في الديموقراطية المستبدة

 

لم نفاجأ كثيرا عندما صوت أكثر من 50 بالمائة من الكتلة الناخبة بفرنسا, على مرشح اليمين نيكولا ساركوزي, وزكته رئيسا للدولة بنسبة مشاركة قاربت ال 85 بالمائة, معلنة بذلك تأييدها المطلق لما نادى به الرجل طيلة حملته الانتخابية, وعاود التأكيد عليه بالمواجهة التلفزيونية التي تقارع في ظلها مع مرشحة اليسار سيغولين رويال.

 

ولكثرة ما راج, بالإعلام كما بمحيط المتتبعين, عن كون ساركوزي هو الفائز المحتمل بذات الانتخابات, كائنة ما تكن قوة وقدرة غريمته على الإقناع, فإنه, وهو المعروف بشراسته اللفظية وأسلوبه الهجومي الفظ, ارتكن للهدوء والمناورة وضبط النفس, حتى لا يفسد على نفسه سبل الوصول لقصر رئاسي, تنبأت معظم استطلاعات الرأي أنه آت إليه لا محالة. وكذلك كان.

 

لم يمض على ذات النصر إلا بعض من أيام, حتى استتبعه حزبه بانتصار ساحق آخر برزت مظاهره جلية واضحة بدورة الانتخابات التشريعية الأولى, وتأكدت تفاصيله بالدورة الثانية ليوم الأحد 17 يونيو, لتمنح نيكولا ساركوزي سلطة القرار المطلق بالتنفيذي رئاسة وحكومة, وتمنحه أيضا سلطة تمرير ما سيتسنى له تقريره بجمعية وطنية موالية له, بل قل متبنية لنفس المشروع, الذي على أساسه انتخب رئيسا للدولة لنصف عقد من الزمن.

 

هي لربما لازمة فرنسية ثابتة منذ البدايات الأولى للجمهورية الخامسة, لازمة أن انتخاب رئيس الدولة من طيف سياسي ما, غالبا ما يستتبعها انتخاب أغلبية برلمانية مريحة من نفس الطيف, تشي عمليا بأن الفرنسيين يعطون الرئيس الجديد الثقة بالرئاسيات, ويعطوه بالآن ذاته, الأدوات التشريعية التي تمكنه من ترجمة وعوده بأرض الواقع...حتى إذا لم يعمد إلى ترجمة ما وعد به, أو أخفق في جزء منه, صوتوا لفائدة أغلبية مناهضة له, يكون مضطرا للتعايش معها طالما بقيت بالحكم, أو بقي هو بالقصر الرئاسي, وهكذا.

 

وإذا لم يكن بمستطاع المرء, فرنسيا كان, فما بالك بغير الفرنسي, المزايدة على خيار الشعب, وسر ترجيحه لكفة هذه الجهة على حساب تلك, فإن الذي يثير الانتباه حقا (بالتجربة الفرنسية, كما بغيرها من التجارب البرلمانية الأخرى), إنما إمعان الفرنسيين في مركزة السلطات, كل السلطات التنفيذية والتشريعية, بين يدي مستويات سياسية من لون واحد, قد تذهب, وقد أضحت مفوضة شعبيا, لحد الديكتاتورية والاستبداد.

 

وعلى هذا الأساس, فإن مناداة اليسار, في أعقاب صدور نتائج الدورة الأولى, بضرورة التصويت بجهة موازنة السلطات (أي بضرورة عدم منح اليمين جل مقاعد الجمعية الوطنية) إنما يدخل في سياق المحافظة على ركائز الديموقراطية, وإحدى مقوماتها الأساس الإبقاء على معارضة قوية توازن بين السلطات, وتكون بمثابة سلطات مضادة لما قد يقدم عليه الرئيس, دونما موانع أو روادع في حال تغييبها, أو استبعادها, أو تقليص حجمها, أو التجاوز على دورها.

 

ليس ثمة من بدعة في ذلك, فالديموقراطية (سيما البرلمانية ضمنها) لا تستقيم بالمطلق كما بالنسبي, إن هي عمدت إلى غبن مطالب ال 49 بالمائة من الكتلة الناخبة التي صوتت للنقيض, أو لم تفرز قوى معارضة تعمل على لجم السلطة المطلقة, إن هي زاغت أو تجاوزت, أو تملكتها لحد الغرور نشوة الانتصار, فحولته إلى مركزية في اتخاذ القرار, ثم إلى تجاهل للرأي الآخر, ثم إلى "استبداد" ديموقراطي صارخ, على خلفية من مسوغ التفويض الشعبي الذي تحتمي به, ممارسة كما بالخطاب.

 

وليس ثمة من بدعة في ذلك أيضا, إذ الرجل كما مريدوه بالجمعية الوطنية, انتخبهم الشعب (مصدر السيادة الأول والأخير), وأعطاهم ثقته, وفوض لهم أمره شكلا ومضمونا, وذهب لحد منع معارضيهم من الوقوف بوجههم, أو التأثير على وتيرة تنفيذهم لبرنامجهم الانتخابي, أو المزايدة عليهم لاعتبارات سياسية أو إيديولوجية خارجة عن السياق, أو عن قواعد اللعبة المعتمدة.

 

كل ذلك سليم وإلى حد بعيد, ولا يشي إطلاقا بحرمة أن يعمد الشعب (عن قناعة جماعية, أو بالصدفة المجردة) إلى تركيز السلط بين يدي تيار سياسي واحد. لكن الذي يترتب عنه, له تداعيات جوهرية كبرى, بالنسبة لجوهر الديموقراطية كما بالنسبة لشكلها:

 

+ فالديموقراطية لا تختزل في الانتخابات, كائنة ما تكن درجة شفافيتها ونزاهتها, ومستوى تمثيليتها. هي مظهر من مظاهرها دون شك, لكنها غالبا ما ترفع بوجه الشعب, من لدن حاكم "ديموقراطي" يطاوله الاستبداد مباشرة بعد توليه السلطة, أو بمجرد اكتمال إمساكه بمفاصل الدولة. وهو ما لاحظناه مثلا مع رئيس أمريكي ومع رئيس وزراء بريطاني, بلغا السلطة بانتخابات ديموقراطية, لكنهما تنكرا لها, وتحولا إلى طغاة مستبدين, ضاربين بعرض الحائط مطالبات شعبيهما بعدم شن الحرب على العراق, ثم إلحاحهم المستمر عليهما فيما بعد, للانسحاب من هناك, وقد ارتكبت بسببهم وعلى أيديهم فظاعات يندى لها جبين بني آدم.

 

+ والديموقراطية ليست حكم الأغلبية, الذي يضمن للأقلية المعارضة أدوات تصريف خطابها ومقترحاتها, بل هي بنهاية المطاف استبداد للأغلبية, تتحول النظم الديموقراطية  بموجبها إلى نظم ديكتاتورية, منغلقة, غير شفافة, تضجر أيما يكن الضجر من الآراء المعارضة , حتى إذا تسنى لها, بين الفينة والأخرى, القبول بها أو ببعض مما يصدر عنها, يكون ذلك من باب إعطاء الانطباع بالخاصية الديموقراطية للنظام, في حين أنه أبعد ما يكون عن ذلك بأرض الواقع.

 

+ والديموقراطية لا تختزل في التمثيل النيابي لشريحة ما, أيما تكن قوتها وسعة نفوذها, بل  المفروض أن تكون تمثيلا لكل الطبقات والشرائح الاجتماعية, تتقاطع أمانيها وتطلعاتها مع ما يقترح برنامج هذا المرشح أو ذاك.

 

من التجاوز على الديموقراطية إذن, اعتبارها تمثيلا نيابيا "لشعب اليسار" عندما تنجح أحزابه بالانتخابات, أو تمثيلا انتخابيا "لشعب اليمين", عندما تنجح الهيئات السياسية الرافعة للوائه أو لتطلعاته.

 

ومن التجاوز على الديموقراطية أيضا, ارتكان الحاكم إلى التفويض الشعبي ليسلك, بموجب ذلك ومن تلقاء نفسه, المسالك التي تتراءى له صحيحة, وقد لا تكون كذلك دائما. هو مطالب بالاستماع لمعارضيه كما لشرائح المجتمع المختلفة, لجس نبضها قبل إعمال هذا القرار أو ذاك, سيما لو كان القرار إياه قد استسيغ كوعد عام, لكن من شأن ترجمته واقعا على الأرض, إثارة الفتنة, أو إلحاق الضرر بالمصلحة العامة, أو زعزعة السلم الأهلي القائم, أو ما سوى ذلك.

 

هي كلها نواقص ومنغصات, ملازمة للديموقراطية البرلمانية, كما للديموقراطية ذات المنحى الشبه رئاسي. لكن الذي يثير الانتباه حقا في انتخابات فرنسا الأخيرة, الرئاسية منها كما التشريعية بدورتيها, إنما اللازمة الاستبدادية التي تؤشر عليها طباع الرئيس المنتخب, كما نوابه بالجمعية الوطنية, وقد أضحوا جميعا بعد دورة الأحد 17 يونيو, مكمن "السيادة المطلقة" دون منازع:

 

+ فالرئيس الجديد, كما نوابه بالجمعية الوطنية, انتخبوا على أساس من برنامج انتخابي يختزل كل مشاكل فرنسا في ضعفها الاقتصادي, وفي تردي النجاعة في العمل من بين ظهرانيها, وفي سيادة قيم الاتكالية والارتكان للمساعدة الاجتماعية من لدن شرائح واسعة من أبنائها, دونما أن يفرز ذلك, استنهاضا لحوافز في العمل, أو الاجتهاد, أو الإبداع, أو الاستثمار, أو ما سواها.

 

ويستدل على ذلك بضعف الإنتاجية, ونفور الاستثمار الأجنبي, وتدني مستويات المجازفة, وعدم مطابقة حجم العمل مع ما يتحصله المرء. هو استنتاج لا تنقصه الوجاهة, ليس فقط بالقياس إلى ما حققته العديد من دول الاتحاد الأوروبي, بل وأيضا بالاحتكام إلى طبيعة المنافسة الآتية من بعيد, من الصين والهند, كما من لدن الولايات المتحدة الأمريكية, كما من غيرها.

 

إلا أن مكمن الخطر في هذه المقاربة, إنما إحالتها المباشرة على تصور ستتحول فرنسا بموجبه إلى شركة مجهولة الإسم, بمجلس إدارة وبمساهمين, سيدافعون حتما عن مصالح محددة, ستكون فئوية بالقطع, وتكون العبرة فيها بالنتائج المادية المحصلة, لا بغيرها.

 

لن تتحول السياسة بمقتضى ذلك, إلى نمط في التسيير, ذو مرجعية اقتصادية وتجارية ومالية خالصة, بل وستغدو مادة بيد "الديموقراطي المستبد", يرتكز عليها لإشغال الرعية بالتجارة والمال والاستهلاك, ويهيمن هو مقابل ذلك على آليات السلطة, دونما أن ينازعه في ذلك أحد.

 

+ والرئيس الجديد (كما ممثلوه بالجمعية الوطنية) لن يرهن السياسة بالبعد الاقتصادي والمالي والنفعي الجامح فحسب, بل وسيرهنها بامتداد لذات التصور, للشركات الكبرى التي (أو هكذا يقال) هي مصدر الثروة والإبداع والاستثمار, والتميز العالمي بمحصلة المطاف.

 

لن يضحو الاقتصاد أداة بيد السياسة, توظفه في توزيع ثمرات الاستثمار والإنتاج, بل ستغدو السياسة أداة بيد الاقتصاد, تخفف عنه الضرائب والأعباء, تلين له القوانين, تحميه بالأسواق, ولا تتوانى في تسهيل تموقعه بهذه الجهة من العالم أو تلك...العبرة هنا بالنتائج المحصلة كميا, وليس بالسبل التي على أساسها تم إدراك النتائج إياها.

 

لن تقاس الديموقراطية من هنا على محك السياسة, بل ستقاس بمحك السوق المطلق, بعرضه وطلبه للسلع, كما للبشر, كما للأفكار, كما للقيم.

 

وهو الذي يتخوف منه يسار فرنسي في أزمة من مشروعه المجتمعي, ونتخوف منه أيضا حتى وإن كنا مجرد متأملين في تموجات حركية سياسية, تعطي الانطباع بالديموقراطية, في حين أنها تضمر الديكتاتورية, وتبطن الاستبداد.

 

يحيى اليحياوي

الرباط, 18 يونيو 2007