"الثقافة والتنمية المستقلة في عصر العولمة"

 

محمد سعيد طالب، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2005، 211 ص.

 

بمقدمة الكتاب، يوضح المؤلف أن الأمر يتعلق  بثلاث دراسات أساسية حول العلاقة بين الثقافة والتخلف، وثقافة التبعية، والثقافة والتغيير والإصلاح. ويركز على "أن التبعية والتخلف هما نتيجة لثقافة فقدت نبضها الإبداعي، و أصبحت في حالة أزمة تبحث في تاريخها عن مبررات وجودها أكثر مما تبحث عن حاضرها ومستقبلها، في تنمية معاييرها القيمية والعملية، لمواجهة التحديات والتطورات العاصفة الجارية في العالم" .

 

+ بالفصل الأول ("دور التراث الفكري السياسي والجهادي في تكوين الثقافة العربية الحديثة: الحروب ضد الفرنجة (الصليبين) في العصور الوسطى نموذجا") يزعم المؤلف أن

"الحروب التي شنتها أوروبا الغربية تحت شعارات الصليب وبقيادة باباوات روما، وأطلقت عليها اسم الحروب الصليبية (في حين سماها العرب الحروب ضد الفرنجة الغزاة لأرض العرب والإسلام)، لعل هذه الحروب التي استمرت أكثر من مائتي عام، هي الحدث الأهم في تشكيل تاريخنا الحديث، ووعينا للعلاقات مع أوروبا".  

 

إن التراث الفكري المقاوم والثقافة الجهادية التي نسجتها الحروب ضد الفرنجة، يقول المؤلف، ما تزال "حاضرة في الفكر العربي الحديث، وثقافة المقاومة الراسخة في لا وعي الأمة أفرادا وجماعات، وهي المعين الذي تتغذى منه في صبرها وصمودها أمام الغزو المتعدد الأشكال والوجوه والمسميات". 

 

ففي أعقاب الهجوم على مركز التجارة العالمي في نيويورك والبنتاجون في شتنبر 2001،  أعلن جورج بوش الإبن "الحرب الصليبية على الإرهاب العربي والإسلامي"، وصرح الجنرال الأمريكي وليام بويكن، رئيس قسم الاستخبارات في البنتاجون بعد غزو العراق في مارس/أبريل 2003 واشتداد المقاومة العراقية ضد الاحتلال الأمريكي ب"أن إله المسلمين وثن"، وأن "الحرب على الإرهاب هي حرب من أجل المسيحية. المسلمون يكرهون الولايات المتحدة لأنها أمة مسيحية، ولن يتم القضاء على عدونا الروحي إلا إذا وحدنا صفوفنا ضده باسم يسوع المسيح".      

 

 وفي محاضرة لخوسية ماريا أزنار رئيس وزراء أسبانيا السابق في جامعة جورج تاون الأمريكية في أواخر شتنبر من العام 2004، قال: "إن مشكلة أسبانيا مع تنظيم القاعدة والإرهاب الإسلامي لم تبدأ مع أزمة العراق، بل يجب أن نعود إلى الوراء لتبدأ في القرن الثامن الميلادي، عندما تعرضت أسبانيا للغزو من جانب المغاربة، ورفضت أن تكون جزءا من العالم الإسلامي، وخاضت معركة طويلة لاستعادة هويتها، حتى طردت العرب من شبه جزيرة إيبيريا التي كانت تحمل اسم الأندلس في القرن الخامس عشر الميلادي".

 

من جهة أخرى، يلاحظ المؤلف أن الليبيراليين والوضعيين العرب يقولون بأن التخلف والتبعية اللذين يحيطان بنا يجعلان من المستحيل أن ننتصر في المواجهة الراهنة، "وعلينا أولا أن ندخل الحضارة الحديثة ونستبطنها ونوطنها في مجتمعاتنا، حتى نستطيع الحديث عن مواجهة تمتلك بعض شروط التقدم لتحقيق ما هو ممكن في الظروف السائدة".   

 

ويفترض الكاتب، ردا على ذلك، "أن هناك حلقة مركزية في تاريخ كل أمة تشكل مفتاحا لفهم تكوين وخصائص وتطورات تاريخ هذه الأمة، بما أن هذه الحلقة نقطة اتصال وانفصال واستمرار وانقطاع، منها يبدأ التقدم أو الانهيار، وعلينا أن نمحص مظاهرها ونتحرى مفاعيلها كما تظهر في المصائر التراجيدية لقياداتها وللقوى الاجتماعية والسياسية التي حملت أعباء الكفاح، وجسدت قيمه وأخلاقياته ومنظومته الثقافية، والمشروع الحضاري والرؤى الفكرية التي كانت توجه ممارستها لإنجاز برامجها السياسية والاقتصادية، بما في ذلك التركيز على ديناميكية العلاقات الداخلية مع الحلفاء والمعارضين والعلاقات الخارجية وكيفية إدارة الصراع لتحقيق الأهداف المرجوة".  

 

ويزعم الكاتب أنه من الضروري الاعتماد على ما تحقق منذ "عصر الثورة العربية الإسلامية بقيادة النبي محمد والخلفاء الراشدين والعصر الإمبراطوري المزدهر للخلافة الأموية والعباسية عصر التفتح والتوسع والنهضة العلمية والثقافية"، وجعله "القاعدة التي توجه تطلعاتنا نحو الدولة العربية الحديثة، وبناء مفاهيمنا حول حاضرنا المتخلف قياسا إلى ماضينا العظيم".

 

+ بالفصل الثاني("التبعية وسياسات التنمية المستقلة في عصر العولمة الأمريكي: إيديولوجيا واستراتيجيات") يلح المؤلف على أن التبعية "ظاهرة معقدة تتشابك فيها الأعراض الاقتصادية والاجتماعية، والديموغرافية والجغرافية والسياسية والتاريخية. وهي عملية إلحاق قسري بوسائل سياسية واقتصادية وعسكرية، وغزو ثقافي وفكري لتعميم نظام الإنتاج الرأسمالي، وتسويغ للهيمنة التي تمارسها دولة عظمى أو مجموعة دول أحرزت تقدما في مجالات الاقتصاد والتكنولوجيات والعلم، فتستخدمها لتحقيق مصالح مادية واستراتيجية، بما تفرضه على أمم وشعوب أخرى أقل تقدما، من إجراءات تلزمها بها وتجبرها على تنفيذها، كي يمكنها البقاء".   

 

ويحددها بجانبها السلبي، في كونها "انحسار وتراجع القدرة على النمو الذاتي والقدرة على المنافسة. وهي علاقة مؤسسة على القوة بين دول متقدمة تحوز على التقنية الحديثة والثورة العلمية والرساميل الضخمة، وقد أقامت البنى والمؤسسات اللازمة لاستغلال وتشغيل هذه القدرات(مؤسسات المال- البنوك والمصارف العملاقة الوطنية والعالمية- والشركات وأسواق المال والمصانع والمعامل الحديثة ومراكز البحوث العلمية والجامعات ومؤسسات الدولة الحديثة ومنظومات القوانين، والجيش والقوات المسلحة بكل ما تحوز من أسلحة حديثة ومتطورة")، وبين دول لا تحوز على ذلك، أو تحوز على جزء ضئيل منه.

 

ويعينها ب"شبكة من الأسباب والمسببات والظروف والشروط المنتجة لذلك التخلف، تاريخية وجغرافية- بيئية وثقافية حضارية وإنتاجيةقتصادية، ودولتية/حكومية ومؤسساتية، وقومية، وسياسية، وعقلانية، ودينية، ومفاهيم أخلاقية وقيم روحية، اتخذت طابعا تاريخيا عبر مراحل من الانهيارات الإيكولوجية والاجتماعية والديموغرافية والبنيوية، والغزوات الأجنبية في شروط ملموسة، شكلت بمجموعها ظاهرة التخلف والتقدم، والتبعية والغلبة".  

 

إن علاقة التبعية في الجوهر "علاقة تناحريه/صدامية، وبنفس الوقت تواصليةنقطاعية، يقول المؤلف. إذ تشكل نمطا متسقا للعلاقة بين الأمم بقيادة طبقة رأسمالية حديثة، ليست من أصول تراتبية عريقة بالنبالة أو الفروسية أو الكهنوت(حربية أو سلالية ذات امتيازات متوارثة عائلية أو إقطاعية وأرستقراطية ). فهي تعتمد على حيازتها للرأسمال وأدوات الإنتاج والتقنيات الحديثة وتستند إلى العلم والخبرات التكنولوجية والسوق والمنافسة، بل قل الحروب والصراعات المدمرة فيما بينها سعيا وراء الربح والمغانم، متجددة باستمرار مع تطورات نظام الإنتاج الرأسمالي نفسه، واتساعه وتعميقه بإفصاحه عن مكنوناته وآفاقه في تظاهرات وأزمات، تفصح عن قانونه الأساس المتمثل بتجدده على طريق الاكتمال والسيادة العالمية، في تواصله بالقوة والفعل وانقطاعاته بالمواجهة الاجتماعية الداخلية، وتناقضاته البنيوية وثورات، وكفاح الدول التابعة والحروب السرية والعلنية بين مراكزه العظمى من أجل حيازة القوة، وبالتالي المنافع المادية، لتعيد صياغته بعد كل أزمة وفق تناسب القوى الطبقية التي صعدت وامتلكت التكنولوجيات الأحدث، والتي تتجدد في كل عقد تقريبا".  

 

وتستند علاقات التبعية، برأي الكاتب، إلى يديولوجيا تكاد أن تكون ديانة وضعية... تعتمد المال، بل الرأسمال والتكنولوجيات، والعلم الوضعي/التجريبي قاعدة ومنطلقا لبناء عالم جديد، والعقلانية والمادية فلسفة سامية لبناء ثقافة حديثة لإنسان جديد، صفته الأساس أنه منتج وصانع ومنظم اقتصادي وإداري وسياسي ومفكر وعالم، له رسالة وضعية هي تحرير البشرية من الدين والخرافة ونشر العقلانية وأنوار العلم والحرية. وهي رسالة تفاضلية تتحمل مسؤولياتها الأمم التي سبقت وقادت العالم في هذا السياق، وامتلكت هذا الحق بالفعل والممارسة وما أنجزته في ميادين الصناعة والعلم".  

 

إن علاقة التبعية التي تربط بين هذه الأمم الأخيرة والأمم المتقدمة هي، بنظر المؤلف، "علاقة مفروضة من المتبوع على التابع، عبر شبكة من العلائق المؤسساتية ظاهرها اقتصادي/سياسي ومحتواها إنتاجي/تقني/علمي ومرجعيتها ثقافية، تنتجها علاقات السوق العالمية التي تتحكم بتدفق السلع والرساميل والقوى العاملة والأفكار والتقنيات، بحسب ما تقتضي المصالح المادية للطبقات المالكة والمهيمنة على وسائل الإنتاج والدولة والمؤسسات الأخرى الاقتصادية والعلمية والسياسية" . 

 

بالتالي، فإن الدولة الأكثر تطورا في مجال الإنتاج الصناعي وتحديثا في تقنياته وإنفاقا على البحوث العلمية، والمالكة للرساميل وأسواق المال الحديثة والقوة العسكرية المتفوقة هي "القادرة على السيطرة والإمساك بمفاتيح عملية الإنتاج الرأسمالي وحركة السوق العالمية، وبالتالي السيطرة السياسية والثقافية للتصرف كإمبراطورية. وتجعل إيديولوجيا التبعية التابع أسير شبكاتها العنكبوتية استهلاكا وإنتاجا وتوزيعا وسلوكا ومعايير قيمية وأخلاقية".

 

ويؤكد المؤلف على ضرورة "فهم الرأسمالية في بعدها كحقيقة عالمية، وعدم اختزالها إلى مجرد نمط إنتاج رأسمالي يعم الأرض... يجب كشف وتركيب المتناقضات الاجتماعية الخاصة بكل فرع أو مجموعة في النظام العالمي، ومفصلتها على بعضها، وبالتالي الخروج من إسار النظرية المركزية الأوروبية للتاريخ والتوسع الرأسمالي".

 

فالتبعية بهذا المعنى، يضيف الكاتب، "ليست نظام إنتاج كولونيالي، حسب نظرية مهدي عامل، ولا نظام إنتاج رأسمالي تابع في الأطراف للنظام المؤسس، بحسب سمير أمين. كما أنها ليست ثقافة التخلف مقابل ثقافة الحداثة، ولا العقلانية/الفلسفية والمادية العلمية مقابل الروحانية واللاعقلانية، ولا الدولة الديموقراطية القومية الحديثة مقابل الدولة الاستبدادية/ العشائرية/العائلية/الطائفية، دولة الأعراف وعلاقات القوة بين مجموعات متنوعة الأعراق والثقافات". 

 

التبعية، بزعم المؤلف، هي "مركب ثقافي/اقتصادي يتضمن التقدم والتخلف في وحدة جدلية وعلاقة متكاملة تفصل وتوصل، في عملية التناقض والتضاد والنفي والصراع والتجاوز. فتنمية التخلف تظهر وكأنها وقف التقدم في المراكز المتقدمة، لتظهر وكأنها النقيض المقوض للحداثة، فتنتج عدم التكافؤ في الاقتصاد والثقافة بين مجتمعات ذات حضارات عريقة، تريد الحفاظ على هويتها وبنفس الوقت ملاءمة أوضاعها للاستفادة من إنجازات واختراعات وتقنيات وعلوم الحضارة الحديثة، ومؤسساتها في بناء الدولة والاقتصاد، فتدخل في علاقات صراعية تكاملية، تؤسس لنظام عالمي حديث ومنظومة من القوانين والأفكار والآليات والمؤسسات على المستوى الدولي والقومي والمحلي، مشكلة نظاما عالميا تتوزع فيه القوى، بتناسب الفاعليات وقسمة العمل الدولية، الطرفي/الداخلي الحديث، والخارجي التابع". 

 

إن نمط الإنتاج الرأسمالي هو النمط الاقتصادي الأول غير القادر على الوجود بذاته، "فهو بحاجة إلى أنظمة اقتصادية أخرى كأدوات وكتربة للنمو والتكاثر". وهنا معنى التبعية الاقتصادية.

 

أما التبعية السياسية فمعناها، برأي الكاتب، "أن حدود السيادة للدول التابعة ضيقة بالأصل، وتضيق وتتقلص باستمرار على إقليمها وشعبها وثرواتها الطبيعية وقواها العاملة، وعلى كيفية استخدام مواردها المالية والعلمية والتكنولوجية، وعلى إنتاجها المادي والروحي، مما يدخلها في أزمة هوية نتيجة سياسات التجزئة والتفتيت أو الضم والإلحاق، التي رسمت بها ولها الإمبريالية حدودها كدول بحسب ما قدرت مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية، وجعلتها نهائية لا يجوز تغييرها إلا بموافقتها".

 

وأما التبعية الثقافية فأشد التباسا وخطورة من التبعية السياسية والاقتصادية، يقول الكاتب، "فهي تعيد تشكيل الفكر والثقافة والشخصية القومية والفردية والمجتمعية للأمة التابعة، خدمة للأهداف العامة للإمبراطورية الرأسمالية في أعلى مراحلها. فتعمل ثقافة العولمة الإمبراطورية وفق استراتيجية الحذف والإلغاء، وقوانين الاحتواء والتجاوز للثقافات القومية والوطنية ابتداء بتغيير مناهج التربية والتعليم والمعايير الأخلاقية، وانتهاء بكنس سلم القيم التي تشكل جوهر الهوية القومية، واستبدالها بنماذج المعايير الاستهلاكية الأمريكية المستندة إلى منظومة أخلاقية مغايرة، مرجعيتها الفكرية الفلسفة البراغماتية وخطابها السياسي أيديولوجيا الرأسمالية، متوسلة بالإعلام المرسل عبر القنوات الفضائية، وعن طريق أفلام الفيديو والسينما، وشبكة الإنترنت والمواد الإعلامية المنتجة للدعاية والنشر الواسع لثقافة الاستهلاك والتوزيع والإنتاج الإمبريالية، وأدوات الاتصالات وآليات إيصال هذه الثقافة إلى جميع أنحاء العالم".    

 

بالتالي، فالتحول إلى الكونية لا يتم على مستوى الأسواق والتجارة والعمل فحسب، بل يخلق حسب المؤلف، "صورا من التجانس والترابط في ميادين الحياة المختلفة، بالدمج بين الاقتصاد والثقافة عبر المجالات المتعددة، (الإثني بالهجرة والتقني والمالي والإعلامي والأيديولوجي والقيمي بالتجارة والمثاقفة...الخ).  

 

إن الثقافة أضحت اليوم  "ساحة نزال أيديولوجي في النظام العالمي الجديد، بين العالم المتقدم والدول التابعة. وهي الأكثر أهمية من الاقتصاد في قيادة عملية التغيير الاجتماعي".

 

من هنا، فهي باتت ملتقى خمسة احتكارات في الآن معا: احتكار التكنولوجيات، والاحتكارات العاملة في مجال التدفقات المالية، والاحتكارات العاملة في مجال الحصول على الموارد الطبيعية، والاحتكارات العاملة في مجال الإعلام و الاتصالات، والاحتكارات العاملة في مجال أسلحة الدمار الشامل.  

 

ولكي تتمكن البلدان المتأخرة من السير على طريق التقدم الاجتماعي والتطور الاقتصادي لابد لها، يزعم المؤلف، "من تغيير كامل في الإطار السياسي والفكري والثقافي الذي تعيش ضمنه، فيجب تحطيم التحالف القائم بين البيروقراطية الحاكمة والبرجوازية الكومبرادورية الطفيلية، وبين الفكر التقليدي وثقافة السلطة ونسف مرتكزات الدولة الأمنية كواقع وإيديولوجيا".‏

 

+ بالفصل الثالث ("ثقافة التبرير وثقافة التغيير") يتعرض الكاتب لطبيعة العقل في الثقافة العربية المعاصرة ويقول بأنه:

°- "عقل هروبي أنتجته الأوقات الحرجة والأزمنة الصعبة، أزمنة الاستبداد والهزائم والضعف والتخلف، وكرست فيه مجموعة من القدرات الذاتية، تجعله يتعامل مع الوقائع الجارية وأحداث العالم وقضاياه الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بمنهج التبرير، وبوعي عامي يخلو من التفكر العميق والنظر الدقيق والبصيرة النافذة، التي تجهد لتكوين مفاهيم علمية معرفية مقاربة للواقع".

هو من مفرزات سياسات العنف والقوة التي ظلت تمارس على الإنسان والمجتمع العربيين سواء من السلطات المعرفية أو السياسية، "يضاف إليها علاقات التبعية الثقافية والاقتصادية والسياسية التي فرضتها علينا الإمبريالية والعولمة المعاصرة، وما تصدر إلينا من أفكار وقيم ومناهج، لا نستوعب إحداها حتى تمسك بنا أخرى جديدة وأكثر حداثة وما بعد الحداثة، فتختلط علينا المسائل والإشكاليات وتتعقد فلا نستطيع التمكن من العلم، فيلجأ عقلنا لتبسيط القضايا والتعامل بها ومعها على قدر ما يمكن استيعابه منها، فلا يجد أسهل من اختراع الحجج والذرائع لتفسير حدوثها، بما يعكس جوانبها السطحية ويرضي رغباته وطموحاته، بل لنقل أوهامه، أي تبرير هزائمه وانتصاراته بأكبر قدر من توهين العقل والأسباب وتعظيم دور الشروط غير الملموسة". 

 

والعقل التبريري قادر، فضلا عن ذلك، "على تسويغ أعقد القضايا وإلباسها ثوب الحقيقة والصدق، بالانتقال من الشيء إلى ضده، بأن يجمع ويساوي بين المتناقضات من المفاهيم في وحدة غير جدلية في نفس النص الثقافي، بين الرأسمالية والاشتراكية، وبين الاستبداد والحرية، وبين الاستقلال والاحتلال، والخيانة والأمانة والشرف والغدر والوضاعة، وبين التبعية والتنمية الوطنية، والوحدة والانفصال، ويقدمها على أنها مترادفات".

 

وهكذا تفقد المفاهيم معانيها ودلالاتها، فتضيع الحقيقة في المواقف التبريرية التي تتغير بحسب تطور الأوضاع العالمية، وليس لأسباب موضوعية وذاتية عربية.

 

°- وهو عقل تبسيطي وتوفيقي لأنه "أحادي البنية، لا إشكاليات معرفية فيه، ولا علاقات جدلية"، والتوفيقية أساسه باعتبارها تجمع بين "منهج تجريبي علمي غربي، وعقائدية إيمانية موروثة بالتقليل من أهمية المتناقضات والتضاد بين المنهجين، وما قد ينتج عن التوتر بينهما مما يؤدي إلى انهيارات الموضوع المبني عليها بالكامل".  

 

°- وهو عقل ذرائعي/تلفيقي، "يتوسل بأوهى الأسباب والحجج، والمنطق الاسترجاعي/التلفيقي المرتبط بالنتائج العملية، والمنافع المادية التي نتجت في الممارسة كذرائع لإثبات صحة وكذب الأفكار والمعارف التي افترضها كموجهات لنشاطه الاجتماعي والفكري والاقتصادي والنظري".

 

°- وهو عقل مذهبي/دوغمائي وعقائدي بامتياز، "مشبع بالعصبوية والتحيز، لا يرى الوقائع والأحداث إلا من زاوية القبول أو الرفض، التأييد أو الكره، الحب أو البغض، داخل وخارج. فالداخل هو الحق المطلق، والخارج هو الشر المستطير". 

 

°- وهو عقل سلطوي كونه يتماهي مع الشمولية والاستبداد السياسي. فهو "لا يؤمن بالحوار لفتح آفاق معرفية وثقافية لإغناء المهد الثقافي، وتنويع أفكاره وخياراته للوصول إلى أفضل الحلول للمشاكل والقضايا القومية والوطنية"، ويلجأ للإكراه والعنف لفرض معتقداته على الآخر، لأن كل معارض أو مخالف هو عدو مفترض يجب تهديم فكره، و"لا يتورع عن طلب المساعدة من السلطات السياسية والأمنية والمعرفية لتحريمه وجعله خارج القانون إن عجز عن مواجهته فكريا. ولا بأس من سحق أشخاصه، لأن هذا هو المنهج القادر على الحفاظ على الوحدة الوطنية ووحدة العقيدة ووحدة الأمة، لأن الوحدة لا تكون عنده إلا بالتشابه والتماثل والإيمان بأصول فكرية وثقافية واحدة، وتستند إلى ترديد نفس الأقوال والشعارات... وهذه واحدية الجمود والموت".

 

يحيى اليحياوي

الرباط، 21 دجنبر 2006