شاعرية
الموت عند
محمود درويش
بالتاسع
من شهر غشت,
غشت العام 2008,
رحل محمود درويش
بأعقاب عملية
مفتوحة على
القلب, لم
يدخل على
إثرها لا في
غيبوبة
مستدامة, ولا ذاق
حر مرض عضال,
منهك للأجساد
والأبدان, ولا
تضرع بالفراش
جراء شيخوخة
طالت, بعد جلد
وعنفوان.
لست
أدري هل كانت
رغبة الرجل أن
يموت في غفلة من
المرض المزمن,
أو نتاج
شيخوخة لا
تمهل. ولست
أدري هل كان
الرجل يطلب
الموت ويستعجله,
هو الذي
لطالما تحداه
وتجاوزه, أم تراه
فاجأه, حتى
وإن أوشك أن
يودي بحياته
أكثر من مرة,
ببداية
وأواسط
ثمانينات
القرن الماضي.
كان
يعلم علم
اليقين, أن
ثالث عملية له
على القلب لن
تفضي إلا إلى
موت محقق, قد
يكون آنيا أو بعد
حين, أو إلى
شلل كامل
تتعذر معه
الحركة,
ويتجمد بفعله
الاتصال
والتواصل... فكانت
الصيغة
الأولى
الأقرب لواقع
قلب انتفخت
إحدى شرايينه
فانفجرت,
تماما كما
تنفجر الأوعية
بعد كثير ضغط.
إن
علاقة محمود
درويش بالموت
لم تكن ذات
يوم طبيعية,
ولا كانت
عفوية, ولا
كانت من قبيل
الممانع
المتمنع, إنها
كانت ولا تزال
وستبقى دوما
بشعره, عنوان
تصارع وتحدي,
لا بل وتساؤل
فلسفي عميق,
يسائل كنه الحياة,
ومعنى
انطفائها,
وجدوى ما بين
الحياة والموت,
ومعنى انتهاء
الكينونة,
والتلاشي من
بين ظهراني
التراب, ومعنى
انتفاء
الإحساس عند الممات,
وخمود سبل
الفرح والحزن
والتمرد والاحتجاج,
ومعنى البقاء
والعدم
والفناء, ومعنى
المفاضلة بين
أن يعيش
المرء, أو أن
"يتهافت" على
الموت.
لم
يكن محمود
درويش
فيلسوفا, ولا
كان متصوفا موغلا
في التأمل,
ولا ذهب مذهب
من ادعوا
الحكمة وتملك
الأسرار, أو
سلك مسلك بعض
من مثاليي الثقافة
والفكر
والأدب, بل
كان يهمس
ويناجي, يضجر
ويهدئ الولع,
يحب ويتمادى
في الإطناب
على المحب,
أرضا ووطنا
وامرأة, لكنه
كان يضجر لحد
الكره
المشارف على
الحقد, يتحامل
(كما بحال
أوسلو) على
نخب فرطت في
القضية, وعلى
شعب هلل لها,
حتى بإدراكه
أن الاتفاق يضمر
عملية نصب
واحتيال بوضح
النهار, على
البشر كما على
الأرض.
ليس
الغرض هنا,
وقد رحل الرجل
عنا, أن
نسائله عن
موقفه من هذه
القضية
"الحياتية"
أو تلك, ولا أن
نبحث له عن
شفاعة هنا أو
هناك, قد يكون
قد أصاب بها
أو أخطأ,
الغرض هنا
إنما تأبين
رجل كان له
لربما مع
الموت ثأر,
انتصر عليها
تكرارا بالكلمة,
لكنها هزمته
من حيث درى أو
لم يدري.
يقول
درويش: "أيها
الموت
انتظرني خارج
الأرض،
انتظرني في بلادك،
ريثما أنهي
حديثا عابرا, مع ما تبقى
من حياتي قرب
خيمتك،
انتظرني ريثما
أنهي قراءة
طرفة بن العبد. يغريني
الوجوديون
باستنزاف كل
هنيئة، حرية،
وعدالة،
ونبيذ آلهة, فيا موت
انتظرني
ريثما أنهي
تدابير
الجنازة في الربيع
الهش، حيث
سأمنع
الخطباء من
تكرار ما قالوا
عن البلد
الحزين".
الموت,
بمنطوق درويش,
ليس فعلا
خارجيا دخيلا,
يصيب الإنسان
فيقضي بذلك
نحبه, إنه
"أشبه ما يكون
بثمرة تنمو
وتنضج داخل كل
إنسان منذ
البداية". إنها
تلازمه,
تتعايش معه,
يتداخل
بنيانها مع
بنيانه,
تتراجع
بعنفوان
الشرايين
والخلايا,
وتتقوى
بضعفها
ونضوبها.
ومع
ذلك, فقد كان
يتحدى الموت,
بموجب
التاريخ الذي
خدله حيا
بالمنافي,
لكنه لا محالة
منصف له
بالفعل
والذاكرة: "لم
يظهر ملاك
واحد ليقول لي:
ماذا فعلت في
الدنيا؟ ولم
أسمع هتاف
الطيبين, ولا
أنين الخاطئين,
أنا وحيد في
البياض, أنا
وحيد...سأصير
يوما ما أريد,
سأصير فكرة.
لا سيف يحملها
إلى الأرض
البياب, ولا
كتاب".
كان
درويش مقتنعا
بأن لا أداة
لقهر الموت
إلا أداة
الفكرة التي,
إن كانت
صادقة, لا
تفنى, حتى وإن
كان قدر
الجسد, الضيق
والفناء:
"وكلانا أنا,
وأنا شاعر,
وملك, وحكيم
على حافة
البئر, ولا
أحد عشر كوكبا
على معبدي,
ضاق بي جسدي,
ضاق بي أبدي,
وغدي جالس مثل
تاج الغبار
على مقعدي".
الشعر
هنا فكرة
"مجردة", لكنه
بالآن ذاته
تأمل صوفي,
يتجاوز به
المرء ذاته
وجسده ودنياه,
بأفق عالم
أرحب حيث "كل
شيء أبيض":
"أرى السماء هناك
في متناول
الأيدي,
ويحملني جناح
حمامة بيضاء
صوب طفولة
أخرى. ولم
أحلم بأني كنت
أحلم. كل شيء
واقعي. كنت
أعلم أنني
ألقي بنفسي
جانبا وأطير.
سوف أكون ما
سأصير في
الفلك الأخير,
وكل شيء أبيض".
إن
محمود درويش
لا يعير كبير
عناية أو
اعتبار للزمن
والمكان, إنه
ينفيهما كي
يسبح في
"أفلاك" لا
يحسها إلا هو,
ولربما
يدركها, حتى
وإن تجاوزته: "لا
شيء يوجعني
على باب
القيامة, لا
الزمان ولا
العواطف. لا
أحس بخفة
الأشياء أو
ثقل الهواجس.
لم أجد أحدا
لأسأل
أين "أيني"
الآن؟ أين
مدينة الموتى،
وأين أنا؟ فلا
عدم هنا
في اللا هنا…
في اللا زمان،
ولا وجود..".
ويتابع,
متسائلا عن
الما بعد,
منبهرا بما
يخفيه: "كأنني
مت قبل الآن,
أعرف هذه
الرؤيا, وأعرف
أنني أمضي إلى
ما لست أعرف.
ربما ما زلت
حيا في مكان
ما, وأعرف ما
أريد...".
ثم
يصرخ, كما لو
أنه يناجي
الموت القادم
من "هناك":
"أيها الموت,
انتظرني خارج
الأرض...يا موت
انتظرني, يا
ظلي...يا ثالث
الإثنين...يا
لون التردد,
كن أسمى من
الحشرات...لا
تجلس على
العتبات
كالشحاذ, أو
جابي الضرائب...لا
تكن شرطي
سير...كن
قويا...إخلع
عنك أقنعة الثعالب...".
إن
الشاعر هنا
يهزأ من الموت
لدرجة الشتم,
لكنه يستعطفه الانتظار
لحين انتهائه
من صياغة
القصيد. إن في
الكتابة
وجوده. إن في
الفكرة بقاءه.
إن في الموت
بذرة من حياة
هنا أو هناك.
يقول
درويش: "أنا
لست مني إن
نطقت ولم أقل,
أنا من تقول
له الحروف
الغامضات:
أكتب تكن,
واقرأ تجد,
وإذا أردت
القول فافعل,
يتحد ضداك في
المعنى...وباطنك
الشفيف هو
القصيد".
أنا
بهذه الكلمات,
لا أدعي أني
أبنت الرجل أو
نعيته...أنا
نعيت الموت,
التي اختارت
القلب المريض,
الكسير
المكسر,
مدخلا, تماما
كما اختار السل
جسد شاكر
السياب ذات
يوم من أيام
ستينات القرن الماضي,
فأفرز شعرا
جميلا
استمتعت به
وأنا لم أبلغ
الخامسة عشر
من العمر.
يبدو
لي أنني لن أقرأ
مزيدا من
الشعر الجميل,
بعد رحيل
السياب ودرويش.
يحيى
اليحياوي
الرباط,
11 غشت 2008