لو
تسنى للمرء أن
يسلم بأن
العولمة إنما
هي, في
محدداتها
ومرجعياتها
وخلفياتها
وطبيعتها, وطبيعة
الفاعلين
بصلبها, ظاهرة
اقتصادية بامتياز,
فإنه سيسلم
حتما بأن باقي
"العولمات" لا
تغدو غير
كونها فروعا, في حين أن
الأولى هي
المصدر, أعني
هي الأصل.
وعلى
هذا الأساس,
فلا تبدو
العولمة
الإعلامية
مثلا, أو
التكنولوجية, أو العلمية, إلا رافدا
من روافد
العولمة
الاقتصادية, ليس
فقط على
اعتبار أن
لهما توجه
متلازم, ولكن
أيضا لأن
هدفهما
المشترك
يتغيأ فتح
الأسواق,
والزيادة في
الأرباح,
وتسريع وتيرة
دورة رأس
المال,
وما سوى ذلك.
ولما
كانت طبيعة
رأس المال هي
نفسها, لا
تتغير كثيرا
بتغير القطاع
المستثمر فيه,
فإنه يصبو
موضوعيا إلى
تحقيق عولمته
وعولمة المكونات
التي تدفع
بذات العولمة
سعة وفي الوتيرة.
من
هنا الاعتقاد
(اعتقادنا الخاص على
الأقل) بأن ما
يتعولم من
الثقافة إنما
تلك الجوانب
المرتبطة عضويا
برأس المال
المادي,
وليس الثقافة
في شموليتها.
ومعنى
هذا أنه لا
يتعولم من
الثقافة إلا
مكونها
المادي الجلي, بحكم
قابليته على
ذلك, وليس
الثقافة في كل
مكوناتها
ومشاربها
ومصادرها الرمزية
الكبرى.
ومعناه
أيضا أنه لو
تسنى لفاعلي
العولمة
الكبار أن
ينشروا, على نطاق
واسع, منتجات
السينما
ومسلسلات
التلفزيون
وبرامج
التسلية
والترفيه
وأسطوانات
الموسيقى
وغيرها, فإنه
لن يتسنى لهم
عولمة سلم القيم, أومنظومات
التمثل التي
كانت خلف
صياغة ذات المنتجات
وإنتاجها.
وبالقدر
نفسه, فإنهم لن
يتمكنوا (أو
هكذا يبدو
الأمر لحد
الآن) أن يفرضوا
ذات المكونات
الثقافية على
سلم القيم ومنظومات
التمثل
المتلقية...إذ
لا يخضع لطقوس
ومنطق
العولمة إلا
السلع
"الثقافية", وليس بأي
حال من
الأحوال
الرموز
والتصورات والتمثلات.
ولهذا
السبب ولغيره
حتما, فإن
البعد الاقتصادي
(الهاجس
الاقتصادي
يقول البعض)
هو الذي يجعل
منظمة
التجارة
العالمية
مثلا,
تدفع بطرح
إخضاع ذات
السلع لمنطق
السوق والعرض
والطلب,
تماما كباقي
السلع ذات
الطبيعة
التجارية الخالصة.
لا
يختلف سياق
التحليل
كثيرا لو
اقتصرت زاوية
الرؤية مرة
أخرى على
المكونات الثقافية
القابلة
للعولمة,
إذ ما يثار من
حديث عن عولمة
المعرفة مثلا, لا يروم
الدقة كثيرا
ولا خاصية
التمحيص
بالمحصلة. فما
يروج عبر
وسائل
الإعلام
المقتنية
لأدوات البث
العابرة
للحدود,
وما ينشر على
مواقع
الشبكات
الألكترونية
(وبالأنترنيت
تحديدا) لا
يعدو غير كونه
معلومات
ومعطيات
وبيانات
وأخبار
وغيرها,
وليس إلا في
القليل
النادر معرفة
باعتبار هذه
الأخيرة
تنظيرا
ونمذجة لما
يروج بواقع
الحال أو من
شأنه أن يروج, كما يستشف
ذلك مما تقدمه
سوسيولوجيا
المعرفة...وباعتبار
المعرفة أقرب
إلى الثقافة
منها إلى
المعلومات أو
البيانات أو
ما سواها.
والقياس,
في هذا الباب,
ممكن باللجوء
إلى أطروحات
نقل
التكنولوجيا
مثلا, إذ ما
ينقل من الدول
الكبرى إلى
الدول الأقل
نموا أو
الأكثر تخلفا, إنما تقنيات
وأعتدة وليست
بأي حال من
الأحوال طرق
التصميم
أوالاختبار
أوالمعرفة...فتبقى
التقنيات
إياها
بالتالي
غريبة عن
المحيط
المنقولة
إليه, في
انفصام كبير
مع منظومة
قيمه ونمط
عيشه.
ليس
ثمة من مجازفة
كبرى لو اعتبر
المرء بالمحصلة
الأولية, أن
الذي يتعولم
من الثقافة
إنما
المكونات ذات
القابلية على
ذلك...أعني ذات
"الطبيعة
الاقتصادية
الخالصة",
بدليل أن
"المجموعات
الثقافية"
الكبرى لا
تدعي كونها
تعرض مواد
ثقافية,
بقدر ما تعتبر
أن نشاطها
يطال
المضامين
والمحتويات.
بالتالي,
" فغزو" السوق
للثقافة لم
يتعد بداية
هذا القرن هذا
المستوى,
حتى وإن تسنى
لبعض الشركات
الكبرى أن
تقتحم سوق
الكتاب
والنشر
والصوت والصورة
وما سواها.
يبدو
الأمر إذن مع
هذه الشركات
وضخامة الشبكات
التي تتوفر
عليها, أن
الثقافة إنما
أضحت مطالبة,
تماما كرأس
المال
"الألكتروني",
بأن تقتني ذات
الشبكات إن هي
حددت لنفسها
هدف التدويل
وتغيأت
العولمة...وهو
ما فتئت
الأدبيات
تبشر به تحت
مسمى "الثقافة
الافتراضية".
والثقافة
الافتراضية
المقصودة, في
معظم الأدبيات
الرائجة, إنما
هي تلك
الثقافة
المرتكزة على
الفضاء
الافتراضي, حيث تنفصم
العلاقة بين
الزمن
والمكان,
ويصبح الفضاء
الواقعي جزءا
ليس إلا من
الفضاء
الافتراضي,
حيث المستوى
المحلي
والوطني إنما
يغدو مكونا
(ليس إلا) من
مكونات ذات
الفضاء.
والمقصود
بالثقافة
الافتراضية,
من ناحية ثانية,
إنما مجموع
الثقافات
المرتبطة
بعضها البعض
عبر الشبكات
الإعلامية
والاتصالاتية
والمعلومياتية
وغيرها. بالتالي,
فالفاعلين في
القطاع
الثقافي يعتبرون
أن الشبكات
هاته,
إنما تمثل
الارتباطات
الضرورية
لبلوغ النظام
العالمي:..."إنها
الأدوات
الجديدة على
مستوى
العولمة التي يلجأ
إليها فاعلو
القطاع
الثقافي
لإسماع صوتهم
على نطاق
عالمي".
ومعنى
هذا أن
الثقافة
الافتراضية
لا تحتكم إلى
حدود أو تخضع
لقوانين, إنها
"ثقافة
الشبكات",
حيث لا
إكراهات إلا ما
تفرضه ذات
الشبكات أو
تقيمه.
وعلى
هذا الأساس,
فطبيعة
الثقافة
إياها تبقى من
طبيعة
الثقافة
المعولمة
المتحدث فيها
من قبل, إذ ما
يخضع
للافتراضي في
الأولى إنما
هي البيانات
والمعلومات
والمعطيات, وليس
الثقافة
كنموذج حياة
وسلوك,
وكمنظومة قيم
ورموز, هي
عصية بكل المقاييس
على ذلك.
ثم
لو تسنى لذات
الثقافة أن
تضحو
افتراضية في جانبها
الأول, فإنها
لا تستطيع التجذر
في المجتمع
ومنظومة
القيم, ليس فقط بحكم
عسر التملك, ولكن أيضا
على اعتبار
تعذر البلوغ
من لدن الأفراد
والجماعات.
فالثقافة
الشبكبة,
المراد توسيع
نطاقها لتأسيس
ثقافة عالمية,
تبقى رهينة
المرتبطين
بالشبكات,
القادرين على
الإبحار في
مواقعها,
المتمكنين من
أدواتها
والمتوفرين
على القدرة
على فرزها
واستنباطها. وهو إكراه
موضوعي
بامتياز لا
فقط بحكم
إقصاء العديد
من سكان الأرض, ولكن أيضا
على اعتبار
طبيعة
"الثقافة"
المروجة والتي
تبقى صورة طبق
الأصل
لمنظومات
القيم السائدة
عالميا.
لا
ينحصر الأمر
هنا على
إشكالية
البلوغ (والتي
من الممكن
تجاوزها
عموما), بل
يتعداه إلى
إشكالية
التملك التي
لا سبيل يذكر
لتكريس ثقافة
عالمية في
غيابها.
وإشكالية
التملك
المقصودة هنا
إنما تتمثل في
قدرة الأفراد
والجماعات
على صهر "قيم
خارجية" في
منظومة قيمهم
وتحويلها إلى
مكون من
مكوناتها.
وهو
أمر يتعذر على
طبيعة
العولمة
الثقافية القائمة
ضمانه أو
تحويله إلى
واقع مادي
ملموس...حتى
بوجود "
فاعلين
ثقافيين"
يتغيأون
توظيف " قيم"
ذات العولمة
ومزاياها
لتكوين "ضمير
عالمي واحد".
لهذه
الاعتبارات
ولغيرها
تأكيدا,
فالعولمة "الثقافية"
الحالية إنما
هي عولمة
اقتصادية
وتقنية
وإعلامية
للثقافة,
وليست بأي حال
من الأحوال
عولمة
للثقافة.
يحيى
اليحياوي
الرباط,
4 يناير 2010