في إشكالية الديموقراطية الألكترونية
يحيى اليحياوي
1- ترتبط الديموقراطية عموما، فيما هو قائم وسائد وشائع، بطبيعة النظام السياسي. إذ عن طريقها يتم التمييز بين نظم سياسية ليبيرالية وأخرى شعبية، بين نظم تعتمد أسلوب التمثيلية المباشرة وأخرى لا تلجأ إلى ذات الأسلوب إلا جزئيا أو لا تتعامل به في الجملة والتفصيل.
وبقدر ما تثار إشكالية الديموقراطية بارتباط وطبيعة النظام السياسي، فإنها تثار أيضا في شق ليس بالضرورة من طينة سياسية خالصة عندما تعتبر السوسيولوجيا مثلا أن الديموقراطية ليست حتما "حالة سياسية" بل هي بالأساس، حالة اجتماعية تتجاذبها مستويات أخرى محددة (ثقافية ونفسية وتاريخية وغيرها) لا مكانة أخرى في خضمها للبعد السياسي إلا في كونه البعد الطاغي والمهيمن ...لا المحدد نهاية المطاف.
ولئن كان الطرح الصائب، لفهم الإشكالية أعلاه، يتمثل (ويجب أن يتمثل فيما نتصور) في استحضار وصهر كل هذه المستويات، فإن المثير حقا أن يتم ربط الديموقراطية بتقنية أو تذييلها بمستجد تكنولوجي من قبيل المعلوميات أو الاتصالات أو السمعي-البصري أو الشبكة أو غيرها.
لا يبدو أمر الربط هذا (على الأقل بالنسبة للمدافعين على هذا الطرح)، لا يبدو أنه مجرد شغف من لدنهم بفورة تكنولوجية كبرى اتسعت وبدأت تسائل مستويات "عليا" (كالسياسة والديموقراطية وغيرهما). ولا يبدو الأمر (بالنسبة لهم دائما) أن لذات الربط خلفية إيديولوجية (من قبيل ما أسميناه في مناسبات عدة ب"إيديولوجيا الاتصال")، بل ويعن لهم (أمر الربط أعني) على اعتبار أن التكنولوجيا إنما هي أيضا وسيلة من الوسائل الفعالة في تشكيل السلوك الفردي والجماعي وفي صناعة تمثل الأفراد والجماعات لذواتهم، للمجتمع من حولهم وللعالم أيضا.
بالتالي، فهم لا يرون فيها فقط أداة اتصال وتواصل، بل وسيلة حقيقية يضعوا على محكها أطروحة الحق في التعبير وحرية الاتصال والحق في الإعلام والخبر وأداة من أدوات تكريس إذا لم تكن الديموقراطية المكتملة فعلى الأقل المواطنة باعتبارها مكمن واجبات الأفراد والضامن الأسمى لحقوقهم.
وعلى هذا الأساس، فالديموقراطية الألكترونية المقصودة هنا إنما هي العملية التي يتم من خلالها استوظاف الأدوات التكنولوجية (من تلفزيون ومتعدد الأقطاب وشبكات ألكترونية وفي مقدمتها الإنترنيت) إما بغرض تجديد الممارسة الديموقراطية أو بجهة توسيع فضائها أو على خلفية من ضرورة إعادة تشكيل قواعد اللعبة القائمة عليها:
+ فالديموقراطية القائمة (الليبيرالية منها كما الشعبية، التمثيلية منها كما المفروضة " قسرا" من فوق) أصبحت أبعد ما ما تكون عن استيعاب قيم التشاركية أو المساهمة أو استقطاب الجماهير...
وهو اعتقاد لا يخلو في عموميته من صواب، إذ أصبح الفرد (بالدول الديموقراطية كما بتلك التي اعتمدت صناديق للاقتراع من زجاج)، أصبح مجرد بطاقة انتخابية يدلي بها من الفينة إلى الفينة الأخرى لفائدة هذا الحزب أو ذاك لتنقطع ما بينهما، طيلة ما بين الفينتين، علاقة المساءلة أو المحاسبة أو المتابعة أو ما سوى ذلك.
بالتالي، فالديموقراطية الألكترونية (على الأقل في ذهن المعتقدين بها) إنما تقدم هنا لا في كونها نقلا لفضاء الانتخاب من الصندوق إلى الشبكة، بل على الأقل توفير السبل للمواطنين في بلوغ ممثليهم ومساءلتهم دونما حاجة تذكر إلى البحث عنهم بين أروقة البرلمانات أو في متاهات المكاتب وقاعات الاجتماعات.
والاعتقاد ذاته (الاعتقاد بجدوى الديموقراطية الألكترونية) لا تنقصه الحجة ولا يعدم الدليل، إذ تبدو له الشبكات الإعلامية والاتصالاتية، أيضا وسيلة لإشراك العازفين عن العمل السياسي ودفعهم للمساهمة في تحديد حال ومآل الشأن العام...إذ تعذر سبل التعبير المباشرة لا يوازيها، في المحصلة، إلا إمكانية اللجوء للشبكات (التلفزية كما الألكترونية) لبلوغ من " بيدهم الحل والعقد".
ثم أن الاعتقاد بذات الديموقراطية إنما هو كذلك من الاعتقاد، وإن في نهاية المطاف، بضرورة نقل العملية جملة وتفصيلا إلى الشبكات الألكترونية... يقول المواطن عبرها ومن خلالها رأيه وقراره دونما حاجة إلى تواجده بهذا المكان أو ذاك لقول الرأي إياه أو "معاقبة" الجهة الثاوية خلفه.
2- يبدو إذن، على الأقل قياسا إلى هذه الفرضيات، أنه إذا كانت الديموقراطية الليبيرالية أو الشعبية أو غيرها هي واقع الحال القائم، فإن الديموقراطية الألكترونية تقدم ولكأنها مآلها المستقبلي حتما، إذ استنفاذ مقدرات الأولى هو من تقوية الثانية، وتقوض الأولى تدريجيا هو، في المحصلة، من تجذر الثانية وهكذا.
والحاصل، حقيقة الأمر، أن المدافعين عن الديموقراطية الألكترونية (المؤمنين بطرحها) لا تتراءى لهم (في المدى القصير والمتوسط) كأداة دمقرطة للنظم السياسية (والاجتماعية والثقافية) القائمة، بل وأيضا (وإن في المدى المنظور) "المحطة النهائية" للإشكالية الديموقراطية برمتها.
ودفوعاتهم في ذلك إنما الاعتقاد بأن "الديموقراطية الشبكية" (حيث التباري افتراضي والمبارزة "متكافئة") ستستنبت من جديد الديموقراطية "الحقيقية" المبنية على اتخاذ القرار الجماعي في " فضاء أثيني" لا حاجة بداخله لانتداب ممثلين أو تعيين مفوضين أو التنازل على السيادة الشعبية لفائدة أفراد كائنة ما تكن درجة نزاهتهم ومستوى التزامهم.
قد يسلم المرء بأن الشبكات الألكترونية هي إلى حد ما مكمن " ديموقراطية مباشرة" تقترب من الوجهة النظرية على الأقل من النموذج الأثيني، إذ الشبكات تلك لا تعير كبير اعتبار لطبيعة "المنخرط" فيها أو لجنسه أو لبشرته أو لدينه أو لانتمائه السياسي حتى، بقدر ما تتعامل معه باعتباره مواطنا له حقوق وواجبات ومطالب... وهو، فضلا عن ذلك، أداة إدارة الشأن العام ومكمنه في الآن ذاته.
قد يسلم المرء بذلك عموما لكنه لا يستطيع أن يسلم به في حالة العديد من الشبكات سيما التلفزيونية منها.
فإذا كانت شبكة الإنترنيت مثلا نموذجا لذات الاعتقاد بحكم انفتاحها (ولو النسبي) وتوفيرها لمنابر للحوار والتواصل والنقاش، فإن التلفزة (وإن في جماهيريتها الواسعة) تبقى أحادية الخطاب، فوقية الرسالة، لا إمكانية لديها (في ظل واقعها الحالي) على تمكين التفاعلية والتخاطب المتبادل بين السياسي "المتوفر على الحل" والمواطن المطالب بالمساهمة في صياغته وتكريسه وتنفيذه مادام هو هدفه نهاية المطاف.
3- وبصرف النظر عن مصداقية هذا الطرح أو ذاك (ومثالية البعض الآخر)، فإن التعامل مع إشكالية الديموقراطية الألكترونية يطرح مجموعة إشكالات لا نستطيع تثبيتها حتى وإن اختزلناها في الثلاثة الآتية منها:
+ الأولى وتكمن في القول بأن الشبكات البانية لهذه الديموقراطية هي "سيف ذو حدين" كما يقال. فبقدر ما هي أداة تواصل واتصال وتحاور (وحرية تعبير قبل كل هذا وذاك)، فهي أيضا أداة مراقبة ورقابة وتجسس على مراسلات الأفراد وتراسلهم. إذ بقدر ما قد يجر تصريح لمواطن بالتلفزة المحاصرة والمتابعة، فقد تجر عليه رسالة بالبريد الألكتروني ويلات لا بداية لها ولا نهاية كما هو الشأن بداية هذا القرن.
+ الثانية وتتمثل في الإعاقة الموضوعية التي من شأن هذه الشبكات أن تقيمها أمام الأفراد والجماعات (بالدول الديموقراطية كما بدول العالم الثالث) والتي يغدو البلوغ (بلوغ الشبكات) أقواها وأهمها.
والتلميح هنا لا يطال إمكانات وسبل التجهيز لتكريس ذات البلوغ، ولكن أيضا وأساسا العوائق اللغوية والتكوينية والثقافية وغيرها والتي من شأنها أن تحول دون ذلك حتى بتوفر الأداة وإزاحة عوائق البلوغ...والقياس في ذلك أن "توفير" الديموقراطية لا يعني القدرة على الاستفادة منها أو على تجذيرها.
+ أما الثالثة فتكمن، في حالة تحقق الديموقراطية الألكترونية (كما يتطلع إلى ذلك المتبنون لذات الطرح) ويبرز في قابلية ذات الديموقراطية على الانتكاس الموضوعي، إذ فتح المجال (يقول هؤلاء) للجماهير لحسم أمر ما بواسطة الشبكة قد يكون من شأنه تهديد الديموقراطية سيما لو كان مبنيا على العواطف المتأججة والمتسرعة لا على التفكير المتزن والخابر بحال الأمور ومآلها...وهكذا.
بالتالي، وقياسا على ما سبق، فلو كان للمرء أن يزايد على طرح كالذي قدمناه ها هنا باختصار، فإنه لن يستطيع المزايدة على أن للديموقراطية طبيعة متحركة كائنة ما تكن زاوية الرؤية إليها.
جريدة العلم، 16 فبراير 2003