"في دسترة
بعض المطالب"
منذ
أن أعلن الملك, بخطاب خاص, بشهر مارس من العام الحالي, العام 2011, أعلن نيته
القيام بمراجعة جذرية لمضامين الدستور الحالي, لم تقف ردود الفعل, العالمة منها
كما العادية, عند حدود التنويه بالمبادرة وتبنيها بالجملة والتفصيل, بل تعدت ذلك
إلى ركوب موجة المبادرة, للمطالبة بتغيير هذا المضمون
أو ذاك, للتوكيد على هذا البند أو ذاك, لإضافة هذا المطلب أو ذاك, كل وفق ظروفه,
أو التزامه الحزبي, أو طبيعة منظومته الإيديولوجية.
قد
يبدو الأمر عاديا, لو نظرنا إليه من زاوية ضرورة إصلاح منظومة دستورية صاغها
الراحل الحسن الثاني على مقاسه, فرفع مقامه بها لدرجة القداسة, وعمل على تركيز كل السلط بين يديه, حتى بات المشهد السياسي بالمغرب (مشهد السلطة
أعني), متمحورا حول شخصه حلا وعقدا, أمرا ونهيا,
اجتهادا ذاتيا وفتوى عامة لا تقبل المناقشة.
وقد
يبدو ذات الأمر عاديا أيضا, بالقياس إلى تزايد الحاجة إلى دستور يعطي الشعب حق
اختيار حكامه التنفيذيين المباشرين, يراقبهم, يسائلهم, يحاسبهم ويضع سياساتهم على
محك المعاقبة بالرفض, أو إعادة الثقة لدى كل استشارة انتخابية أو استفتاء للتجديد.
لكن
الأمر إياه يبدو أكثر من عادي, لا بل ويشارف على الاستثناء, عندما يعمد الشعب أو
بعض من مكوناته, إلى المطالبة بضرورة تضمين الوثيقة الدستورية لكل مظاهر التمايزات اللغوية والإثنية
والثقافية, حتى تكون الوثيقة شاملة لكل الشعب, لا لبعض منه فقط. إذ ليس من الحكمة
في شيء, وفق هذا المنطق, أن ننكر دستوريا على المكون
اللغوي والثقافي الأمازيغي مثلا, حقه في التميز عن باقي
المكونات, سيما العربية منه, ونتجاوز قسرا على خصوصيته,
تحت مسوغ الوحدة, أو من منطلق مبدأ الأغلبية والأقلية أو بمبرر آخر, إقصائي أو
عنصري أو ما سواه.
هي ليست مطالب فئوية صرفة, ولا هي من قبيل
رفع شعار التميز من أجل التميز, بل هي مطالب موضوعية مشروعة, لا بد من أن تجد
ترجمتها بالوثيقة الأسمى الناظمة لحياة البلاد والعباد.
لكن
الذي يبدو لنا أقل موضوعية من ذلك, إنما رفع البعض لمطالب ليست فئوية بالضرورة,
لكن أصحابها يريدون تسطيرها بالدستور بالصريح الواضح, كونها مكمن شد وجذب مستمرين,
على اعتبار أنها غير موضحة بوثيقة الدستور, كما حال مطلب دسترة الحريات الأكاديمية,
أو مطلب تضمين الوثيقة إياها لمبدأ الحكامة, أو مطلب
التأكيد بذات الوثيقة على الحق في الإعلام, وما سوى ذلك.
هي
مطالب ذات أهمية قصوى دون شك, سيما
في ظل تزايد استصدار بعض الحريات هنا وهناك, وارتهان بعض الحقوق هنا أو هناك,
لكنها غالبا ما تأتي ضمن فصول الدستور المنصصة على
الحقوق والحريات, بكل أشكال هذه الأخيرة وتلاوينها.
إن
الذين يطالبون بالتنصيص جهارة على هذا الحق أو ذاك, حتى
وإن كان مضمنا في بنود الحقوق والحريات العامة, إنما ينهلون من مدرسة في الفقه,
تريد من الوثيقة الدستورية أن تفصل في الحقوق والواجبات, حقا حقا
وواجبا واجبا, بالإسم كما بالصفة.
ليس
مهما, برأي ذات المدرسة, أن تنزل الوثيقة إلى التفصيل في التفاصيل, حتى وإن أدى
ذلك إلى التمطيط الممل, بل تريد بذلك قطع الطريق على كل إمكانات
التأويل والتحايل على النص, لإدراك هذا المبتغى الفئوي الضيق أو ذاك, أو سبل الالتفاف
عليه للخلوص إلى خدمة هذا التوجه أو ذاك.
ويستدلون
على ذلك بالاحتكام إلى الخمس وثائق التي عرفها المغرب المستقل, والتي صيغت في
معظمها بطرق هلامية, عامة وضبابية, جعلتها فريسة للتأويل والتحايل, لا بل وللتوظيف
من لدن رأس الدولة تحديدا, كما من لدن القائمين على القوانين والتشريعات التي
تفرعت عنها.
وعلى
الرغم من أن الطرح أعلاه موضوعي بأكثر من جانب, إلا أننا نعتقد بأن وثيقة كالوثيقة
الدستورية, لا يمكن أن تذهب لحد الغوص في التفاصيل, وإلا
لتحولت إلى مجلدات يصعب على المرء تصفحها, أو الاستئناس بمضامينها.
الوثائق
الدستورية غالبا ما تكون متقشفة في فصولها وبنودها, لكنها تكون فصولا وبنودا دقيقة
للغاية وواضحة, وأيضا مرنة في الزمن والمكان, حتى لا تخضع باستمرار للمراجعة والتحيين.
بالمقابل, فحين يعمد إلى
صياغة القوانين والتشريعات على أساس من هذه الوثائق, فإن المطلوب من المستويات
التشريعية أن تستلهم روح الوثيقة, تبني عليها أو بامتداد لها.
هذا
هو المفروض. لكن ذلك يستوجب نوابا عن الشعب عالمين,
عارفين, متنورين, وليس كائنات حزبية بعضها جاهل, وبعضها عديم البصر والبصيرة,
وبعضها لم يكن له لأن يكون نائبا بالأصل, لولا التزوير و اللجوء للمال الحرام
أثناء الانتخابات.
يحيى اليحياوي
الرباط, 13 يونيو
2011