هل سيجرجر
الرئيس
السوداني
للمحاكمة؟
ببداية
صيف هذه
السنة, السنة 2008
للميلاد, أصدر
المدعي العام
لمحكمة
الجرائم
الدولية
توصية لهذه
الأخيرة,
يستأذنها في إصدار
مذكرة توقيف
بحق الرئيس
السوداني عمر حسن
البشير, "على
خلفية
المذابح
المشينة,
وجرائم القتل,
والإبادة
الجماعية,
والاغتصاب
التي جرت في
دارفور", من
دون أن تتمكن
السلطات
الحاكمة من
وضع حد لها, أو
متابعة المسؤولين
الثاوين
خلفها, أو
المتسترين
على الفاعلين,
أو
المتواطئين
معهم بهذا
الشكل أو ذاك.
لم
يصدر المدعي
العام توصيته
للمحكمة من
فراغ, بل تأتت
له (وفق تصريحاته
هو) على أساس
من معاينة
ميدانية,
وتقارير بعين
المكان,
وتقاطع
المعلومات
والمعطيات,
مكنته جميعها من
توفير "دلائل
إدانة قاطعة"
بشأن تورط
الرئيس
السوداني
مباشرة, أو
عبر بعض من
أركان نظام
حكمه.
هي
سابقة قضائية
بكل المقاييس,
سابقة أن يصدر
أمر باعتقال
رئيس لا يزال
يمارس
اختصاصاته
الدستورية
كرئيس, ثم تقديمه
للمحاكمة
أمام هيئة
دولية,
لمقاضاته على
أفعال منسوبة
إليه, والقصاص
منه بالتالي
إن تحولت
التهم
الموجهة إليه,
إلى إدانة
مباشرة يعاقب
عليها قانون
المحكمة.
ولما
كان الأمر
كذلك, أعني
كونه سابقة,
فقد تم تحويله
لردهات مجلس
الأمن, للنظر
في إمكانية
تسريع أو
تأخير أو
تعطيل المذكرة,
بالقياس إلى
معيار
تداعيات ذلك
على السلم والأمن
الدوليين,
المتضمنين
بصلاحيات
المجلس إياه
واختصاصاته.
ثمة
بإزاء هذه
المسألة,
مسألة
استصدار
مذكرة اعتقال,
ولربما الاعتقال
أيضا عندما
تحين الآجال,
ثمة رأيان إثنان
متباينان لحد
التناقض, على
الأقل من زاوية
النظر
القانونية
والسياسية:
+ مفاد
الأول أنه من
التجاوز على
الطقوس
المعهودة,
وتقاليد
القانون
الدولي
المعمول بها
لحد الساعة, من
التجاوز حقا إصدار
مذكرة اعتقال
(فما بالك
بالاعتقال
الفعلي إن تم)
بحق رئيس دولة
ذات سيادة, لا
يزال, وهو
بأعلى هرم السلطة,
يتمتع برمزية
الحصانة,
ويمارس
صلاحياته
الفعلية,
بمنطوق دستور
ولوائح بلاده.
لا
تقتصر
المسألة على
ذلك, يقول
أصحاب هذا الرأي,
بل تتعداها
إلى حقيقة أن
الدولة,
المطالب باستصدار
مذكرة اعتقال
بحق رئيسها,
لم توقع على
قانون
المحكمة, ولا
صادقت مؤسساتها
التشريعية على
بنودها, ولا
عملت على ضمها
بقوانينها
الداخلية,
كالتزام دولي
يتم الاحتكام
إليه بتوافق
الطرفين, إن
عن لهما ذلك.
كيف
الاعتداد إذن,
يتابع هؤلاء,
بطلب الادعاء العام,
أو بقرار
إصدار
المذكرة, أو
بمجاراة مجلس
الأمن لذات
القرار, إن
تبين له أنه
يخدم الأمن
والسلم
العالميين؟
ثم ما السبيل
لترجمته
عمليا, والرئيس
لا يزال بأعلى
هرم السلطة,
اللهم إلا إذا
تم ذلك
بالاختطاف, أو
بتعميم مذكرة
الاعتقال, ليتم
بذلك تفعيلها
حيثما حل
الرئيس
السوداني أو
ارتحل؟
+
أما الرأي
الثاني فيدفع
بأطروحة
مؤداها أن لا
أحد فوق
القانون الدولي,
سيما الفرع
الإنساني منه,
الذي يضمن
الحد الأدنى
من الحماية
للأفراد
والشعوب
والجماعات,
أيا تكن جهة
تواجدها, درءا
للإبادة أو التهجير
القسري, أو
القتل
الجماعي, أو
الاستهداف
على أساس من
خلفية العرق
أو الدين أو
اللغة أو
اللون أو ما
سواها.
ليس
مهما, بنظر
الدافعين
بهذا الرأي,
ليس مهما
التصديق على
قانون
المحكمة
الدولية, أو
الانضمام
إليها كعضو
كامل, المهم
عندهم هو
إعمال مبدأ
العقاب في كل
ما يتعلق
بالجرائم ضد
الإنسانية, أو
جرائم الحرب
أو غيرها,
ضمانا لكرامة
البشر وحؤولا
دون عدم تكرار
ذلك بهذه
الجهة من
العالم أو
تلك.
لا
يقتصر الأمر
عند هؤلاء,
على من بات
خارج السلطة,
أو لم يعد
يحتكم للقوة
الخشنة, أو
أزيحت عنه
هالة الحصانة,
بل يتعداه
(ويجب أن
يتعداه بنظرهم)
حتى لمن لا
يزال يمتلك
السلطة
الفعلية, إذا
لم يكن إحقاقا
لحقوق انتزعت
أو فظاعات
ارتكبت, فعلى
الأقل
للحيلولة دون
أن تستمر ذات
الفظاعات, على
مرأى من
العالم
ومسمعه.
قد
يكون بصلب هذا
الرأي أو ذاك
بعض من
الحقيقة, إذ
بقدر ما لا
يمكن التجاوز
على منطوق
القانون
الدولي, عبر
استهداف رمز
دولة مستقلة,
يتمتع
بالحصانة الدستورية
طالما هو
بالسلطة فاعل,
بقدر ما لا يمكن
التذرع بذات
المسوغ
لتهديد الأمن
والاستقرار
العالميين, أو
الإقدام على
ارتكاب فظاعات
من شأنها
مساءلة البعد
الأخلاقي
للقانون,
قبلما تسائل
تجرده أو
البعد المادي
المباشر فيه.
قد
يبدو الأمر
كذلك في
ظاهره, إلا
أنه يتجاوز
على ذلك بكثير
في حالة
السودان
ورئيسه:
°°- فالسودان
كان بفوهة
البركان من
مدة, ومورست
الضغوط عليه
بقوة (من لدن
الإدارة
الأمريكية
تحديدا) بجهة
فسح المجال في
تقرير مصير
الجنوب
ومنطقة
دارفور,
إعمالا لمبدأ
حق الشعوب في
تقرير مصيرها,
وتخييرها بين
البقاء ضمن
اللحمة
الوطنية, أو
الانفصال
عنها بشكل من
الأشكال.
قد
لا يبدو دور
الأمريكان,
بهذه النازلة,
واضحا جليا,
لكنه قائم
وثابت, إذا لم
يكن بالدعم
المباشر
للحركات
الانفصالية,
فبالدعم
الدبلوماسي
بهيئة الأمم
المتحدة,
وبالتضييق
على الرئيس
السوداني
للذهاب بذات
الاتجاه. ليس
بعيدا بالمرة
هنا مشروع
الشرق الأوسط
الكبير الذي
دعت له الإدارة
الأمريكية,
ومن بين
ظهرانيه أكثر
من مشروع
لتقسيم هذه
الدولة
العربية أو
تلك, وضمنها
حتما السودان.
°°-
والسودان كان,
منذ البدء,
بفوهة
البركان
اعتبارا
لثرواته
الطبيعية
والحيوانية
الهائلة, ولمخزونه
المعتبر من
النفط, فكان
لا بد من
ابتزازه بهذا
الشكل أو ذاك, لتقويض
جانب
الممانعة
الذي يبديه في
الحفاظ على
ذات الثروات,
أو للتوظيف
المحتمل لها
بغرض بناء
سودان قوي,
نزعم أنه لا
يعدم الموارد
المادية
واللامادية
لبلوغ ذات الهدف.
ولما
كانت الإدارة
الأمريكية
أداة فتن
بامتياز, فإنه
من المؤكد
أنها ثوت ولا
تزال تثوي خلف
توظيف المدعي
العام, بغرض
إذا لم يكن
زرع الفتنة
بالسودان,
فعلى الأقل
ابتزاز رئيسه,
بأفق تغيير
النظام
القائم عليه
بهذا الأسلوب
أو ذاك.
قد
يكون الرئيس
السوداني, أو
بعض من أركان
نظامه, مذنبين
لو احتكمنا
إلى تأكيدات
المدعي العام
بامتلاكه العديد
من الأدلة
القاطعة. وقد
يكون الأمر مجرد
ادعاءات
وإشاعات
وشبهات ألصقت
بالرئيس السوداني,
عوض إلصاقها
بميليشيات
الحرب الفاعلة
هناك بقوة.
وقد
يسلم الرئيس
السوداني من
المتابعة
بقرار من
المحكمة أو
بتدخل من مجلس
الأمن, لكن
الأكيد أن لعنة
الاعتقال
ستبقى تطارده,
سواء بقي
بالسلطة أم
غادرها بعد
حين. المقصود
بالمذكرة هو
تركيع السودان
عبر تركيع
رئيسه...سيتم
ذلك هذه المرة
دونما أن تتدخل
الولايات
المتحدة عبر
أسلوب قوتها
الخشنة
المعتادة,
المكلف
والغير عملي.
يحيى
اليحياوي
الرباط,
1 شتنبر 2008