عن أي مجتمع للمعرفة يتحدث تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2003؟

 

-1-

 

 بود المرء أن يثني على التقرير موضوع هذه الدراسة (1) كما لربما أفاض البعض في الثناء عليه: فهو جرد جيد لواقع الحال بالمنطقة العربية وعمل توثيقي جيد للعديد من القضايا والإشكالات وطرح إلى حد ما موضوعي لمجموعة من مكامن الخلل الاقتصادية والسياسية والثقافية وغيرها بهذه المنطقة من مناطق العالم كما يصفها التقرير.

 

و بود المرء ثانية أن يثني عليه أيضا ليس فقط لأن الذين قاموا على صياغته هم ضمن ما تتوفر عليه المنطقة من خيرة الخبراء والكفاءات, ولكن أيضا لأن ذات التقرير أسهم حقا (كما الشأن بالنسبة للتقرير الأول) في تحريك بعض من المياه الراكدة وإزعاج أكثر من جهة وخلط الحسابات على أكثر من حكومة ونظام (2).

 

أقول, كان بود المرء كل هذا وأكثر وهو أمر هين على أية حال في المديح كما في النقد, لكنه  لن يكون بوده إخفاء ما أثاره هذا التقرير ( الثاني كما الأول) من تحفظات وانتقادات اعتبارا للخلفيات الثاوية خلف توقيت صياغته كما على مستوى الشكل والمضمون (3).

 

من ناحية الخلفيات (الإجرائية أساسا) التي حكمت صياغة التقرير, يتراءى لنا أنه لا بد من معاودة الوقوف من جديد عند ثلاثة محاور كبرى:

 

+ أولها أن تقرير العام 2003 (كما تقرير السنة 2002) صيغ واختير القائمون عليه وفق دفتر تحملات محدد هو الذي وضع السياق العام, حدد الخطوط الكبرى, بما فيها الخطوط الحمر(4)  وأقام السقف الأقصى للاجتهادات في التحليل وللجرأة في استشراف آفاق المستقبل.

 

هذا أمر يثير حقا بعض القلق حول مصداقية التقرير ويذكي بعض "الشبهة" حول الأسماء المصيغة له كما المشرفة عليه سواء بسواء, حتى وإن دفع البعض بنزاهة الأفراد القائمين على التقرير وتعذر انسياقهم فيما قد لا يعتقدونه أو يؤمنون به (5).

 

بمعنى أنه قد يستطيع المرء تفهم أن الذي يصيغ دفتر التحملات هو الذي من حقه رسم الأولويات و تحديد طبيعة النتائج المراد تحصيلها, لكنه لا يستطيع ذلك بحالة هذا التقرير, إذ كيف بالإمكان استساغة دفتر تحملات صادر عن مؤسسة دولية, تؤدي بها دول المنطقة العربية جزءا من ميزانيتها ولها منهجها وأدواتها ومفاهيمها وتصورها...كيف استساغتها من لدن خبراء وأسماء يشهد لهم بالمنطقة العربية التميز والاجتهاد وسعة الإشعاع؟

بالتالي فكون التقرير قد صيغ, في فلسفته و خلفيته وأدواته, تحت الطلب لا يمكن إلا أن يثير بعضا من التساؤل والتشكيك والقلق أيضا(6).

 

+ الأمر الثاني الذي لا يمكن إلا أن يثير في النفس بعض الغبن والحنق هو أن هذا التقرير المخصص أصلا لإشكال في جزء كبير منه تقني ويحيل على ذوي الاختصاص الدقيق, اعتمد في معظم أوراقه الخلفية على باحثين وخبراء هم أبعد ما يكونوا عن الإشكالية المعروضة حتى وإن كانوا متضلعين في ميادينهم(7).

 

بمعنى أنه باستثناء نادر فرجاني والطاهر لبيب وأنطوان زحلان وحيدر إبراهيم علي ونبيل علي وغيرهم القليل, باستثناء هؤلاء حسب علمنا, لا يوجد بالتقرير من له علاقة مباشرة بما أسماه التقرير " مجتمع المعرفة" لا من قريب ولا من بعيد (8).

 

بالمقابل, لم نجد أثرا يذكر لمهندسين في الاتصالات أو لاقتصاديين في الشبكات أو لمصممي البرامج المعلوماتية أو لمخرجي البرامج التلفزيونية أو للمختصين في النشر الألكتروني وتصميم المواقع الافتراضية أو للكفاءات المتخصصة في النظم المتعددة الأقطاب أوفي الإنترنيت أوفي سواتل الاتصالات والبث عبر القارات أو في اقتصاد المعرفة أو فيما سوى ذلك(9).

 

هذا أمر يشي جدلا بأحد من أمرين: إما أن المنطقة العربية لا تتوفر على كفاءات من فصيلة ما تمت الإشارة إليه (وهي مهاجرة وكان من المفروض استشارتها) وإما أن دفتر التحملات استبعدها جملة وتفصيلا لاعتبارات ليس من الهين الاضطلاع عليها (10).

 

+ الأمر الثالث, الذي لا يمكن حقيقة إلا أن يثير بعضا من البلبلة في النفس, ويكمن في أن أجزاء وفصولا عديدة من التقرير إنما  بدت ولكأنها توسيعا وتمطيطا لما ورد بالتقرير الأول لدرجة يغدو الأمر معها ولكأن التمطيط كان غاية في حد ذاته وليس تفسيرا أو تبريرا لما ورد من إشكالات وقضايا وتساؤلات(11).

 

وهو أمر يمكن التأكد منه بالرجوع إلى الثلاثين صفحة الأولى من التقرير كما إلى الفصل السادس والسابع والثامن والتي كان بالإمكان اختزالها في بضع صفحات أو إفراد فصل لها من بضع صفحات(12).

 

وهو أمر يمكن التأكد منه أيضا بالرجوع إلى العديد من الاستشهادات الجانبية المستقاة من نصوص هذا الكاتب أو ذاك والتي غالبا ما تكون خارج السياق المطروح.

هي علة بنيوية بتقارير الأمم المتحدة لم يتسن لها تداركها بعد (13).

 

نعتقد, بهذه النقطة تحديدا, أن الأمر لم ينحصر عند مستوى التمطيط بل تعداه إلى كون التقرير تعرض في مضامينه لكل شيء وللاشيء في الآن معا. بمعنى أن كل شيء تم عرضه (من التراث إلى شبكة الإنترنيت عالي الصبيب) دونما التعرض لموضوع التقرير بالدقة المطلوبة والتي نراها مثلا في التقارير الأجنبية عن نفس الموضوع...

يبدو لنا التقرير بالتالي ولكأننا بإزاء إيديولوجيا مصاغة على المقاس يجد المرء بصلبها وفي الآن ذاته الأمر ونقيضه متجانبان بل ومتعايشان(14).

 

-2-

 

لو تسنى للمرء, بالمحصلة, أن يسلم بهذه الخلفيات الإجرائية والنواقص العامة (يسلم بها بمعنى يتفهمها ليس إلا),  فإنه لا يستطيع بأي حال من الأحوال أن يتجاوز على العديد من النواقص الشكلية التي شابت التقرير والعديد من نقط القصور التي طاولت مضمونه بأقسامه وفصوله والشواهد المقدمة بجنباته, بل بالعديد من نقط ضعفه على مستوى البناء (15).

 

بهذا الإطار, نتصور أن هناك العديد من مكامن التقصير بهذا التقرير فيما يتعلق بمعالجته للإشكال المطروح بالإمكان سردها هنا دونما إعمال لمبدأ التمييز بين الشكل والمضمون(16).

 

+ أولا عبارة أو كلمة " نحو" المعتمدة بالتقرير توحي فرضا وجدلا بأن لدى القائمين عليه مؤشرات ومعطيات تبين وتدلل على أن المنطقة العربية تسير حقا باتجاه هذا "المجتمع"...في حين أن كل شيء بالتقرير يدل تماما على عكس ذلك: بنى تحتية متردية, إنتاج معرفي غير ذي قيمة كبرى تذكر, سياق سياسي يحيل على الغبن, بنيات ذهنية واجتماعية واقتصادية وثقافية مهترئة, كفاءات مهانة والجزء الكبير منها يهاجر قسرا وقس على ذلك (17).

 

بالتالي لا يمكن للمرء حقيقة أن يستسيغ لجوء التقرير إلى استخدام وتوظيف عبارة   " نحو" في حين أن كل  المنظومة تسير في الاتجاه المعاكس.

 

+ ثانيا, بالدول المتقدمة الكبرى أو المتوسطة حتى (والتي يحيل التقرير ضمنيا على تجاربها), نادرا ما نجد تعبير " مجتمع المعرفة", بقدر ما نجد تعابير من قبيل مجتمع الإعلام أو مجتمع الاتصال أو غيرها... حتى  مجتمع التواصل, الذي ازدهرت الأدبيات حوله أواسط القرن الماضي, لم يعد أحد يتحدث فيه على اعتبار تقدم قيم الفردانية والوحدانية والانغلاق على الذات وما سواها.

بالتالي, فمن المبالغة حقا أن يتحدث التقرير عن مجتمع للمعرفة بالمنطقة العربية حيث تنتفي على العديد من أقطارها صفة المجتمع ناهيك عن صفة الدولة أو الأمة بحكم طبيعة تكون ذات الأقطار وضعف المقومات البانية لذلك(18).

 

هذا إشكال حقيقي فيما نعتقد, إذ الدول المتقدمة التي عاشت الثورة الزراعية والصناعية والفكرية والفلسفية والتكنولوجية وما سواها لا تتحدث عن ذلك, في الوقت الذي يستفيض فيه التقرير بإزاء دول لم تعش ذلك إطلاقا ولا وفرت التربة الكفيلة باستنباته.

 

التقرير, على هذا الأساس, إنما يدفع بأحد من أمرين: إما أنه يرفض "المرحلية" ويستشرف إقامة هذا المجتمع حتى في إطار بنيات بدوية, زراعية وما قبل صناعية. وإما أنه موجه إلى فئة محددة من أصحاب القرار لا تؤمن بأطروحة المرحلية وتتبنى مبدأ "حرق المراحل", وهو ما لا نجد له تأطيرا دقيقا بالتجربة التاريخية(19).

 

+ ثالثا, هناك مفارقة كبيرة بالتقرير قياسا إلى واقع الحال: هذا المجتمع بالدول المتقدمة هو محصلة لحركية كبرى امتدت لعدة عقود...هو نتيجة مسلسل أفرز التقدم والحداثة, في حين أن التقرير يتعامل معه كنقطة بدء أي أن بلوغ ذات المجتمع هو نقطة البدء والمدخل لبلوغ التقدم والحداثة.

وهو اعتقاد خاطئ, حسب زعمنا, يشي بأن القائمين على التقرير لم يستحضروا كثيرا ما راج ويروج حولنا من تجارب في هذا الباب(20).

 

+ رابعا: لا يستطيع المرء أن يستسغ جيدا كيف أن التقرير يتحدث عن مجتمع للمعرفة في قفز منهجي كبير على "اقتصاد المعرفة"(21) الذي يكون له البنية المادية والركيزة , وأيضا في إغفاله لمفهوم الشبكة الذي هو نقطة البدء لإقامة ذات المجتمع في شكله كما في مضمونه.

 

ولعل السر في ذلك كامن في  غياب التحديد الدقيق لمفهوم " مجتمع المعرفة" وجعله وعاء يضم كل شيء ولا شيء في الآن معا(22).

 

مجتمع الإعلام والاتصال الحالي, كما نستقرأه من التجارب المتوفرة, هو بنية شبكية واسعة تضم أساسا وحصرا قطاع الاتصالات والمعلوميات والسمعي-البصري, تتنقل المعارف والبيانات بصلبه بسرعة عالية, تضمن التفاعلية بكلا الاتجاهين ومنظمة للمجتمع في إطار ما يسميه مانويل كاسطيلس ب"المجتمع الشبكي"(23).

 

أين المنطقة العربية من هذه الشبكة؟ أين الأقطاب التكنولوجية التي هي قاطرة هذا المجتمع؟ أين جيوب الإبداع التكنولوجي التي من شأنها تصميم البرامج والأعتدة والخدمات؟ أين الطرق السيارة؟ أين سياسات إعداد التراب الوطني؟ أين المضامين؟

هذه أسئلة لا يجيب عنها التقرير, فكيف الحديث عن مجتمع إعلام واتصال أو عن مجتمع للمعرفة في غياب الأرضية المادية الفعالة والناجعة؟

 

+ خامسا: بمعظم التقارير والدراسات المتعلقة بمجتمع المعرفة أو مجتمع الإعلام أو مجتمع الاتصال...تتم الإشارة إلى هذه "المجتمعات" كمفاهيم وكبراديغمات, في حين نجد أن تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2003 لا يتعامل معها إلا كمعطيات, كوحدات قارة لا منظوم نظري عام يحكمها...وهو ما يشي, في اعتقادنا, بأنها طارئة على المنظومة وليست جزءا منها عضويا. هي مستوردة كخطاب ولا يمكنها التموطن إلا إذا أضحت عنصرا من المنظوم القائم أو المراد قيامه(24).

 

+ سادسا: لم يبين التقرير كيف بالإمكان إقامة هذا المجتمع وجل مقوماته المادية واللامادية (أجهزة وبرامجا, بنيات ناعمة وخشنة) مستوردة وتخضع أطراف معادلتها (نوعا وسعرا) لسلوكيات الشركات الكبرى والدول الثاوية خلفها.

بالتالي, فالسؤال المغيب بالتقرير إنما يتراءى لنا كامنا في كيفية وسبل إقامة هذا المجتمع دونما توفر الحد الأدنى من الاستقلال التكنولوجي والقدرة الذاتية على تحديد الاسترتيجيات التكنولوجية؟(25).

 

+ سابعا: التقرير تحدث عن الإكراهات الخارجية وظروف الإحباط الداخلية وركز بالأساس على العوامل الداخلية...وهو أمر قائم وحقيقي, لكنه غير كاف لفهم آليات اتخاذ القرار في العلاقات الدولية. فالولايات المتحدة وبريطانيا أفشلا مشروع النظام الإعلامي العالمي الجديد بداية ثمانينات القرن الماضي واستنكفتا عن بيع التكنولوجيا المتطورة للدول النامية وحالا دون نجاح بعض من هذه الدول في إقامة منظومات لإنتاج التكنولوجيا وهكذا.

 بالتالي, فالتقرير لم يضبط جيدا جدلية الداخلي والخارجي واستسهل جلد الذات بنسبة كبيرة قياسا إلى سلوك الخارج(26).

 

+ ثامنا: هناك, بالتقرير, حديث مستفيض عن ضرورة بناء هذا المجتمع وقد أسس لذلك بالعديد من الاستشهادات ونحن لا نتحفظ على ذلك كثيرا, لكنه لم يبين لنا عمليا من الذي من المفروض أن يقوم على هذا البناء: هل السياسات العمومية (أعني الدولة) أم القطاع الخاص الداخلي والأجنبي, أم صيغة من صيغ التزاوج فيما بينها مجتمعة تضمن التكاملية والانسجام؟

 

هذا إشكال حقيقي وجوهري لم يثره التقرير بما فيه الكفاية قياسا إلى التجارب المتوفرة سيما وأن الدولة والسياسات العمومية بالدول المتقدمة هي التي وضعت أسس هذا المجتمع فعمدت إلى ربط المدارس والجامعات والمستشفيات والإدارات وما سواها بالشبكات وضمنت للأفراد والجماعات البلوغ والنفاذ لبنوك المعطيات.

 

إذا قلنا(في حال المنطقة العربية) الدولة, فالدولة مطالبة بالانسحاب ودورها يتقوض تدريجيا ووظيفتها في تراجع مستمر. وإذا قلنا القطاع الخاص الداخلي, لاحظنا ضعفه وانتهازيته وبحثه عن الريع والربح السريع. وإذا قلنا الاستثمار الأجنبي, فهذا ممركز بمناطق العالم الصاعدة.  وإذا قلنا بعضا من هذا وذاك (على شكل تحالفات مثلا), فهذا يفترض استراتيجيات واضحة وبرامج عمل مضبوطة وهي كلها أمور غير متوفرة لم يشر لها التقرير بالتفصيل(27).

 

+ تاسعا: يتحدث التقرير عن بعض الظواهر الكبرى القائمة, لكنه غالبا ما يسلخها عن السياق العام الواردة في ظله على اعتبار أن السياق أهم من النص كما يقال.

فظاهرة الهوة الرقمية مثلا,  صيغت في محيط محكوم بسياقه الخاص ومرجعياته ومستوى التقدم القائم بداخله, كيف للتقرير أن يتبناها قلبا وقالبا دونما ضبط لحركيتها في الزمن والمكان ودونما تمثل لخلفياتها؟

 

هناك, بالمنطقة العربية, هوة كبيرة بين المرتبط بشبكة الإنترنيت من جهة وبين من لا ارتباط له بها إطلاقا من جهة ثانية...في حين أن هذه الهوة لا تقاس بالدول المتقدمة بالارتباط فحسب,  بل وأيضا بمزايا وسرعة النفاذ للمعلومات (صبيب الارتباط وجودة الخدمة وغيرها) (28).

 

هذا إشكال حقيقي ومركزي لم يتسن للتقرير معالجته بالدقة المطلوبة. إذ المفاهيم غير قارة وغير ساكنة بل تتحرك بهذا الميدان بسرعة كبيرة لا يمكن الاطمئنان إلى استخدامها كأدوات للتحليل (29).

 

+ عاشرا: عندما يتحدث التقرير عن الإكراهات التي تواجه مسألة البحث العلمي, فهذا أمر قائم وموضوعي ومهم, لكن الأهم من ذلك ربما إنما العوائق المقامة أمام الإبداع التكنولوجي من مختبرات وأعتدة تجريب وتسويق براءات الاختراع وما سوى ذلك وهو ما لا نجده إلا جزئيا بالتقرير(30).

 

بالتالي, فهجرة الأدمغة مثلا لا ترهنها فقط إشكالية البحث العلمي, بل أيضا وبالأساس مسألة الإبداع التكنولوجي, وهو ما تجد هذه الأدمغة فضاء لتقييمه بالغرب بجامعاته وبمراكز بحوثه وبمختبراته(31).

 

+ حادي عشر: التقرير لم يتحدث ولم يحدد الضمانات القانونية الكبرى التي من شأنها الحؤول دون ما قد يترتب عن إقامة هذا المجتمع من إكراهات شخصية وجماعية ومن مضايقات: حماية الحياة الخاصة للأفراد, ضمان الملكية الفكرية, الحاكمية التكنولوجية المرتكزة على المنظومة الخاصة...الخ.

 

 بالتالي فهذه القضايا الإشكالية التي لا يزال النقاش حولها متأججا بالغرب لم تلق من التقرير الاهتمام المفروض اللهم إلا بعض التلميحات... ناهيك عن الإغفال شبه التام لدور المنظمات غير الحكومية في المساهمة في وضع هذه الضمانات والمساهمة في تحديد قواعد اللعبة بشأنها(32).

 

+ ثاني عشر: هناك تركيز بالتقرير على إشكالية البلوغ أو الوصول في إقامة هذا المجتمع, في حين أن الأهم من ذلك فيما نعتقد, هو الاستخدام أو الاستعمال المفضي للتملك.

والاستعمال الذي نعنيه هنا لا يرتبط بالفرد أو بالجماعة, بل أيضا وبالأساس بتموطن ذات الاستعمال واندماجه في المنظومة الثقافية والرمزية القائمة, إذ المهم هو الكيفية التي على أساسها نجعل من الإنترنيت مثلا ظاهرة وحالة اجتماعية بالاستعمال عوض أن يبقى حاجة فردية أو للموضة أو للمباهاة أو لما سوى ذلك(33).

 

 والقصد هنا إنما القول بأننا لا نريد استهلاكا للمعرفة فحسب, بل وكذلك إنتاجا وتوزيعا وتفاعلية في تبادلها...لا نريد الأقراص المدمجة كمنتوج للاستهلاك, نريد تملك صناعة الأقراص بغرض تكريس وتأصيل الممارسة المعرفية (34).

 

وفق هذه الزاوية تحديدا نتساءل: كيف الحديث عن مجتمع للمعرفة بمجتمعات لم تتأصل بها المعرفة ولم تغد بعد سلطة قائمة الذات كما هو الشأن بالنسبة لسلطة الثروة أو سلطة القوة أو لما سواها؟

 

ثم ما  طبيعة علاقة العرب بإشكالية الزمن على اعتبار أن مجتمع المعرفة هو مجتمع السرعة بامتياز وهو مجتمع الآنية والراهنية والمدى القصير. كيف السبيل لإقامة ذات المجتمع بفضاءات لا تعير كبير اعتبار لهذه القيم بل قل هي ضمن آخر المفكر فيه؟(35).

 

هذا إشكال سوسيولوجي حقيقي لم يثره التقرير ولا ألمح إليه حتى وهو مركزي بنماذج مجتمعات المعرفة كما تظهر لنا عند الغرب. نفس الشيء وأكثر بالنسبة لعلاقة العربي بالآلة التي غالبا ما يرفضها لدرجة التكفير لكنه سرعان ما يستأنس بها ويقبل بتواجدها من بين ظهرانيه.

 

+ ثالث عشر: التقرير لم يضع الأدوات والخطط والجداول الزمنية لتنفيذ ما أسماه "إقامة مجتمع المعرفة".

لربما كان المفروض في التقرير أن يضع مدى زمنيا ويقيم ميزانية  تقريبية كفيلة بإقامته ويجتهد في اقتراح المصادر...لكنه اكتفى بالينبغيات العامة والجافة سيما في جانب ما أسماه ب "الرؤية الاسترانيجية" ذات الأضلع الخمسة.

 

ثم أن التقرير, فضلا عن كل ذلك, لم يضع القناطر العملية للانتقال من مجتمعات معرفية قطرية إلى مجتمع للمعرفة عربي على الرغم من التركيز على ذلك بهذه الرؤية(36).

وهذا مكمن خلل كبير بالتقرير فيما نتصور, إذ لا مستقبل لأي مجتمع من هذا النوع في ظل محدودية الفضاء ومجال الفعل والتفاعل.

 

بالتالي, فلو تسنى للمرء جدلا أن يتجاوز عن كل هذه الملاحظات ومكامن التقصير, فإنه لا يستطيع بأي حال من الأحوال التردد في معاتبة القائمين على التقرير كونهم قفزوا منهجيا وعلى مستوى المضمون, على السياسات والآليات والأدوات التي من شأنها تصريف الخطاب الوارد بالتقرير إياه والنتائج التي خلص إليها.

لهذه الأسباب ولغيرها دون شك,  لم أفهم صراحة عن أي مجتمع للمعرفة يتحدث هذا التقرير.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

هوامش

 

(1)- برنامج الأمم المتحدة الإنمائي, الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي, المكتب الإقليمي للدول العربية,  "تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2003: نحو إقامة مجتمع المعرفة", نيويورك, 2003.

 

(2)- لدرجة استنكاف بعض المنظمات الإقليمية عن احتضان حفل تقديم التقريرين (سيما الأول) وحؤول بعض الحكومات العربية دون تداوله أو مناقشة مضامينه.

 

(3)- وهي مستويات سبق لنا التعرض لها في مناسبات سابقة. أنظر في ذلك:

  يحيى اليحياوي, " تقرير التنمية الإنسانية للسنة 2002: قراءة في مقومات مجتمع الإعلام في الوطن العربي", حلقة نقاشية حول " تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2002" , مركز الدراسات الدستورية والسياسية, كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية, جامعة القاضي عياض, مراكش 21 فبراير 2003.

 

(4)- كاكتفائه بمجرد التلميح للدول والحكومات دون ذكرها بالإسم الصريح تجنبا للإزعاج أو للمصادمة ربما.

 

(5)- إذا لم يكن الأمر كذلك فما تفسير احتجاج المستشار طارق البشري على إدراج إسمه بلائحة المساهمين في صياغة التقرير ولم تؤخذ ورقته الخلفية بعين الاعتبار؟

وإذا لم يكن الأمر كذلك ولربما أكثر فكيف قراءة تذمر نادر فرجاني من استشهاد الرئيس الأمريكي بمضامين التقرير لتسويق وثيقته عن "الشرق الأوسط الكبير"؟

 

(6)- سيما وأن التقرير لا ينشر في ملاحقه دفتر التحملات هذا, وقد أشرت شخصيا بهذا الأمر على أكثر من مسؤول ببرنامج الأمم المتحدة الإنمائي...دون جدوى.

 

(7)- إذ باستثناء بعض الأسماء الوازنة القليلة بالجوانب المرتبطة مباشرة بمادة التقرير, لم يبد لنا إدراج بعض الأسماء إلا من باب المجاملة أو للتأثيث أو لإضفاء المشروعية أو للدفع بمبدأ "التنوع في التناول", وهو أمر لا يتراءى لنا سليما في المطلق.

 

(8)- وهو الأمر الذي لربما ساهم في إقحام جوانب عديدة لا علاقة لها بموضوع التقرير كما هو الشأن مثلا بالفصل السادس (ص.111 إلى ص.129) والذي لا يعدو سوى كونه استحضارا لأدبيات لا تصب في ذات الموضوع.

 

(9)- والذين هم عماد مجتمع المعرفة في الشكل كما في المضمون.

 

(10)- والدليل في استبعاد هذه الكفاءات المهاجرة كون التقرير لم يتعرض لإشكالية الدياسبورا ودورها في "إقامة مجتمع المعرفة" الذي يتحدث عنه التقرير.

 

(11)- ويتعلق الأمر بالمقومات التي أكد عليها التقرير الأول ولم يعمل التقرير الثاني إلا على تمطيطها في الشكل كما في الجوهر.

 

(12)- على الرغم من أن الثلاثين صفحة, التي لم تبد لنا ذات قيمة كبرى بالقياس إلى مادة التقرير, كانت خلف تجاهل التقرير ونسبية التعاطف معه. والسر في ذلك لا يكمن في كون ذات الصفحات مهدت للتقرير بل لأنها أشارت إلى احتلال فلسطين والعراق واعتبرته إحدى أسباب تردي التنمية الإنسانية بالمنطقة العربية.

 

(13)- هي كمثل العلة التي يركبها كاتب ما أو باحث فيستشهد بكلامه أو ما صدر عنه ليثبت أمرا أو ليؤكد طرحا. وهو أمر غالبا ما نجده عند بعض من الكتاب العرب "المميزين" الذين لا يسشهدون إلا بما يكتبون أو يعلنون.

 

(14)- ليس الأمر هنا موقفا من الإيديولوجيا كعلم للأفكار بل كمنظومة للتأطير وإعادة صياغة منظومات التمثل لاعتبارات لا علاقة بعالم الأفكار.

 

(15)- لا يخرج تقريرا "التنمية الإنسانية العربية" عن خلفية  ومنهجية ما دأب صندوق الأمم المتحدة الإنمائي على إصداره من تقارير سيما تقارير التنمية الإنسانية العالمية.

 

(16)- على اعتبار أن الشكل جزء من المضمون والعكس بالعكس. أما التمييز بين هذين المستويين فغالبا ما ينبع من اعتبارات منهجية لا بعد تحليلي بصلبها.

 

(17)- راجع في ذلك فصول التقرير المتعلقة بمنظومة البحث والتطوير مثلا والتي ساهمنا بمداخلة حولها باليوم الدراسي الذي نظمه معهد الدراسات والأبحاث للتعريب بتاريخ 23 أبريل 2004. أنظر: يحيى اليحياوي, "منظومة البحث والتطوير: معاينة في مكامن الخلل بالمنطقة العربية".

 

(18)- في حين نرى أن التقرير يتحدث عن المنطقة العربية كما لو كانت وحدة متجانسة وهو ما لا يبدو لنا دقيقا بالمرة.

 

(19)- على اعتبار أن التنمية عملية تراكمية وبنيوية ولا تقاس احتكاما إلى ما يتم استجلابه من تكنولوجيات و"أدوات في الحداثة".

 

(20)- أنظر في ذلك:

Castells.M, « La société en réseaux », Ed.Fayard, Paris, 1998.

 

(21)- على اعتبار أن اقتصاد المعرفة (واقتصاد المعلومات عموما) سابق على مجتمع المعرفة, بان له في المقومات. أنظر في الأول:

Porat.M, « The information economy : definition and measurement », Washington DC, Ministère du Commerce, Bureau des télécommunications, 1977.

 

(22)- للمفارقة, فالتقرير لم يقدم تحديدا لمجتمع المعرفة ولا لطبيعته أو مكوناته واكتفى بالتركيز على مظاهره وتجلياته.

 

(23)- المقصود بمجتمع الإعلام والاتصال هو الحالة التي يغدو فيها إنتاج وتخزين وتداول المعلومات النشاط المركزي للاقتصاد والمجتمع تماما كما كانت الزراعة والصناعة في العهود السابقة هي المحدد لذات النشاط, الموجهة له.

 

(24)- التركيز على البعد المنظومي بهذه النقطة إنما القصد منه أن الانتقال إلى مجتمعات معرفة يمر بداية وقبليا بتكريس مجتمعات الإعلام والمعلومات والاتصال في إطار بنية صناعية ولإنتاج وتداول المعطيات والبيانات والمعارف.

أنظر في ذلك:

Trégouet.R, « Des pyramides de pouvoir aux réseaux de savoirs », Rapport d’information n° 436, Sénat (France), Paris, 1996-1997.

 

(25)- وهو أمر كتب حوله أنطوان زحلان الشيء الكثير, لكن التقرير لم يشر إليه أو أشار إليه بالتلميح.

 

(26)- حتى بحديثه, في الصفحات الأولى, عن تكلفة الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين والأمريكي للعراق.

 

(27)- على الرغم من تحديد التقرير لمحاور رؤية استراتيجية مبنية على خمسة أركان, فإنها غير مؤطرة بجدول زمني ولا ببرنامج عملي قابل للتنفيذ على أرض الواقع.

 

(28)- ما يقال عن مؤشر الارتباط وبلوغ الشبكات يمكن أن يقال عن نسب الاستخدام وجهة الاستعمال والغاية من كل ذلك.

 

(29)- لاحظ مثلا أن ما كان خدمة عمومية بالاتصالات أضحى خدمة " شمولية", أي مقتصرة على الحد الأدنى مما كان من ذي قبل مرفقا عاما كاملا وشاملا.

 

(30)- إذ يتسنى للكفاءات المحلية اختراع مستجدات وتصميم برامج, لكنها غالبا ما لا تجد الإمكانات والسبل لتجسيدها على أرض الواقع اعتبارا لغياب البنية الصناعية الكفيلة بذلك.

 

(31)- أنظر في هذه الإشكالية تقريرا لمجلس الشيوخ الفرنسي حول هجرة الأدمغة:

Poncet. Jean. F(Coordinateur), « La fuite des cerveaux : mythe ou réalité ? » Rapport d’Information, n° 388, Sénat, Paris, 1999-2000.
 
(32)- وهي القضايا التي غالبا ما تثار بإزاء القرصنة المعلوماتية أو الترميز أو التعرض لخصوصيات الأفراد والجماعات بالشبكة دونما قدرة من لدن الدول القومية (أو ما تبقى منها) على مواجهتها.
 
(33)- أنظر في تفصيل ذلك:

El Yahyaoui.Y, « De l’accès à l’usage : éléments pour un débat », Communication au Séminaire International « Libre accès à l’information scientifique et technique : défis et enjeux », Haut Commissariat au Plan, Centre National de Documentation, Rabat, 11-12 Décembre 2003.

 

El Yahyaoui. Y, « La technologie ne renvoie pas uniquement à l’accès mais aussi et davantage à l’usage », Interview au Journal électronique E-Marrakech, 30 Janvier 2003.

يمكن الاطلاع على هذين النصين بموقع المؤلف:

www.elyahyaoui.org

 

(34)- على اعتبار أن ملك الشيء ليس بالضرورة من تملكه أو من القدرة على سبر أغواره.

 

(35)- على الرغم من بعض إيجابيات استبعاد مفهوم الزمن سيما في طقوس التواصل بالمجتمعات القبلية التي تنفر جملة وتفصيلا من العديد من مظاهر الحداثة.

 

(36)- على اعتبار مطالبته بضرورة " تأسيس نموذج معرفي عربي عام, أصيل, منفتح ومستنير" (التقرير ص.171).

 

ضمن الكتاب الجماعي "تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2003", أوراق الندوة الدولية التي نظمها حول التقرير إياه مركز الدراسات السياسية والدستورية, جامعة القاضي عياض, منشورات المركز, مراكش, نونبر 2005.