"الذبيحة"
ليس
من الضروري أن يكون المرء من مناصري العقيد القذافي أو من المتعاطفين معه, حتى
يهتز وجدانه وترتعش أطرافه من الصور الحية, المباشرة والمسجلة, وهي تبين الرجل
بقبضة غرمائه ("الثوار" بمنطوق الإعلام, وبيانات حلف الأطلسي), ملطخا
بالدماء, عاري البطن والصدر, حافي القدمين, يضرب من كل زاوية وبكل طرف من جسده,
وهو مقتاد غير لاو على شيء, يلتفت ذات اليمين وذات الشمال, لا يدرك تماما ما الذي
يجري من حوله, من أمامه أو من خلفه, اللهم إلا أناسا يتصايحون ويتطاير الرصاص من
بنادقهم, ولا يدرون فوق كل هذا وذاك, ما هم فاعلون ب"الصيد الثمين" الذي
لطالما نصبوا الشباك لاقتناصه.
وليس
من الضروري أيضا أن يكون المرء من ضحايا سلوك الرجل, وهو بالسلطة, أو طيلة أشهر
الانتفاضة عليه, حتى يتشفى فيه أو يرى أن القصاص منه قد تم, أو يطمئن إلى أن عدل
الله قد أقيم وإن بعد حين.
ليس
من الضروري كل ذلك, حتى وإن كان الرجل ظالما, متسلطا, مجرما في حق بني جلدته وبحق
الجيران والأغيار. إنه كان ظالما وقاسيا, قتل بدون حساب, وعاقب بدون قانون, ونفى
بدون مسوغ أخلاقي, وهدد بدون مبرر, واستباح بدون سبب, ونكل بالناس بدون وجه حق...ناهيك
عن تبذير مال الليبيين في مغامرت طائشة هنا وهناك.
ثم
إن طغى واستقوى حتى بدا لنا وللعالم أجمع, بأن لا رادع له بالمرة لا في الحال ولا
في المآل, وبات هو بحكم ذلك, ولكأنه الفرعون المطلق, المحاط بالكهنة والسحرة وحكمة
الزمان, يسوغون لسلوكه ويتماهون مع ما يرضاه ويرتضيه.
ومع
ذلك, أو على الرغم منه, فإن الطريقة التي قتل بها القذافي بعد إلقاء القبض عليه, هو
وابنه المعتصم, لم تكن لترضي القريب ولا البعيد, اللهم إلا من بنفسه مرض, أو عقدة
ثأر بدائي, أو حساب قديم لم تتم تصفيته:
+
فالرجل ألقي القبض عليه وهو حي, وضرب وأهين, ونكل به وهو جريح...وهذا لا ترضاه الشرائع
السماوية مجتمعة, لا سيما الدين الإسلامي الذي نهى قطعا عن التنكيل بالأسير حيا,
فما بالك إن كان ميتا.
إن
الذين عذبوا الرجل وهو حي, ونكلوا بجسده وهو ميت, لا يمتون للإسلام بصلة, حتى وإن
كان ضمنهم من يرفع شعار "الله أكبر" أو "لا إله إلا الله", أو
يعرض للكاميرا لحيته الخشنة وهو ينتشي بتنكيل الجسد الهامد.
+
والرجل استعطف جلاديه, وهو أسير حرب بين أيديهم, وناشدهم الرحمة والرأفة, لكنهم
أهانوه وتناوبوا على سحله وجرجرة جسده بالأرض, ونالوا منه شتما وسبا, ووجه الرجل
كما ثيابه ملطخة بالدماء.
وهذا
حد أخلاقي, لم يكن "للثوار" أن يتجاوزوه, لأن بتجاوزه تنتهي حرمة الحي
والميت, وتتقوض قيم الرفق بالأسير أيا ما تكن سلوكاته, أو الأفعال المترتبة عنها
على الأفراد وعلى الجماعات.
+
ليس الجانب الديني والأخلاقي هو الذي يعتد به للدفع بعدم وجوب إهانة الرجل, أو
قتله, أو التنكيل بجثته, بل ثمة اعتبارات أخرى, لعل أقواها على الإطلاق: إظهار
"الثوار" للإسلام وللمسلمين ولكأن دينهم دين قتل وتنكيل, وأخلاقهم أخلاق
انتقام وثأر...وهو ما نجحوا فيه وإن عن غير قصد.
يحيى اليحياوي
الرباط, 24 أكتوبر
2011