" ديموقراطيات"
تحت الاحتلال
جرت,
بداية العام 2006, انتخابات
" تشريعية"
بالعراق
ترشحت للفوز بها
تحالفات من
شتى الأطياف
والنحل
والملل وتبارت
في خضمها
تيارات
وأحزاب
وحركات وما
سواها.
ولما
كان الخيط
الناظم
للعملية
برمتها يتغذى
من خلفيات
عرقية
وطائفية
ودينية وغيرها,
فإنها لم تفرز
في مخرجاتها
الأساس إلا
مشهدا "
سياسيا" إحدى
خصائصه
الجوهرية الأبرز
الاصطفاف
المذهبي
والطائفي حتى
وإن اتخذ لنفسه
لبوسا سياسيا
تمثلت
تجلياته
الكبرى
في مسطرة
التصويت
والفرز
والتصريح
بالنتائج.
ولما
كان الاحتلال
الأمريكي (وهو
الناهي/ الآمر
والموجه
بالبداية
وبالمحصلة
النهائية) هو
فيلسوف فكرة
الاستقطاب
المذهبي
والطائفي بالعراق,
فقد استبشر
خيرا
بالنتائج كون
مشروع
التقسيم (الذي
ضمره جهرا
ودفع به
علانية) إنما
هو في طريقه
إلى التكريس
بفضل القوة
الناعمة
("الديموقراطية")
بعدما كاد أن
يؤسس له نصا وتشريعا
(بالقوة
الخشنة أعني)
عندما حرم (من
التحريم) على
نظام الرئيس
صدام حسين
الاقتراب من
خطوط عرض وطول
رسمتها الأمم
المتحدة (بعدما
كانت قد تكرست
كأمر واقع على
الأرض) وتكفلت
الولايات
المتحدة
بحماية
"حدودها"
بقوة النار
والحديد.
في
الوقت ذاته,
وتزامنا مع التصريح
بالنتائج
النهائية
"لانتخابات
العراق
الجديد", جرت
انتخابات
أخرى من بين
ظهراني شعب
آخر (تحت
الاحتلال
أيضا) لم يفرز
تقاطبا
مذهبيا أو عرقيا
أو طائفيا بل
منح درجات
عليا من
الاستحقاق
لحركة وطنية,
ترفع شعار
المقاومة,
تمانع في
الاعتراف
بالمحتل
ومتأبطة, فضلا
عن كل هذا
وذاك, لبرنامج
سياسي بديل
تبارت
على اساسه مع
غرمائها
الآخرين
فالتفت حولها
الجماهير
وزكت
برنامجها
واعتمدت خطها لتدبير
الحال والنظر
في أمر
الاحتلال.
لم
تحصد حركة
حماس غالبية
مقاعد المجلس
الوطني
الفلسطيني
على خلفية من
الدين (حتى
وإن كان
الإسلام مرجعها
الناظم
لنهجها) ولا
ارتكزت على
شرائح شعبية
تقدم الطائفة
أو القبيلة أو
العشيرة أو ما
سواها, بل
تسنى لها ذلك
عبر تقديم
مشروع سياسي
بنجاحه وضعت
السلطة
وإسرائيل
والدول " ذات
التقاليد
الديموقراطية
المتأصلة"
على المحك (تحت
المجهر يقول
البعض, بالزاوية
يقول البعض
الآخر).
قد
يبدو للمرء
(ولو للوهلة
الأولى على
الأقل) أن لا
فارق كبير
يستحق الذكر
في حالة
العراق كما في
حالة فلسطين:
+
فالعراق, كما
فلسطين, سلكا
سبيل الانتخابات
المباشرة
لإفراز من
يحكمهما حتى
باختلاف
النظم
الانتخابية
وتمايز
السياق وتباين
الخلفيات
والمرجعيات
شكلا
وبالجوهر.
+
والعراق, كما
فلسطين, أشرفت
على
الانتخابات بداخلهما
منظمات
وجمعيات
وشخصيات من
بعض الجور حقا
الطعن في
مصداقيتها أو
المزايدة على نزاهتها
وحيادية
سلوكها وليس
لها فضلا عن
ذلك حسابات
تبتغي
تحقيقها هنا
وهناك.
+
والعراق, كما
فلسطين, سلما
بمبدأ
الأغلبية
(والتداول)
فكفلوا لها
الحق في ممارسة
السلطة
بطريقتها
دونما إكراه
من هذه الجهة
أو ضغط من تلك.
وهما
متماثلتين
(يقول ذات
المرء للوهلة
الأولى أيضا)
كونهما
يرزءان معا
تحت نير
الاحتلال...الذي
هو الفيصل
بالنهاية في
فشل هذه
السلطة أو
نجاح أداء تلك.
ليس
ثمة من شك إذن
أن كل ما ورد
يحتوي قدرا من
الحقيقة, إذ
العراق كما
فلسطين
يعيشان حقا
تحت الاحتلال
والانتخابات
جرت في ظله
وعلى مرأى منه
والقادمون
للسلطة
مضطرون بهذا
الشكل أو ذاك
للتعامل
معه...أو على
الأقل مع
حقيقة وجوده.
لكن
الذي لا يقبل
الشك أيضا أن
الحالتين
مختلفتان
أيما يكن
الاختلاف في
الجوهر كما في
التداعيات
المستقبلية
سواء بسواء:
+
فحركة حماس استقطبت
الجماهير
الفلسطينية
على أساس من الممانعة
مع المحتل
لدرجة التشبت
بحقها في عدم
الاعتراف
بإسرائيل
طالما لم
تعترف هذه الأخيرة
بوجود شعب عاش
لأكثر من نصف
قرن أقصى
حالات
الاضطهاد
والتقتيل
والحصار
والتجويع في
حين أن
"الائتلاف
الشيعي
الكردي" لم
يمانع يوما في
وجود
الاحتلال بل
اعتبر رفعه
مصدر فتنة
وحرب أهلية
و"انتصارا
للإرهابيين".
+ وانتصار
حركة حماس هو
انتصار
لمشروع في
التحرير والتحرر
من الاحتلال
في حين أن
مشروع
الائتلاف هو
مشروع
لاستمرار
الاحتلال بل
ومصدر احتماء
" ضد عودة
البعثيين" أو
"انقضاض
الإرهابيين على
السلطة"...أو
ما شابه ذلك.
+
وحركة حماس
نجحت
بانتخابات
ذات خاصية
سياسية خالصة
(حتى وإن
استنفرت مرجعيتها
لتعضيد
التأطير) في حين
أن ذات
الخاصية
بالعراق لم
تكن سوى
الغطاء
الانتخابي
لتمرير
مشاريع ذات
خلفيات
مذهبية
ودينية
وعرقية
وطائفية وعشائرية
خالصة.
لا
يمكن بالتالي
أن تستوي حركة
ممانعة للاحتلال
مع ائتلاف
يداهنه بل
ويراهن عليه
حاضرا وبالمستقبل.
ولا يمكن أن
تتساوى حركة
عمدت إسرائيل
جهارة إلى قتل
رموزها
ومراجعها
الكبرى مع ائتلاف
جل عناصره أتت
محمولة على
ظهور دبابات دمرت
البلاد جملة
وبالتفصيل
وتعترف اليوم
بأن إعادة
إعماره يستوجب
عقودا طويلة
من الزمن. كيف
المساواة بين
الحالتين (فما
بالك بإعمال المقارنة
بينهما) إذا
كانت الأولى
تراهن على
شعبها (حتى
وهو محتل)
والثانية لا تراهن
في حلها
وترحالها إلا
على المحتل...لا
أحد غير
المحتل.
+
وحركة حماس,
في مشروعها
المتوسط كما البعيد
المدى, تراهن
على استرداد
ما استلبه المحتل
من أرض وإرجاع
من هجرهم قسرا
من ديارهم, في
حين لا يمانع
الائتلاف بل
ويشدد على
فيديرالية لن
تقود بحتمية
الأمور إلا
إلى تقسيم
العراق
(وتشتيت
العوائل
بجريرته) وخلق
دول طفيلية من
بين أضلعه
تقتات على العمالة
والتبعية
للأجنبي.
لن
تتساوى
إطلاقا حركة
تتغيأ
استرداد الحق
المستلب مع
ائتلاف يرى في
مقولة وحدة
العراق قول حق
أريد به باطل بحكم تأجيجه
لحالة "التشظي
العرقي" التي
كانت ولمئات
السنين مصدر
تنوع ثقافي بنيت
عليه حضارة
العراق.
+
وحركة حماس
تراهن, فضلا
عن كل هذا
وذاك, على محيطها
العربي
والإسلامي
(دعما ومساندة
حتى في ضعفه)
في حين يتنكر
الائتلاف
لذات المحيط
ولا يتوانى في
الطعن في
مقوماته خطابا
وبالسلوك على
الأرض.
ما
السر إذن في
سلوك
الولايات
المتحدة
المتناغمة
مع "انتصار"الائتلاف
و تذمرها
المطلق من نصر
حماس؟ وما
السر أيضا خلف
سلوك إسرائيل
("جنة الديموقراطية
بالمنطقة"؟)
إزاء ذات
النصر؟
أو
ليس هناك ما
يدعو حقا
للتساؤل في
شكل الديموقراطية
وطبيعتها
سيما لو كانت
نتائجها
تستدعي
التهليل (حتى
بالشكوك حول
نزاهة
الانتخابات
بصلبها) وتثير
(في حالة حماس)
التنديد
والمضايقة
وإلى جانب كل
هذا الحصار
والمقاطعة؟
إنها
ليست فقط
مفارقة من
مفارقات
الديموقراطية
عندما تتم تحت
الاحتلال, بل
وأيضا مفارقة
الذين راهنوا
على إشاعة
الديموقراطية
على المنطقة
من العراق
فإذا بها تأتي
من حيث لم
يبصروا... فانعدمت
من بين
ظهرانيهم
البصيرة في
سبل التعامل
مع من فازوا
بها.
يحيى
اليحياوي
الرباط, 13
فبراير 2006