحدود مجالها وإطارها العام.
2- هناك، فيما نعتقد، ثلاثة أسباب موضوعية إن لم تكن وراء حالة الأزمة التي يعيشها القطاع، فهي حتما خلف التعجيل بتجسدها في الشكل كما في الجوهر:
- السبب الأول ويكمن أساسا في سن الشيخوخة (أو لنقل سن الرشد)الذي بلغه القطاع مدشنا بذلك ما يسميه كوندراتتيف ب "الدورة التراجعية" الكبرى.
والمقصود هنا إنما القول بأن معظم الشبكات والبنى التحتية والتجهيزات الأساسية والأعتدة الطرفية قد بلغت مستويات من التطور يجعل مراهنة صناعيي الاتصالات على زيادة الاستثمار فيها أمرا غير ذي جدوى كبرى.
والمقصود أيضا أن القيمة المضافة لم تعد لصيقة بالأعتدة بقدر ارتباطها بالخدمات والتطبيقات وتجاوب الشبكات فيما بينها.
ولو قاربنا المسألة من جانبها العام للاحظنا، في السياق ذاته، أن السوق الدولي للاتصالات لم يعد محكوما (كما كان من ذي قبل) من لدن الصناعيين (وإن كان لا يزال لتواجدهم وزن كبير)، بقدر ما أصبح "مجرورا" من لدن الخدمات ومستغلي الشبكات.
ثم لو اعتمدنا زاوية نظر أوسع لخلصنا أيضا إلى أن قطاع الاتصالات لم يعد يفرز من القيمة المضافة (عكس ما كان عليه الحال من ذي قبل) إلا بارتباطه وتجاوب شبكاته بالشبكات الأخرى سيما القريبة منه كالشبكات المعلوماتية (المتعدد الأقطاب والإنترنيت أساسا) والشبكات السمعية-البصرية سيما مع تكاثر الأقمار الصناعية وازدياد وتيرة البث التلفزي الرقمي وغيرها.
من الطبيعي إذن، بناء على ما سبق، أن تتراجع صناعة الاتصالات ويتقلص سوقها وتقضم الخدمات والبرامج والتطبيقات من حصصها ومدا خيلها.
- السبب الثاني للأزمة ويتمثل، في اعتقادنا، في خاصية التمركز الشديد التي طاولت قطاع الاتصالات منذ ما يزيد على عقد من الزمن وجعلت من فاعليه الأساسيين "أباطرة" يتعدى رقم معاملاتهم النواتج الداخلية الخام للعديد من دول العالم مجتمعة بما فيها بعض الدول المتقدمة نفسها.
لا تتمثل مكامن الخطر في الاندماجات العمودية (السائدة منذ زمن طويل بين الصناعيين ومستغلي الشبكات) والتي زادت القطاع تمركزا وقطبية، بل يتعداه إلى اندماجات (أفقية) غالبا ما تتم في إطار التحالفات الاستراتيجية أو محصلة سياسات التوسع التي تنهجها الشركة الأصل...والتي قد تكون دخيلة على القطاع في بعض الأحيان.
فشركة كفيفاندي، المختصة في الماء والتطهير بداية، لم تكتف بولوج عالم الاتصالات، بل تعدته إلى التلفزة والنشر والصحافة والسينما وغيرها خالقة (باقتنائها ليونفرسال) ثاني إمبراطورية للإعلام بعدما انفردت "أمريكا أون لاين (بتحالفها مع تايم وورنر) بالمرتبة الأولى.
من الطبيعي إذن (إذا لم يكن من الموضوعي) أن يؤدي التمركز وتقوي نزعة التحالفات الاستراتيجية (بين مهنيين مختلفين في العديد من الحالات) إلى حالات من تدبدب الاستراتيجيات وتزايد التحالفات المضادة لدرجة تهتز معها الأسواق ويصبح في ظلها الكل متحالف مع الكل ضد الكل.
- أما السبب الثالث لأزمة قطاع الاتصالات بالعالم فيخال لنا كامنا في الهوس الجماعي (فاعلين ومستثمرين ومساهمين) للحصول على حصص وأرباح بقطاع حولته ثقافة البورصة السائدة إلى "جيب" للربح السريع، المضمون والمتزايد باستمرار.
والمقصود بهوس الفاعلين في القطاع إنما تحالفهم مع مجموعات بنكية كبرى لاقتناء رخص (في الهاتف النقال-الجيل الثالث) باهظة التكلفة، غير ثابتة الفعالية التقنية وغير مضمونة النتائج التجارية.
صحيح أن مطارف النظام الشمولي للاتصالات النقالة (إ.إم.ت.إس) ستمكن بلوغ شبكة الإنترنيت دونما حاجة للحاسوب (وبصبيب أكبر من صبيب الإنترنيت الحالي)، وصحيح أنها ستضمن الميزات الثلاث لاتصالات المستقبل (أعني التفاعلية والحركية والتجاوبية التقنية)، لكن كل ذلك غير مثبت على أرض الواقع ومبني، فوق كل ذلك، على المراهنة "على ربح قد يأتي وقد لا يأتي" كما يقال.
أما المقصود بهوس المستثمرين والمساهمين فيتمثل في تهافتهم على اقتناء أصول وأسهم شركات الاتصالات على خلفية من تشجيع خبراء واقتصاديين لهم بأن وتيرة السوق المالي تعمل بجهة الارتفاع... بالتالي، "وجب" الاقتناء دونما خوف أو تردد.
لم تكن "العامة" واعية بأن الاستثمار في قطاع تكنولوجيا الإعلام والاتصال (في قطاع النيط يقول البعض) مختلف في طبيعته عن الاستثمار التقليدي (الذي وإن كان طويل المدى فهو خفيف العواقب) بقدر ما كانت مؤطرة (من لدن الخبراء وعتاة المال) ب "انتصارية رأسمالية" يحكم أفقها التطلع للاغتناء السريع دونما ورود احتمالات الخسارة لديها.
بالتالي، فلم يعد الحديث في الأسواق والبورصات إلا بمؤشرات "ناسداك" و "داو جونز" و "كاك 40" وغيرها دون الانتباه إلى أن العمليات (كل العمليات تقريبا) هي مجرد مضاربات مالية لا تمت إلى الاستثمار بصلة كبيرة.
3- لم يكن من الوارد يوما (أو هكذا يبدو) أن شركات عملاقة من طينة فيفاندي يونفرسال أو وورلدكوم (أكبر شركة أمريكية للاتصالات الدولية) أو غيرها ستتهاوى أسهمها بالقوة والوتيرة التي لاحظناها لو كانت العبرة برقم المعاملات و "إيجابية" النتائج المحصل عليها و "المدققة" فوق كل هذا وذاك من لدن مكاتب للتدقيق لم يجرأ أحد يوما للمزايدة على مهنيتها و "مصداقيتها".
إلا أن الحاصل أثبت العكس: فعمل فيفاندي كما وورلدكوم على "تجميل" حساباتهما (كي تظهرا بمظهر الفاعلين الصلبين في أعين مساهميهما) لم يكن له ليكتمل إن لم تصدق عليه بيوت الخبرة و "تشرعنه".
بالتالي، فلم تكن شركة التدقيق تلك إلا شركة أندرسون للمحاسبة التي سمحت تلاعباتها المحاسباتية (تسجيل حوالي أربعة مليار كإنفاق رأسمالي مما أدى إلى تزايد السيولة النقدية لديها ولولا ذلك لسجلت الشركة خسائر صافية طيلة سنة 2001 والربع الأول من 2002) بإبراز "الصلابة المالية" للشركة و"صلابة" نتائجها.
وهي الشركة (أندرسون أقصد) التي عمدت إلى "تجميل" مليار ونصف مليار دولار لفائدة فيفاندي يونفرسال كي تخلص إلى " فبركة" أرباح صافية لدى الشركة عبر حيل محاسباتية وتحويلات مالية داخلية غير مشروعة (أعلن فيما بعد أن خسائر الشركة بلغت 14 مليار دولار).
ولئن استطاعت أندرسون تجميل حسابات الشركتين (في أعين المساهمين وفي أعين السوق) فإنها مع ذلك لم تستطع التحايل على حجم الديون التي تئن الشركتان تحت وطأتها (19 مليار يورو بالنسبة لفيفاندي و 41 مليار دولار بالنسبة لوورلدكوم).
4- الواضح الجلي إذن أن حسابات فيفاندي كما وورلدكوم إنما هي مزيج معقد من التحايلات المحاسباتية والضغوطات على شركات التدقيق (إذا لم نقل إرشاءها) وتغييب مبادئ الشفافية وما سواها من ممارسات.
بالتالي، فما عايناه بإزاء انهيار الشركتين إنما هو العينة المصغرة لممارسات متعددة ولربما بشركات أخرى لم تطلها بعد موجات الفضائح المستشرية بالقطاع.
من هنا فالتساؤل لم يعد يطاول الفاعلين في قطاع الاتصالات و لا المبادئ الكبرى التي بنت (ولا تزال) لما يسمى ب "الرأسمالية الإعلامية والاتصالية" التي أفرزت الفاعلين هؤلاء، ولكن أيضا الطبيعة الجوهرية للرأسمالية إياها.
لا يدخل في ذات الطبيعة الممارسات المضارباتية ولا التحايل على القانون بل وأيضا تسامح هذا الأخير مع رموز ذات الرأسمالية، وإلا فما تفسير مطالبة جون ماري ميسيي (رئيس مدير عام فيفاندي يونفرسال السابق) بتعويضه عن سنين عمله ومنحه الحصانة ضد أي متابعات؟
5- لو كان لنا أن نتساءل من جديد عن طبيعة الأزمة الحالية بقطاع الاتصالات لقلنا باختصار: إن الأزمة المالية التي تعيشها شركات القطاع ما هي إلا مظهر من مظاهر أزمة القطاع برمته والتي بدأت في اعتقادنا منذ انطلقت (أواسط ثمانينات القرن الماضي) مسلسلات التحرير وإعادات التقنين والخوصصة مفوضة بذلك للسوق صلاحيات التنظيم والتقنين والتسيير وغيرها.
جريدة العلم، 8 شتنبر 2002