عن أي ديمقراطية تتحدثون؟

 

 منصف المرزوقي، موقع المؤلف، شتنبر 2004، 90 ص.

 

1- منصف المرزوقي طبيب وكاتب ومناضل من أجل حقوق الإنسان، ومنها حق الديمقراطية، في تونس وفي الوطن العربي. أثارت تصريحاته على فضائية الجزيرة مؤخرا إقدام السلطات التونسية على إغلاق سفارتها بدولة قطر.

 

2- يبدأ الكاتب بتحديد للإطار العام ويقول: " نادرا ما يعي العرب، الذين يقرنون آليا بين الديمقراطية والغرب، بضراوة الحرب التي أعلنت على الديمقراطية في أوروبا الغربية طوال فترة امتدت من منتصف القرن التاسع عشر إلى نهاية الحرب العالمية الثانية. لقد بلغت هذه الحرب ذروتها بين الحربين العالمتين، وفي أعقابها باستتباب الفاشية الإيطالية بقيادة موسوليني، والألمانية بقيادة هتلر والفرنسية بقيادة بيتان، والإسبانية بقيادة فرانكو، والبرتغالية بقيادة سالازار، وكلها أنظمة قامت على اغتيال تجربة ديمقراطية سابقة".   

 

إنه لمن الطريف، يتابع الكاتب،  "أن تجد اليوم في كتابات اليمين الإسلامي المتطرف كل التهم (باستثناء الانتماء إلى الغرب)، وأحيانا بنفس الجمل والعبارات التي استخدمها اليمين الغربي المتطرف طوال قرن لمحاربة المشروع الديمقراطي. نحن نجد في مستوى القيم نفس الاحتقار للحرية كقيمة، ونفس تغليب الواجب على الحق، ونفس الأولوية للبعابع الكبرى ( الدين هنا، الأمة أو العرق هناك) واعتبارها وحدها مصدر كل شرعية ومحل كل تقديس. نجد نفس الإيمان بدور القوة تجاه الخارج، والقمع في تطهير المجتمع من الشوائب والانحرافات. نجد نفس التهكم والازدراء للنظام التمثيلي والسياسة والسياسيين وألاعيبهم وفسادهم الخ...".

 

ثمة قراءة إيجابية لنتيجة المواجهة في الغرب وهي تغلب الديمقراطية على الفاشية مما يعني، في نظر هذه القراءة، أن في قيمها ومؤسساتها وسياساتها، رغم ما فيها من عيوب، أفضلية على قيم ومؤسسات وسياسات الفاشية.

 

وثمة قراءة متشائمة وهي أن عيوب الديمقراطية، أساسا في مستوى المؤسسات، " تلعب دور الخرقة الحمراء في وجه الوحش الفاشي النائم بعين واحدة داخل كل ثقافة، لأنه التعبير عن الجزء المظلم والغرائزي المكون، لا العابر في الإنسان. 

 

إن ما لا يجب أن ننساه أبدا، يقر المؤلف، أن الديمقراطية قيم قبل أن تكون مؤسسات... وإذا لم ننجح بالوطن العربي " في معركة القيم والمؤسسات، فإن أي نظام ديمقراطي أو شبيه به لن يكون إلا بمثابة محطة استراحة عابرة بين دكتاتوريتين".

 

3- + بالنص الأول ("الديمقراطية ليست وصفة جاهزة")، يحذر المؤلف من أن "السبب الأخطر (حتى وإن لم يكن الأوحد) في المأزق الذي تتخبط فيه هذه الأمة هو الاستبداد....وأن أهم عامل في تفوق الغرب علينا، لم ينطلق ولم ينبن على أي تفوق تقني أو أخلاقي، وإنما كان نتيجة تفوق نظامه السياسي على نظامنا...أي النظام الاستبدادي". 

 

إن تطبيق الوصفات الجاهزة (من قبيل ''الوطنية هي الحل''، ''الاشتراكية العلمية هي الحل''، ''الوحدة هي الحل''، ''الإسلام هو الحل'') كان ذات تكلفة عالية دونما أن يسهم في حل معضلة التخلف. واليوم يقال إن "الديموقراطية وحقوق الإنسان هي الحل"، دونما وضع تصور لمراحل انتقال نظامنا السياسي القديم إلى النظام الديمقراطي: "هل سيقع تدريجيا، سلميا أو بالعنف، مع الغرب أم ضده؟ مع الإسلاميين أو بشرط القضاء عليهم؟".

 

هل يمكن تصور حزب طلائعي ديمقراطي، يقود العملية في كل قطر كما قاد الحزب الشيوعي بناء الاشتراكية في روسيا، وحزب البعث الدولة القومية في سوريا والعراق، وجبهة التحرير الدولة الوطنية في الجزائر؟ أين تقف حدود ما يمكن أن نسميه بالتيار الديمقراطي؟ هل يمكن أن يشمل جزءا من الإسلاميين؟ وفي مثل هذه الحالة، هل نحن متأكدون من فهم مشترك يجمع بين تيارات ايدولوجية متنافسة؟...هل من الممكن أن نركب نحن الديمقراطيون العرب، المطالب الأمريكية، وأن نستعملها لمصالحنا مثلما تركب الإدارة الأمريكية مطالبنا وتحاول استعمالها لمصالحها؟".  

 

إن الديمقراطيين الوطنيين هم، يقول الكاتب، آخر من يقبل نظريا على الأقل الانخراط في المشروع الأمريكي وآخر من يستطيع المشروع الأمريكي التعويل عليه. هؤلاء الديموقراطيون لم يفطموا على ''العقيدة'' الديمقراطية، "إنما اعتنقوها، بعد أن هاجروا إليها من الإيديولوجيات الكبرى التي كانت تسود وطننا العربي منذ الستينات، أي الوطنية والقومية والاشتراكية. حصل هذا بعد اقتناعهم أن الخلل الأساسي في نظامنا السياسي العربي ليس الايدولوجيا، وإنما الاستبداد".   

 

وعلى الرغم من تباين مرجعياتهم، فإن قاسمهم المشترك إنما "إيمانهم أن على الديمقراطية أن تكون أداة تحررنا من الاستبداد الداخلي والتبعية للخارج، انطلاقا من قناعة راسخة بأن الاستبداد استعمار داخلي والاستعمار استبداد خارجي. إن وطنيتهم وقوميتهم تجعلهم مثلا من ألد أعداء التطبيع مع إسرائيل، خاصة في ظرف الاستئساد الشاروني، ومن ألد أعداء الاحتلال الأمريكي/البريطاني للعراق. كل هذا يجعل من المستبعد جدا تلاقي الديمقراطيين الوطنيين مع المشروع الأمريكي".   

 

من النادر، يقول الكاتب، أن نجد من يتساءل عن أحقية الأنظمة الغربية وخاصة الإدارة الأمريكية الحالية، في إعطائنا دروس الديمقراطية. لقد اختارت هذه الأنظمة مساندة النظام السياسي العربي، لأنه يحمي مصالحها الظرفية ويوهمها بأنه قادر على حمايتها من المد الأصولي. فهل يمكن أن نسمي أنظمة الغرب نفسه أنظمة ديمقراطية، وهي تساند التعذيب والفساد والتضليل ومصادرة الحريات خارج حدودها؟

 

إن انتصاب النظام الديمقراطي في شكله الغربي وخاصة الأمريكي في أكثر من مئة بلد، بلور، على امتداد أكثر من قرن، عيوبه البنيوية المتعددة و أظهر كيف يمكن أن تشكل بعض آلياته تهديدا جديا للمشروع الديمقراطي نفسه.

 

بالمقابل، فإن العيوب التي نخرت في الوطنية والقومية والاشتراكية، " كانت موجودة في الآليات والمؤسسات والأفكار والقيم التي ارتكزت عليها...إنها لم تفعل سوى التبلور عند التمكن من مقاليد السلطة".

 

إن ما نحن بأمس الحاجة إليه، يعتقد الكاتب، "هو رؤيا فكرية واضحة لما نريد، وما تقدمه لنا الديمقراطية، مع فهم لنواقصها وحدودها، الشيء الذي يمكننا من الاستعداد لكل ترتيبات هذه السلبيات، والبدء في التفكير في طرق تداركها".  

 

ليس مهما الطعن في الديمقراطية على شاكلة أعدائها، بل الدفاع عن قيمها وأفكارها ومشروعها، لكن عبر قراءة نقدية، تعتمد على التجربة وتتعظ بها.

 

+ بالنص الثاني ("جذور الاستبداد: المستبد مريض عقلي بالمعنى الطبي للكلمة") يتساءل المؤلف عن أسباب قدم الاستبداد ودوامه، بل وقدرته على التجدد. ويعترف بأنه لا أسهل من الخلاص من المستبد، ولا أصعب من الخلاص من الاستبداد.

 

قد يكون نموذج البيولوجيا للفيروس والإنزيم، مدخلا لفهم الظاهرة، يقول المؤلف، "علما وأننا لا ندعي تشابها مطلقا بين الجسم البيولوجي والجسم الاجتماعي.  فالفيروس، مثل الدكتاتور، خلية بسيطة، لا يحسب لها حساب إذا قارنتها بالعدد المذهل لخلايا الجسم وتعقيدها المخيف. ومع هذا، فيا للقدرة الخارقة التي يمتلكها لإلحاق أذى لا يقاس ببساطة تركيبه أو حجمه. هو يستطيع أن يتسلل إلى الجسم، فيدمره عبر تقنية ثابتة تتمثل في الاستيلاء على آليات تسيير الخلايا وتفويض قدراتها لصالحه الخاص، غير عابئ بما في هذا من تدمير بقية الجسم".     

 

وكما تؤدي إصابة الدماغ بالفيروس إلى ظهور أعراض الشلل والعته، فإن إصابة الجهاز العصبي للمجتمع بالدكتاتور تؤدي إلى نوع من الجنون سياسيا واجتماعيا.

 

لقد دافع فرانك هربرت، الكاتب الأمريكي الشهير، عن نظرية للسلطة جد متشائمة، مفادها أن هذه الأخيرة وخاصة المطلقة، لا تستهوي إلا من بنفوسهم مرض عقلي خطير. المرعب في نظريته " أنه لا أمل لنا يوما في حكم سوي، لأن السلطة لا تجذب إلا المرضى. أما الأسوياء فمشغولون عنها بما هو أهم".  

 

إن من أهم ترتبات السلطة المطلقة الفساد، بما هو حق التصرف المطلق في الأعراض الخاصة والثروات العامة. معنى هذا "أن الفساد الذي يصاحب الاستبداد هو بمثابة البكتريا التي تحلل الأنسجة، وتفكك الروابط التي تجعل من الأنسجة أعضاء، ومن الأعضاء جسما سليما".

 

فالناس دوما على دين وطبائع ملوكها. ضع فاسدا على هرم السلطة ترى الفساد يتسلل كالسرطان إلى كل خلايا المجتمع، ليقضي تدريجيا على كل القيم والقوانين التي تغرس فيها المؤسسات السياسية والاجتماعية جذورها. هكذا يصبح الفساد ممارسة طبيعية عند أبسط أعوان الشرطة والقضاء والإدارة والمؤسسات الاقتصادية وما سوى ذلك.

 

إن هناك، يعترف المؤلف، مستبد ينام داخل كل واحد منا، لذلك ترى التداول على الاستبداد وليس إلغاءه هو خاصية تاريخنا. "وسيتواصل الأمر طالما بقي المجتمع العربي متشبعا بمفهوم متجذر في ثقافتنا، هو المستبد العادل...".

 

+ بالنص الثالث ("هل هذا حقا ما نحتاج؟") يقر الكاتب بأن الديموقراطية لا تستقيم إلا بوجود وتوازن قوائم أربع :

 

°- حرية الرأي التي تسمح بسيلان المعلومات حول الحالة الحقيقية للمجتمع، والتنفيس عن الاحتقان السياسي، وتبادل الرأي حول القضايا الكبرى، وتقييم سياسات التعامل معها.

°- حرية التنظيم، التي تسمح للقوى السياسية المتصارعة بتنظيم صفوفها في العلنية، وقيادة المعارك السياسية التي لا تتوقف داخل المجتمع لتصل ذروتها في الانتخابات. 

°- استقلال القضاء، الذي يلعب دور الحكم بين القوى المتصارعة والضامن لاحترامها لقواعد اللعبة.

°- حرية الانتخاب، التي تترجم نظريا بسيادة الشعب، أي حقه في تعيين من يحكم ومن يسن القوانين باسمه. وعلى هذا الأساس يصبح الحكم شرعيا، أي مفروضا بالتراضي لا بالعنف.

 

لكن الثابت، يقول المؤلف، أن الركن الانتخابي (حتى بالغرب، جراء الامتناع عن التصويت تحديدا) مريض. فأي شرعية يمكن أن تتمتع بها المؤسسات المنتخبة وأي قيمة للقوانين التي تسن؟ وإذا ضعفت الشرعية، فأي إلزام للقوانين والسياسات، وعلى ماذا نبني العقد الديمقراطي؟     

 

+ بالنص الرابع ("الديمقراطية الاستبدادية التي يعدونها لنا") يعود المؤلف للتأكيد على أن الاستعمار هو استبداد خارجي والاستبداد استعمار داخلي وأن العلاقة بينهما جد وثيقة. لذلك، فالشعوب هي التي "ستضع في السلطة عبر الانتخاب الحر والنزيه كل القوى الراغبة ليس فقط في إنهاء ثلاثية الفساد والقمع والتضليل التي تعرف الاستبداد، وإنما أيضا القوى الداعية إلى الاستقلال الخارجي والسيادة على الثروات الطبيعية".

 

لكن السؤال هو: كيف تحارب دولة ديمقراطية (كالولايات المتحدة)  التطلع للديمقراطية بمثل هذه الإرادة الحديدية، وبمثل هذا التواصل والشمول؟ لأن الدولة الأمريكية ذاتها غير ديمقراطية.

هي ديمقراطية بالمظهر، لكنها تمارس سرا كل طقوس الاستبداد من وراء ستار أصبح متزايد الشفافية.

 

إن الاستبداد هو كل نظام، أيا كان الشكل الذي يتخذه ( ملكي، جمهوري، جملكي، إسلامي، قومي أو وطني)، " يعتمد في تسيير شؤون الدولة والمجتمع على إخضاع الأغلبية لإرادة الشخص والمصالح الخاصة عبر آليات المراقبة والتأطير والقمع. أما النظام الديمقراطي فهو كل نظام، أيا كان الشكل التي يتخذه (ملكي أم جمهوري، برلماني أم رئاسي) يعتمد في تسيير شؤون الدولة والمجتمع، ترويض إرادة الشخص والجماعات، وجعلها في خدمة مصالح الأغلبية عبر القانون والتقييم والتداول على السلطة".   

 

إن بريطانيا، التي تعتبر قلعة من قلاع الديمقراطية، هي اليوم أول بلد في العالم في ميدان المراقبة الالكترونية، حيث تحصي مليوني كاميرا تحركات المواطنين، دون أن يستطيع أحد معرفة حجم المراقبة الأخرى التي أصبحت التكنولوجيا الحديثة تسمح بها.

 

إن أجهزة المخابرات الداخلية والخارجية التي تلعب دورا مركزيا في الولايات المتحدة، هي من علامات تواصل النظام الاستبدادي، لأنها تعني ضرورة بقاء جزء من الفضاء السياسي تلفه العتمة ولا يخضع إلا ظاهريا للقانون والقيم الرسمية.  

 

ثمة إذن فرق كبير بين الدولة الليبرالية والدولة الديمقراطية. فهذه الأخيرة (حال السويد مثلا)، هي دولة الخدمات التعليمية والصحية والضمان الاجتماعي والحريات الفردية والجماعية، التي لا تراقبها عشرات وكالات الاستخبارات والتجسس. "هي دولة ترتبط بالمجتمع بعلاقات تعاون لا تخشاه ولا يخشاها، ناهيك على كونها تخضع للقانون الدولي ولا تعتد على أحد. هذا ما يسمح بالقول إن الدولة الليبرالية، هي دولة استبدادية بغطاء ديمقراطي تتستر به كما تتستر الدول الرجعية بالإسلام".

 

لا تحدث النقلة الحقيقية التي تنقل النظام من الاستبداد إلى الديمقراطية، "إلا عندما يصبح الرعايا هم الأقلية والمواطنون هم الأغلبية. لكن العملية يمكن أن تسير في الاتجاه المعاكس وهذا ما نشهده اليوم في الغرب، إذ الانسحاب المتزايد من عملية الانتخاب، والتسليم بالعجز عن تغيير الأمور عبر ورقة التصويت، من بوادر تدهور النظام الديمقراطي، وانتقاله تدريجيا إلى نظام استبدادي أكثر ذكاء وأتقن تغليفا من الاستبداد البدائي الذي نعاني منه".  

 

+ بالنص الخامس ("الليبرالية اليوم كألد عدو للديمقراطية") يتساءل الكاتب: "كيف أصبحت ايديولوجيا الحرية اليوم ألد عدو للتحرر؟ كيف يمكن لنظرية ولدت من نفس الرحم الذي أولد الديمقراطية أن تشكل اليوم اكبر تهديد لها؟".

 

يجيب الكاتب بالقول بأن الليبرالية ليست نظرية اقتصادية أو سياسية، وإنما هي حركة فكرية تهدف إلى جعل الحرية قيم القيم، ذلك لأنه لو تركت لها كل الإمكانيات، لوجد الإنسان توازنه، وأن "هذا التوازن ناجم عن كون الآدميين مرتبطين دوما بعلاقة تبادل نسميها السوق في الميدان الاقتصادي، يختار المرء من بين ظهرانيه أحسن حل له، وأن تدخل طرف ثالث (مثل الدولة) في شكل معونات لهذا أو ضرائب ضد ذلك، يظلم و يعاقب صاحب المبادرة. لذلك يجب أن يكون دورها جد محدود، ومقتصرا على منع من يريد تغيير قواعد اللعبة والتصدي للمبادرة".    

 

أما السلبيات المرتبطة بالديموقراطية، فيحصرها الكاتب في في أربع نقط:  

 

°- '' تسويق'' آليات الديمقراطية، حيث فرضت الليبرالية على الديمقراطية أن تكيف آلياتها لتتطابق مع آلياتها هي، وكأن ساحة السياسة مجرد سوق تباع فيها بضائع من نوع خاص... الأخطر من هذا، تبعية السياسي للاقتصادي أي لرأس المال، كما هو الحال بسطوة الشركات الكبرى على النظام السياسي الأمريكي، بدليل يقول الكاتب "أن جل الشركات الأمريكية التي فازت بعقود ما سمي بإعمار العراق، الذي خربته الإدارة الأمريكية بمدافعها وحصارها اللإنساني لعشرية كاملة، كانت بالصدفة من أكبر المساهمين في تغطية الحملة الانتخابية للرئيس بوش".  

 

إن المرشحين لأعلى مراكز القرار هم دوما، يقول الكاتب، "أثرياء في مواجهة أثرياء أو مدعومين منهم. هذا ما يفسر التركيبة الطبقية للكونجرس الأمريكي. فنسبة المليونارات فيه خمسين مرة أضعاف النسبة في الجمهرة العامة للشعب الأمريكي. كيف استطاع شعب فيه أربعين مليون فقير، أن يبعث بهذا العدد الرهيب من الأثرياء لتمثيله، أو أن يوصل إلى أعلى مراكز القرار أشخاص مثل بوش ورامسفيلد وشيني المعروفين بثرائهم الفاحش وعلاقاتهم الوثيقة بالشركات البترولية الكبرى؟".

 

أما بإفريقيا وبقية المناطق المتخلفة، فتسود قاعدة أن السلطة السياسية هي المدخل للسلطة الاقتصادية، أي لوضع اليد على المال العمومي، بينما تشكل السلطة الاقتصادية في أمريكا المدخل للسلطة السياسية، التي هي بدورها المدخل للسلطة الاقتصادية.   

 

لا يقتصر الأمر عند المال، بل إن الصحافة أيضا تحيد النظام الديموقراطي عن أهدافه. إن بلورة رأي عام  والتلاعب به وتوجيهه، هي اليوم بالأساس قضية إمكانيات مادية والأقوى فيها هو الأغنى.   

 

بالتالي، فمنطق السوق خرب آليات الديمقراطية عندما سمح للأرستقراطيات المخفية بالتمكن من مقاليدها عبر المال وفرض رؤيتها للعالم حتى عن طريق الانتخاب، وخرب صورتها عندما ضرب هيبة السياسة والسياسيين بالإشهار الرخيص.

 

°- زعزعة أرضية الديمقراطية، إذ إن خلق الثروات شيء وتوزيعها العادل شيء آخر. يقول الكاتب بهذه النقطة: "إذا أثبتت الليبرالية حقيقة لا تجادل، فهي فائق قدرتها على الخلق وفائق عجزها عن توزيعها العادل. هذا ما أدى إلى خلق مجتمعات غير سوية تتكدس فيها جل الثروة بين أيادي قليلة ويترك الفتات للبقية. إن اقتصاد السوق، الذي افترض آباء الليبرالية عن سذاجة أنه عامل توازن، هو اليوم أكبر عامل اختلال في حياة العالم".

 

°- إضعاف سلطة الدولة الديمقراطية: حيث نجحت الدولة، خاصة في البلدان الاسكندنافية، في الاضطلاع بالوظيفة الأهم لكل دولة، أي توفير الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم والضمان الاجتماعي وحتى العمل، كل هذا حتى تضمن تواصل انخراط الأغلبية في التعامل السلمي لحل المشاكل الاجتماعية.   

 

لكن هذه المهمة تتعرض اليوم "للخطر في كل مكان، لأن انهيار الحدود يمكن رأس المال الوطني والدولي من ممارسة الابتزاز تجاه أي دولة تريد حماية الحقوق الاجتماعية لمواطنيها".   

 

إن الخلل الأساسي في الليبرالية، يقول المؤلف، هو قلبها للأولويات الطبيعية. "ففي كل مجتمع سوي يجب أن تكون أداة الإنتاج في خدمة حاجات الناس من أكل وكساء وعمل الخ...أما ما ينتج من ربح، فهو مكافأة اجتماعية للمجتهد والمبدع. لكن عندما يصبح الربح هو الهدف والحقوق الاقتصادية والاجتماعية مجرد توابع ثانوية يمكن التضحية بها إذا تضاربت مع الربح، فإننا ندخل في منطق مريض لا يمكن أن يتمخض عنه إلا مجتمع، بل وعالم مريض. هذا الانقلاب في الأولويات هو الذي يجعل اليوم الليبرالية بعبعا مخيفا، يدمر البيئة والشعوب والعائلة من أجل تكديس الأرباح".    

 

ويستشهد بنموذج الشركات العملاقة المشتغلة بميدان الصحة، التي تشن حربا شرسة ضد توفر الدواء بأرخص الأثمان في العالم، بل وترفض للبلدان الفقيرة حق تصنيع الأدوية الضرورية التي تمتلك براءتها، بحجة حماية الملكية الفكرية.

 

°- تلويث قيم الديمقراطية عندما تنبني على قانون البقاء للأقوى ولا تعير للقيم الاجتماعية كبير اعتبار.  

 

+ بالنص السادس ("هل ستجهض الديمقراطية مشروع وحدة الأمة؟") يزعم الكاتب أن "من أهم ضحايا النظام الاستبدادي، أن هذا الأخير منع تكوين الفضاء العربي الواحد باليات مختلفة، من بينها استحالة التوافق بين دكتاتور وآخر لا يطمح كل واحد إلا لبسط سلطانه على خصمه، مرورا باحتماء المستبدين المهددين بالأجنبي، للبقاء في السلطة، دون أن ننسى الخصومات الشخصية بين الطغاة". 

 

ويزعم أيضا بأنه "إذا كان الإسلام هو المسلمون، والديمقراطية هي الديمقراطيون، فإن الإتحاد هو الاتحاديون وقدرتهم على ترجمة المشروع إلى واقع. هؤلاء الاتحاديون هم ضرورة ديمقراطيون، لأن الديمقراطية شرط ضروري لنجاح المشروع، كما يثبت ذلك فشل الوحدويين الاستبداديين، ونجاح التجربة الاتحادية الأوروبية".    

 

بالتالي، فلا خيار غير تجربة هذا الطريق بعد أن تبين أن النموذج الاستبدادي يؤدي إلى عكس ما نطمح له.

 

+ بالنص السابع ("حتى نجدد آليات التحليل") يعترف الكاتب بأن "أهل النظام في الاستبداد هم المستبد وعصابة الشر والسوء المحيطة به، وأهل الدولة أجهزة الأمن ودواليب الإدارة الخاضعة لها ومن بينها القضاء المستغل ووظيفتها الأولى الحفاظ على وجود و مصالح المستبد وبطانته. أما الجماعات المساندة فهي العصابات التي تشارك في وليمة الضباع علما وأن هناك أقلية اجتماعية، قد تكون طبقة أو جهة أو طائفة ، تحقق بعض المكاسب بالعيش الراضي على فتات الوليمة...أما الجماعات التي لا تساند النظام (بالوقوف موقفا غاصبا وسلبيا أو بالنزول إلى الشارع) فهي تتشكل بالأساس من الأغلبية، أي من الرعايا الذين يضعهم النظام السياسي بين كماشة الفقر والقمع. وأخيرا، فإن هذه الوضعية تفرز الطرف الرابع، ويتخذ حسب العصور شكل النبي أو الثائر أو المصلح ومن يتبعهم، وهمهم كلهم تغيير الوضع بغزو القلوب بقيم جديدة، وغزو السلطة بمن جندتهم هذه القيم".       

 

أما في الديمقراطية، يقول المؤلف، "فإن أهل النظام هم من انتخبهم الشعب للحكم باسمه، وأهل الدولة كل القائمين على دواليب الإدارة التي أصبحت نظريا في خدمة الجميع ومنها القضاء المستقل. أما الجماعات المساندة فهي القطاعات المختلفة من المجتمع التي تضمن الدولة مصالحها، وهي تضيق وتتسع حسب السياسات المتبعة. أما الجماعات المعارضة، فهي بقايا النظام الاستبدادي القديم وبراعم النظام الاستبدادي الجديد. أما الطرف الرابع، فجزء منه متكون من مثقفي الديمقراطية، الذين يتابعون بعين القلق مشاكل النظام الديمقراطي. لكن الجزء الأكبر يتشكل من أنصار بدائل أخرى، منها الاستبدادية الواضحة أو المقنعة، وتنجم عن حدود ونواقص النظام الديمقراطي، خاصة إذا توقفت ديمقراطيته على الطقوس التمثيلية، وتجاهلت الحقوق الاقتصادية والاجتماعية أو الثقافية للأغلبية".     

 

من هنا، فأي بناء " نريد تشييده، لا بد أن يغرس جذوره في طبقة من القيم الغالبة تستطيع حمل  ثقل المؤسسات. معنى هذا أن التحديات الأساسية التي تنتظرنا في عملية الدمقرطة العربية ثقافية، قبل أن تكون تشريعية".  

 

+ بالفصل الثامن ("تشخيص الأمراض المطلوب علاجها") يقف الكاتب عند  خمس قضايا إشكالية:  

 

°- حدود إرادة الشعب، حيث لا حدود لها إلا حدود المصالح المشروعة للشعوب الأخرى. لكن داخل الشعب الواحد، ثمة قضايا يمكن أن تتضرر من إرادة لا تستمد شرعيتها إلا من ذاتها. وهو حال الأقليات العرقية والدينية "التي يمكن لهذه الإرادة (وهي في أحسن الأحوال إرادة الأغلبية) أن تستعبدها بكل راحة ضمير". بالتالي فإرادة الشعب، أو قل دوما إرادة الأغلبية، "ليست المرجع الأعلى، وإنما ثمة مرجع أعلى منها، يتمثل في جملة القيم التي تمنع شعبا من استعباد شعب آخر، أو هذا الشعب من اضطهاد أقلياته أو انتهاك حقوق الإنسان".    

 

°- حدود التمثيلية، إذ "لو كانت التمثيلية شرط ممارسة الشعب لسيادته والضمان الرئيسي لمصالحه، لكانت الوسيلة العادلة الوحيدة تسمية نواب الشعب ابتداء من عينة ممثلة للجمهرة. إنها تقنية بسيطة يمارسها المختصون في علم الإحصاء، وتتمثل في اختيار عشوائي لجملة من الأشخاص داخل مجموعة الرجال ومجموعة النساء ومجموعات الأعمار والمهن. هكذا سنرى البرلمان نسخة طبق الأصل للتركيبة الحقيقية والدقيقة للشعب، فيكون نصفه من النساء والنصف الآخر من الرجال، وستين في المائة من النواب في مجالسنا من الأميين، مع نسبة كبيرة من الأطفال والمراهقين والشباب".

 

أي تمثيلية لإرادة الشعب، يشدد المؤلف، ''والمؤسسات المنبثقة عن انتخابات الاستعراض والديماغوجية والاستقالة الجماعية، لا تعبر إلا عن سيطرة الأقلية المتحركة، الأحسن تمويلا والأكثر تجندا لفرض توجهاتها. لنتذكر أن الشعب طيف من المكونات ذات الرؤى والمصالح المتباينة. فمن أين لنا استخلاص موقف عام يعكس الإرادة الجماعية؟ ما أغرب أن نقبل أنها إرادة 50،01 % من القوائم الانتخابية، أما الباقي فلا ناقة له ولا جمل".

 

°- الاستحواذ على آليات الديمقراطية، عندما تعمد الليبيرالية بالمال إلى إفراغ النظام الديمقراطي من كل مضمون.  

 

°-  التداول على الوصاية والإقصاء، حيث إذا كانت الدكتاتورية تلغي مناهضيها بالعنف والإرهاب وتفرض وصاية ثقيلة على كل الأطراف الملغاة والمهمشة سياسيا، "فإن الديمقراطية التمثيلية تمارس نفس اللعبة لكن بالطرق السلمية. فالأحزاب التي هزمت لأنها لم تتحصل إلا على 49،9% من الأصوات لا دور لها غير الصراخ. أما المنتصرة، فيمكنها تطبيق سياستها مدعية أنها خيار الأغلبية، ومن ثمة خيار الشعب".  

 

°- التداول السريع على المسؤولية، حيث لا قدرة لأي إصلاح أن يعالج أزمات هيكلية. "هي في أغلب الأحيان علاج عرضي لمرض مستفحل خطير، لا قدرة لحكومة عابرة على التعامل العميق مع أسبابه ، أولا إرادة لها على ذلك، لما في الأمر من مخاطر انتخابية".   

 

+ بالنص التاسع ("خرافة العوائق الثقافية ضد الدمقرطة في دار العروبة والإسلام") يشير الكاتب إلى بداهة استحالة وجود الديمقراطية في غياب الديمقراطيين، كما يستحيل تصور الديمقراطيين بدون جملة من السلوكيات أساسا في علاقتهم بالشأن العام.

 

معنى ذلك، أن ''الإنسان الديمقراطي'' عندما يمارس السلطة  فهو يمارسها بعدل واعتدال، واضعا نصب عينيه دوما "أنها وظيفة اجتماعية، وليست غنيمة حرب. أما إذا مورست عليه تسلطا، فإنه ينتصر لحقوقه و حرياته، وإن مورست عليه قانونا، فهو لها السميع المطيع".     

 

ما هي حظوظ الدمقرطة في مجتمعاتنا ونحن بمثل هذه الثقافة الاستبدادية؟. "أليس وضع مؤسسات سياسية ديمقراطية في أي مجتمع، دون وجود الدعامات الفكرية والتصرفات الأخلاقية لها، بمثابة البناء على الرمل؟ من أين للعرب والمسلمين القدرة على تشغيل مؤسسات البنى الفوقية كما يقول الماركسيون، وبناهم التحتية تنضح بالاستبداد؟ هل من الممكن أن تكون نظرة العنصريين الغربيين لنا صحيحة، وهم يقرون بعدم قدرتنا على تشييد بناء لا نملك له أسسا؟".

 

إننا، يعترف المؤلف، لا نتوفر فعلا على الأرضية الثقافية لبناء مؤسسات ديمقراطية ثابتة وراسخة الجذور، مما قد يعني استحالة البناء أو سرعة تهاوي ما قد نبنيه يوما.  

 

إن بداخل كل أمة ثقافتان: الأولى ويمكن تسميتها ب''ثقافة الطبيعة''، قاعدتها الغريزة، تنطق باسمها الايدولوجيات الفاشية، لا تمارس السلطة داخلها إلا على شكل أو آخر من التعسف، خيار القرار فيها الأسرع والأسهل والأخطر. أما الثانية فهي ما يمكن تسميتها ب''ثقافة الحضارة''. هي التي تنتج الأديان والأخلاق والديمقراطية، قاعدتها العقل والقيم، لا تمارس السلطة داخلها إلا سلما وتوافقا، خيار القرار فيها الأصعب والأطول، لكنه الأضمن. الثقافة الغالبة ليست ثقافة الأغلبية، وإنما ثقافة الغالبين فرضت على الأغلبية بالقوة.  

 

من هنا يرى الكاتب، أن الهدف الحقيقي في ظل الازدواجية الهيكلية لشيم النفوس، هو إطالة عمر ''عصر الحضارة''  وتقليص عمر ''عصر الغرائز''، سيما وأننا نجد بالعائلة والمصنع والإدارة مخزونا هائلا من الأفكار والقيم، وحتى السلوكيات السرية الرافضة للاستبداد وظلمه، والمستعدة للدفاع عن أي نظام بديل يرجع الكرامة المسلوبة والاعتبار الذي صادره الاستبداد.  

 

+ بالنص العاشر ("قيم التأسيس") يعاود الكاتب التذكير بأن صعوبات الأنظمة الاجتماعية المتشكلة على غرار الأنظمة الطبيعية، إنما مصدرها خلل ما في عمل القيم. "فلو كانت كل القيم المطلوبة موجودة وفي أنصع وأقوى مظاهرها، لوجد التناسق والتناغم والاندماج التام بين المكونات، وهي خصائص الأنظمة الطبيعية".

 

إن القيم، إذا وجدت وعلى أوسع نطاق، كفيلة بخلق مجتمع يقترب من عمل الأنظمة الطبيعية من حيث الفعالية وقلة تكلفة تسييره. 

 

لكن المفارقة، برأي الكاتب، "أن من يحبون بكل قواهم أوطانهم (أوعقيدتهم أو طائفتهم) ولا شيء آخر، هم أخطر الناس على بقية الأوطان والطوائف والعقائد، وحتى على من يدعون الموت في حبه، لأن وطنيتهم المفرطة قادتهم وقادت ضحاياهم وأحيانا شعبهم نفسه إلى الهلاك".   

 

من جهة أخرى، "فإن التفريق بين الحق والواجب هو إحدى حيل الاستبداد، يستعملها ليفرض عليك دوما مقايضة تجعل حقوقه أكبر من واجباته، وواجباتك لا تحصى ولا تعد بالمقارنة مع حقوقك. وفي آخر المطاف، فإن التفريق ليس سوى الدخان اللفظي الذي يخفي شكلا أو آخر من الظلم. على العكس من هذا، فإن المطابقة بينهما لا تترك للاستبداد منفذا، بما أن عدد الواجبات يساوي عدد الحقوق سواء كنت في السلطة أو خارجها".

 

+ بالنص الحادي عشر ("الصياغة الأخرى لإعلان 10 ديسمبر 1948") يقف المؤلف عند قائمة الحقوق/الواجبات للإعلان، ويعتقد أنها قيم إجرائية تسهل على المجتمع تنظيم حركته، لكنها قابلة للخرق لغياب عنصر أساسي في كل القيم المؤسسة: العنصر الروحي.   

 

إن المشرع العالمي، بحكم تواجده في نقطة تلاقي حضارات وعقائد ونظم سياسية مختلفة وأحيانا على حافة الحرب، "غير قادر وغير مؤهل للاختيار بين قيم روحية تتلاقى في الأصل، لكنها تختلف في طرق التعبير. وحيث أنها في الأساس واحدة، فإنه يتصرف على قاعدة إحالة كل حضارة أو ثقافة أو دين إلى قيمه الروحية، لتكون الأرض الخصبة التي تغرس فيها القيم الإجرائية. معنى هذا أن المجتمع السليم الذي نصبو إليه هو الذي تتجذر فيه قيم حقوق الإنسان في القيم الروحية للإسلام (أو للمسيحية أو البوذية الخ). إن القيم الإجرائية دون الروحية جسد بلا روح، والقيم الروحية دون الإجرائية روح بلا جسد".

 

+ بالنص الثاني عشر ("التخصيب لا الغزو الثقافي") يميز المؤلف بين ثلاثة مصطلحات تثير التباين: العلمانية واللائكية والإلحاد: "فالإلحاد موقف فلسفي ينفي وجود الله، واللائكية خاصية تاريخية ثقافية سياسية فرنسية ترتكز على رفض أي دور سياسي للدين وتفصل العلاقة بين الكنائس و الدولة، أما العلمانية فموقف فكري لا علاقة له بالإلحاد أو اللائكية، وإنما يؤمن بقدرة العقل على فهم ظواهر العالم وخيار سياسي يدعو إلى تمكين المجتمعات العربية المعاصرة من العيش تحت قوانين وضعية ترتكز على مبادئ حقوق الإنسان والنظام الديمقراطي، وإن اختلفت عن القوانين التي سنت في القرن الأول للهجرة تحت اسم الشريعة لتسيير شؤون مجتمعات زراعية وبدوية لا علاقة لها بمجتمعات هذا العصر". 

 

ما الحكمة إذن في نقل تجارب ليست تجاربنا وفرضها علينا لإعادة نتاج مسخ مشوه ليس من تاريخنا؟

 

لكن كيف ننظم العلاقة بين الديمقراطية بما هي منظومة فكرية وأخلاقية وليست فقط آليات سياسية، مع دين (كالدين الإسلامي) ليس مجرد طقوس، وإنما منظومة فكرية أخلاقية تريد أن يكون لها آلياتها السياسية؟  

 

من المجحف، يقر الكاتب، "الحديث عن إشكال بين الدين في المطلق والديمقراطية في المطلق. فالمشكل الوحيد القابل للدرس هو علاقة الديمقراطيين بالإسلاميين في زمان ما ومكان ما، وعلى وجه التحديد علاقة فصائل مختلفة من الديمقراطيين بفصائل مختلفة من الإسلاميين. إن الصراع الفعلي هو بين أشخاص وتيارات سياسية تتنازع على السلطة السياسية والمعنوية، بالسعي للسيطرة على أهم جهازي داخل المجتمع لممارسة هاتين السلطتين، أي جهاز الدولة وجهاز الدين. إن ادعاء الأطراف المتنازعة تمثيل الدين أو الديمقراطية جزء من الحرب، وليس جزءا من الحقيقة".      

 

 من منظور الديمقراطية، لا أحد يطالب المسلمين بعدم ممارسة السياسة، أو ألا تكون مواقفهم السياسية متطابقة مع عقيدتهم. "كل المطلوب منهم أن يكون نشاطهم السياسي باسم السياسة وليس باسم دين، يشاركهم فيه المتصوفون والتقليديون والمفكرون واللامبالون، وأن يتم في الساحة التي توفر نفس الفرص للجميع، لا داخل الكتاتيب أو المدارس أو المساجد".  

 

إن الاستبداد يولد علاقة مرضية بين طرفين، يسعى كل واحد للسيطرة على الآخر. هذه العلاقة هي التي تستطيع الديمقراطية حلها لا بإعلان طلاق غير مفهوم أو ممكن، وإنما بسن قواعد تعامل سليمة بين الأطراف السياسية ذات المرجعية الدينية وذات المرجعية العلمانية "قوامها الاستقلال وليس الاستغلال ، التنافس الشريف وليس الصراع المدمر".

 

وفي إطار العقد الديمقراطي، "على الأطراف السياسية ذات المرجعية الإسلامية أن تقبل أن دور الدولة الديمقراطية هو حماية حق المعتقد لكل السكان، ليس فقط للمسلمين أو للإسلاميين، أنها الضامن لحقوقهم الثقافية والسياسية والمساواة التامة، أنه لا سبيل لقبول أي ممارسة تتخذ من الدين حجة للتعرض للحقوق والحريات الديمقراطية". إن مسؤولية النظام الديمقراطي تتمثل في ضمان الحريات للجميع، دون وصاية أو إقصاء و حماية عقيدة الأغلبية.

 

بالتالي، "يجب أن ينطلق موقف الديمقراطيين من الإسلام، من كون الديمقراطية لا تريد نفسها بديلا لمعتقدات هذا أو ذاك، ولا تتعارض مع مبادئ الدين وأهدافه. هي تبحث عن الصيغ التي تمكن كل المكونات المتباينة للمجتمع، من العيش بسلام في ظل اختلاف باق إلى قيام الساعة".   

 

من هذا المنظور لا أبعد عن الديمقراطية ومنطقها من موقف الاستئصاليين الذين يقبلون بحق الإسلاميين في الوجود، لكنهم يعزلونهم عندما ينتصروا. "فأي ديمقراطية هذه التي يريدون، والحال أن مبدأها الأساسي هو أن يكون الصراع الحضاري بين أعداء حقيقيين  وإلا هرب الطرف الذي نريد جره للحرب السلمية إلى السلاح. إنها الديمقراطية المزيفة التي يريد الاستبداد تسويقها".

 

إن الخوف من وصول الإسلاميين غير الديمقراطيين للحكم وإلغاء الآليات التي أوصلتهم للسلطة كما فعل هتلر، خطر حقيقي يقول الكاتب. لكن التعامل معه لا يكون بالأسلوب الجزائري، يتابع القول.  

 

"إن ترك قواعد الديمقراطية تقوم بدورها في كل الظروف هو الرهان الرابح الوحيد أخلاقيا وسياسيا بالنسبة للديمقراطيين. فإن فشل الإسلاميون في إدارة شؤون الحكم، تبين لهم وللجميع أن الإصلاح ليس بالبساطة التي تصوروها، أنه أعقد من تطبيق وصفات جاهزة طبقت كم من مرة فلم تزد طين التخلف إلا بلة. وإن نجحوا وانخرطوا في آليات اللعبة الديمقراطية، فهذا نصر يحسب بالأساس للديمقراطية التي تكون قد وسعت بهذا قاعدتها وأدمجت شرائح جديدة، لأنه بقدر ما تتوسع دائرتها بقدر ما تقوى وتتجذر".

 

+ بالنص الثالث عشر ("أهداف التأسيس") يتساءل المؤلف: ما هي المهمة المخفية للديمقراطية التي تغطي عليها آليات في خدمتها؟

 

الديمقراطية حرب بكل المقاييس، لكن في فضاء رمزي تفرغ  فيه شحنات العنف الغريزي، ولا يسيل فيها سوى الحبر واللعاب و العرق.

 

لكن "إذا اقتربت الأغلبية من الخط الأحمر، لغياب الاعتبار وظلم لم يعد محتملا يولد فقرا كافرا، واقتنعت أن الحرب الرمزية لا تضمن لها لا الكرامة ولا الخبز، فإنها ستدير الظهر لها لامتشاق سلاح وضع جانبا ولم يلق به في البئر".   

 

إن ما يقدمه الاستبداد من تبرير لمصادرة الحقوق/الواجبات السياسية حتى لا تتعطل مسيرة التقدم الاقتصادي، "خزعبلات، والخزعبلات المعاكسة هي مصادرة المستحقات الاقتصادية والاجتماعية للأغلبية المسحوقة، وإلهائها بطقوس لا تهم إلا من ضمنوا الشروط المادية الدنيا للعيش الكريم".   

 

والسر البديهي في ذلك، بنظر الكاتب، كامن في أن المهمة الأولى للديمقراطية في وقف الحرب الحسية واستبدالها بالحرب الرمزية على الأمد البعيد، لا تتم إلا عبر تمكين أكبر عدد ممكن من أعضاء المجتمع من مستحقاتهم الاقتصادية والاجتماعية.  

 

+ بالنص الرابع عشر ("تسقط الوطنية، عاشت المواطنية") يعرف المؤلف المواطنة "بأنها حالة يضمنها العرف والقانون، يحق بموجبها لأعضاء المجتمع تسيير الشأن العام على قدم المساواة وفي كنف الحرية".

 

يستشهد الكاتب بروجرز بروباكر الذي يتصور "أنه لا قدرة لنا على فهم اختراع المواطنة طالما لم نضعها في سياق الخصائص الأربعة للثورة الفرنسية، أي كونها ثورة بورجوازية (تعلقها بالملكية) وديمقراطية (تمردها على الاستبداد الملكي) ووطنية (تصديها للغزاة القادمين من وراء الحدود لإعادة النظام الملكي) وبيروقراطية/مركزية (الإدارة المباشرة من باريس، وفق تنظيم هرمي صارم لا يعترف بأي استقلال ذاتي للمقاطعات ويعرف بالجاكوبينية)".   

 

هذه الخصائص التاريخية والثقافية للثورة الفرنسية، هي التي حددت، بنظر المؤلف، خصائص المواطن المعاصر بما هو شخص: ينتمي إلى وطن، أي إلى قطعة من الجغرافيا آهلة بسكان وتحكمها دولة قوية، يخضع لحكم مركزي يسجل ويحصي ويحمي كل التابعين له، يتمتع بجملة من الحقوق السياسية منها المساواة والحرية التي تمكنه من المشاركة في تسيير الشأن العام، له حق الملكية على ذاته وعلى ما استطاع الحصول عليه بوسائل شريفة.

 

ثم جاء الإعلان العالمي لحقوق/ واجبات الإنسان للعام 1948 ليحدد المواطنة، عبر الحريات السياسية، ويقول بالحق فيها لكل شخص '' دون أي تمييز، كالتمييز بسبب العنصر واللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو البلاد، ودون تفرقة بين الرجال والنساء ''.      

 

+ بالنص الخامس عشر ("من الرعايا إلى المواطنين") يصنف الكاتب وضعية الناس داخل النظام الاستبدادي انطلاقا من هذه الرؤيا، ويلاحظ أن ثمة ثلاث مجموعات : "الممنوعون من المواطنة الفعلية، وهم أغلبية الناس المحرومون من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المنصوص عليها في الإعلان، المتصدون للمواطنة الفعلية، وهم بالأساس أهل النظام وأعوانهم من أهل الدولة، والمطالبون بالمواطنة الفعلية، وهم الأقلية الواعية المسيسة، ويجوز تسميتهم بالمواطنين تحت التأسيس".  

 

فالمواطنة ليست فقط اكتساب حقوق شكلية وممارستها بصفة عابرة وظرفية، وإنما هي مساهمة فعلية ومتواصلة في أخذ القرار وتنفيذه وتقييمه كل في مستواه. بالتالي، وجب "وضع الإطار التشريعي العام لضمان ممارسة كل الحريات الفردية والجماعية، دون قيود أو شروط باستثناء تلك التي تتعارض مع ممارسة هذه الحريات. كما يجب جعل تطوير الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لتحرير أكبر عدد ممكن من عبودية الحاجة الماسة، المحور الأساسي لسياسته، مما يعني القطع الجذري مع فلسفة الليبرالية وبرامجها".

 

من جهة أخرى، فإن المواطنة الحقيقية اليوم حتى في أعرق الديمقراطيات، "لا تتبلور إلا عبر نسيج هائل وموسع من جمعيات مدنية مستقلة، تتولد من حركية جامحة لا قبل لأحد بالتعرض إليها أو التحكم في مسارها. صدق من قال إن القرن الواحد والعشرين سيكون قرن المافيات والجمعيات غير الحكومية والشركات".  

 

+ بالنص السادس عشر ("عقل التأسيس") يزعم المؤلف أن السياسة ليست فقط مبادئ وأهداف، وإنما هي وسائل عملية لتحقيق هذه المبادئ والوصول إلى هذه الأهداف. "هذه الوسائل هي مواقف وسلوكيات مبنية على عقلية وطرق تحليل وخيارات تجدها عند كل فاعل سياسي، ويمكن تسميتها بالعقل السياسي".

 

ويركز الكاتب هنا على ما يسميه العقل الديموقراطي، ويؤكد أن "لا مجال لمعارضة في ظل نظام دكتاتوري إلا تصنعا وافتعالا أو تزييفا وتغطية، إذ لا ينفع ضد الاستبداد إلا المقاومة، وأفضلها السلمية. إن من يريد أن يعارض في ظل الدكتاتورية، كمن يحمل السلاح في وجه الديمقراطية، مثلما ما حدث في أوروبا الغربية في السبعينات، أي أنه يرتكب عملا عبثيا نتيجة عدم فهمه موقعه بالضبط، ولا على أي مستوى هو يتحرك".  

 

من جانب آخر، فالقوة ليست العنف، والقوي من يتحكم في قوته وليس من يفرط فيها ليخفي ما به من جبن ومن ضعف. لهذا، يقول الكاتب، بقي عبد القادر الجزائري وصلاح الدين الأيوبي "في عقولنا وقلوبنا، ولفضنا منها كل الوحوش الآدمية الذين تركوا المقابر الجماعية ومحتشدات الموت. هذه القيم، توقف ضخها في عروق حياتنا الفكرية والاجتماعية والسياسية، فوصلنا للمستنقع الذي نتخبط فيه، نقيس عمق الانحطاط الشخصي والجماعي بدرجة تباعدنا عنها".

 

إن المطلوب، يعتقد الكاتب، إنما منهجية من ثلاث نقط: 

 

°- القبول بالتعددية، إذ الديمقراطية عقلية لا تستقيم إلا داخل فكر يقبل بتباين الرؤى وبالتعقيد والنسبية والتعددية في الظواهر الطبيعية والإنسانية. يستحيل على المرء "أن يكون ديمقراطيا وهو أحادي، تبسيطي، يؤمن بالمطلق والأزلي، فهذا فكر لا يتماشى إلا مع انخراط تام في نوع أو آخر من الاستبداد".

 

°- الواقعية الإيجابية مع تحديد الهدف بوضوح ودونما مبالغة أو مزايدة.

 

°- الصلابة الاستراتجية مع المرونة التكتيكية، بمعنى أنه "بقدر ما يبقي الهدف دوما واضحا والخط مستقيما والوسائل شريفة والصلابة لا تلين في أي من هذه المستويات، بقدر ما يجب على الإنسان أن يكون مرنا في طرق تحقيقها".

 

وعلى هذا الأساس، فلا بد للعقل السياسي السليم أن يترك دوما بابا للصلح ومنفذا للعدو، لأن المهم ليس النصر، بقدر ما هو النصر بأقل تكلفة ممكنة.

 

+ بالنص السابع عشر ("أي إصلاحات على نظام ما زال في طور التجريب؟") يذكر الكاتب بأنه عندما يصبح مرض نظام أو مؤسسة عصيا على الإخفاء، فإن هناك أمام المستعملين له ثلاث إمكانيات: تجاهل الأمر والمواصلة كأن شيئا لم يكن، إلى أن ينهار البناء فوق رؤوس السكان. وهو خيار كل الأنظمة الاستبدادية. أو إدخال بعض الإصلاحات الترقيعية على النظام كمحاولة التحكم في تمويل الانتخابات أو تحسين التمثيلية. والأمر هنا بمثابة ترميم واجهة تصدعت جدرانها، لأن المياه الجوفية نخرت في دعامات البناء. أو إعادة التأسيس على قواعد جديدة، تحافظ على أهداف الديمقراطية وقيمها، لكن بآليات أكثر فعالية.   

 

إن أحسن درع للنظام الديمقراطي حال انتصابه، يعتقد المؤلف، ليس جملة من القوانين المكتوبة في أكمل دستور، إنما توسيع المواطنة، في أسرع وقت ممكن إلى أكبر عدد من أعضاء المجتمع، عبر توسيع قاعدة المتمتعين بالحريات الفردية والجماعية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

 

ويقترح الكاتب أن يكون الدستور أسمى وثيقة يحميه رئيس جمهورية. الخشية، إن كان ضعيف الشخصية، أن يتحول إلى شبه عاطل عن العمل براتب محترم، أو أن يكون قوي الشخصية فيشويش على رئيس الجهاز الحكومي نظرا لإرادة مقاسمته السلطة. المفروض بنظر الكاتب ألا يكون لا هذا ولا ذاك. من هنا اقتراحه بأن تكون رئاسة الجمهورية جماعية، أي "لا تعين الحكومة ولا تتدخل في سن السياسيات الظرفية، ولا تملي إرادتها على الجهاز التشريعي أو القضائي. هي لا تسمي ولا ترقي ولا تعزل في هذه المؤسسات. هي جهاز متباعد وقور صامت طالما تسير قواعد اللعبة كما ينبغي وفقا لقواعد الدستور، لكنها تصفر الأخطاء وتوقف اللعبة إذا خرجت عن القواعد".

 

ويقترح أيضا مجلس قضاء مستقل فعلا، غير مرتبط بالسلطة التنفيذية التي تملي عليه سلوكه أو تعين من بين ظهرانيه. من هنا، وجب إلغاء وزارة العدل واستبدالها بمفوضية إدارية تدير شؤون المحاكم والموظفين تحت إشراف المجلس الأعلى للقضاء.

 

ويقترح مجالس للمواطنين (المختزلين بالانتخاب في مجلس المواطنين الأعلى)، إذ "الرعايا أو المواطنون تحت التأسيس، يستطيعون التدخل في العملية عبر التقييم المتواصل لسياسات المجالس، ناهيك عن تشجيعهم في مثل هذا النظام على الانخراط في العمل القاعدي".

 

ويقترح أن يتكفل برئاسة الدولة أمينا، إحدى الشروط  المقيدة له "عدم التدخل في الميدان التشريعي الذي هو من اختصاص المجلس الوطني، ولا في الميدان القضائي الذي هو من اختصاص مجلس القضاء ولا في صلاحيات مجلس الجمهورية. فميدان أمين الدولة هو تسيير دواليب هذه الأخيرة، والتنسيق بينها وبين باقي القوى الفاعلة في المجتمع. إن أهم مهامه في الواقع هي تسيير الأنظمة الثانوية التي تنتج التعليم والصحة والأمان والتجهيز والتنسيق مع المحيط القومي والعالمي".  

 

وأمين الدولة لا يمكن أن يعمل بصفة فعالة، إلا إذا أعطي حق اختيار الفرق السياسية/التكنوقراطية المشرفة على الأنظمة الثانوية. "لكن هذا الحق يجب أن يبقى خاضعا لمصادقة مجلس المواطنين الأعلى، حتى تتواصل المراقبة إلى أبعد مدى، ولا يتسلل الأشخاص غير المناسبين إلى مراكز القرار لقرابة الدم أو العقيدة".   

 

إن المهم، يقول المؤلف، "في كل نظام يريد عبور القرون هو أن يبقى صارما إلى أبعد حدود الصرامة في متابعة أهدافه، مرنا ومفتوحا وتجريبيا بخصوص آليات التحقيق. بهذه العقلية الصحية، نستطيع أن نراجع بصفة دورية كل العيوب والنواقص التي سيتمخض عنها إجباريا هذا النظام أو ذاك، لنجعل منها نقط انطلاق نحو مزيد من الفعالية. أما مدى نجاح النظام، فيتمثل في رفعه لإنتاج المجتمع من القيم والقوانين و الثروة المادية والمعرفة والجمال، وخفض إنتاجه من العنف والقبح والظلم. أما علامات فشله المخزي، فهي كل ما نرى ونعرف في مجتمعاتنا المنكوبة بنظامها السياسي الحالي".  

 

+ بالنص الثامن عشر ("من التقليد إلى الإبداع") يقول الكاتب: "نحن مطالبون ببلورة نظام سليم، يبلغ نقطة توازنه ويعود إليها بعد كل اختلال ويتمثل في بناء مجتمع، الحرية فيه ليست تسيبا، والمساواة ليست تسطيحا، والقوة ليست عنفا، و الحزم ليس تشددا، والتسامح ليس تساهلا، والحركة ليست جموحا، والاستقرار ليس ركودا".  

 

ويتابع: "قد يكون واجب الذاكرة أهم واجبات المثقفين الديمقراطيين اليوم وغدا. نحن شعوب قصيرة الذاكرة، لذلك علينا أن نتذكر ونذكر الأجيال المقبلة بتاريخنا السياسي المظلم، وما زخر به من فساد وقمع وشخصانية فجة وتضليل وتعذيب وقضاء فاسد. بدون هذه الذاكرة الحية، لن ننجح في تعهد الأجسام المضادة الفكرية والأخلاقية والمؤسساتية لحماية أمتنا من وعكة صحية جديدة، يوم يهاجمها فيروس قاتل تحمله في كل خلاياها".

 

 ولما كان واجب الذاكرة غير كاف، زاوجه الكاتب بواجب الذكاء فقال: "لقد آن الأوان للديمقراطيين العرب ليبلوروا مشروعهم وليس فقط الاكتفاء برفض المشروع الأجنبي. آن الأوان ليكون لنا مشروع ورؤيا لديمقراطية تضيف ولا تقلد، تحرر ولا تضلل، نفرضها على أنفسنا ولا يفرضها علينا أي وصي. كل هذا حتى لا تصادر الأحلام من جديد، حتى لا يتمخض الجبل فيلد خازوقا، حتى لا تصبح الديمقراطية تغطية على الاستبداد الجديد، ومدخلا لعودة الاستبداد القديم".

 

يحيى اليحياوي

الرباط، 23 نونبر 2006