مشانق الاحتلال: من عمر المختار إلى صدام حسين

 

من التجاوز على حقائق التاريخ حقا، ومن لي عنق السياقات أيضا، أن يعمد المرء إلى إعمال مبدأ المقارنة لينظر فيما يجمع الشهيدين عمر المختار وصدام حسين، أو النظر فيما يفرق بينهما:

 

+ فعمر المختار حارب الاحتلال الإيطالي بجلد كبير لما يناهز عقدين من الزمن، فكان بذلك بمواجهة مباشرة مع الإيطاليين يوجعهم تارات عدة، ويقتلون من رفاقه وأتباعه النفر الكثير تارات أخرى. في حين أن صدام حسين لم يمهله الزمن حتى يرتب المقاومة من حوله، ويعمد إلى مجابهة الأمريكان بالارتكاز عليها أو من خلالها. 

 

كان لعمر المختار سبل تنظيم الجهاد ضد الاحتلال الإيطالي (وكان له الزمن الكافي أيضا)، في حين أسر صدام حسين قبل أن يتسنى له تصريف ما أعده عندما تأكد لديه أن بغداد لا محالة ساقطة بيد الاحتلال الأنجلوأمريكي.

 

+ وعمر المختار كان مطمئنا لمعاضدة شعب بأكمله لما يجاهد من أجله، ولم يكن من بين ظهراني أبناء طينته مرتزقة كثر ولا متآمرين عليه متعددين، فكان رافع لواء جهاد شعب بأكمله والمعبر بامتياز عن مظلومية ندر مثيلها. في حين اشتكى عدد كبير من العراقيين من ظلم صدام حسين وبطشه، فناصبه العداء غرماء له بالداخل ومعارضين له بالخارج، ناهيك عن المرتزقة وعداء بلدان الجوار واستعداءه (عن قصد أو بالتوريط المضمر) لدول كبرى اتخذت من الاستعداء إياه مطية لقلب نظام حكمه والزج بالبلاد في جريرة ذلك، في أتون اقتتال طائفي بدائي، لا تتراءى لنا نهاياته بإعدامه، بل على مذبح من التقسيم الجغرافي البدائي للبلاد.

 

+ وعمر المختار استنبط رمزية الكاريزما من جهاد كان العدو في ظله واحدا، معروفا ومباشرا، في حين أن صدام حسين (لو كان له أن يقود المقاومة) كان سيكون بإزاء عدو أجنبي واحد، معروف ومباشر، لكن أيضا بإزاء أعداء متحصنين به (بالاحتلال أعني)، أو مدعومين من دول الجوار، أو ذوو وظائف ارتزاقية خالصة لا حساب لديهم إلا حساب الغنيمة حتى وإن جرت على البلاد القتل والخراب.

 

كان لعمر المختار (والشعب الليبي من خلفه) عدو واحد، في حين كان وبات لصدام حسين أعداء من كل الأطياف، بل قل إن كل الأطياف ناصبته العداء بمسوغ موضوعي ثابت، أو دونما مسوغ يذكر، اللهم إلا المسوغ المبني على غريزة الثأر الصرف أو ناصية الانتقام الفطري المباشر. 

 

ثمة دون شك أوجه تباين كبرى بين ظرفية الرجلين، والسياقات التي عملا فيها، والمحيط المباشر الذي أثر في فعلهما أو تفاعلهما مع الوقائع والأحداث... يجعل المماثلة بينهما (في الفعل أوالسلوك) أمرا متعذرا بكل المقاييس.

 

وإذا كان من غير المتعذر على المرء إيجاد زوايا تباين عديدة أخرى بين الرجلين طيلة مراحل حياتهما (بجهة أن عمر المختار لم يكن رئيس دولة مثلا، ولا كان صدام حسين رمزا دينيا وما سوى ذلك)، فإن نهاية الرجلين متشابهة لدرجة التطابق في بعض من عناصرها الكبرى:

 

+ فعمر المختار سقط أسيرا من فوق فرسه وألقي عليه القبض وهو محاصر، وبندقيته بعيدة عن مرماه لم يستطع التقاطها، فاقتيد للسجن من أرض المعركة كأسير حرب، وحوكم بقوانين احتلال هو يرفضها ولا يعترف بها، ولم يتلكأ أمام غرسياني (الحاكم العسكري لليبيا) في الجهر بأنه لن يتردد في معاودة محاربة الطليان إن سنحت له الظروف والسياقات.  

 

وصدام حسين اعتقل بدوره (عكس رواية الأمريكان) بعدما حاصرته قوات الاحتلال بضواحي بغداد وهو منهمك في الصلاة وسلاحه بعيد عنه، فاقتيد إلى السجن مكبلا، ليحاكم فيما بعد بقانون وضعه الحاكم الأمريكي برايمر واستقت المحكمة مواده منه، لم يفتأ صدام حسين يطعن فيه ويرفضه، ويدفع بلازمة أنه الرئيس الشرعي للعراق. 

 

+ وعمر المختار قدم أمام محكمة عسكرية صورية سريعة لم يستطع في ظلها الدفاع عن نفسه، في حين اعتبرت هيئة الدفاع عنه متطاولة على " قدسية" المحكمة عندما اعتبر المحامي الإيطالي المنتدب أنه لا يجوز للمحاكمة أن تتم وفق القانون الإيطالي ما دام "المتهم" لا يعترف بكون ليبيا جزءا من إيطاليا.

 

لم يختلف الأمر كثيرا مع صدام حسين حين اقتيد أمام محكمة معين قضاتها ونيابتها من لدن الاحتلال رجحت علانية كفة الادعاء العام، ولم تتوان في استفزاز الدفاع بسبب مرة (تشبت الدفاع بلقب الرئيس في الإشارة لصدام حسين) أو دونما سبب يذكر في العديد من الحالات.

 

صحيح أن لائحة الاتهام الموجهة للشخصين مختلفة أيما يكن الاختلاف، ووتيرة السرعة متباينة (بضع ساعات لعمر المختار، وأكثر من سنة بالنسبة لصدام حسين)، لكن منطوق الحكم في الحالتين معا كان مهيأ وقائما، ولم تعمد "المحاكمتين" إلا على تسويغه وإعطائه بعضا من "المصداقية أمام الجماهير".  

 

+ وعمر المختار حكم بالإعدام شنقا حتى الموت تماما كصدام حسين (وهما معا في العقد السابع من عمرهما لا يفصل بينهما إلا عام أو عامين) ونصبت لهما المشانق قبل أن يتم النطق بالحكم.

في حالة عمر المختار أمر غرسياني من المحكمة الانعقاد للنطق بالحكم، وفي حالة صدام حسين "تنبأ" حكام العراق الجدد بأن الحكم لن يكون بكل الأحوال أقل من الإعدام... وكذلك كان.

 

تم تنفيذ الحكم على عمر المختار غداة صدور الحكم مباشرة، في حين أعدم صدام حسين بعد أربعة أيام من صدور الحكم عليه، ليشنق الأول بالتاسعة صباحا أمام جمهرة من 20 ألف من مواطينه منعوا من البكاء لولا صيحة امرأة كسرت جدار الصمت، وليشنق الثاني بالسادسة صباحا من توقيت بغداد بمقر الاستخبارات العسكرية..."حيثما كان يعدم غرماءه" عندما كان بالسلطة...هكذا قيل ويقال.

 

لم يرتجف عمر المختار وهو ينطق الشهادة. ولم يرتعش صدام حسين والحبل يحاك من حول عنقه. لم يستعطف الأول جلاديه، ولا استغاث الثاني "بحكام العراق الجدد" وهم من حوله مذهولين. لم يختلف الرجلين بهذه الجرئية. إذ بقدر مهابة الرجلين تأتى ضعف جلاديهم يوم الإعدام كما فيما أتى من أيام. 

 

وإذا كان عمر المختار قد دفن بمقبرة سرية لم يعرف مثوى قبره إلا بعد سنين من الزمن على يد من وارى جثمانه، فإن الأمريكان قد عمدوا إلى تسليم جثة صدام حسين إلى عشيرته ليدفن من بين ظهرانيها بعدما فتحوا له بيت عزاء...هما شنقا معا للعبرة فقط حتى بعلم الاحتلالين أن المشانق تنصب للصوص وقطاع الطرق ولا تقام للرموز والشهداء.

 

ما الذي أفاده إعدام عمر المختار لإيطاليا؟ وفيم سيفيد شنق صدام حسين؟

 

لم يهنأ الاحتلال الإيطالي هنيهة، إذ سرعان ما تجدد الجهاد على يد أتباع عمر المختار ليجبروا إيطاليا فيما بعد بقليل من السنين على الاندحار والاعتراف باستقلال ليبيا...ولن يفيد اغتيال قوى الاحتلال الأمريكي للرئيس صدام حسين، إذ في أعقابه ستفتح المواجهة مع الأمريكان دونما سبل للعودة...

 

وإذا كان من قدر الرجلين أن يعدما شنقا من لدن قوى احتلال فاشية في حالة عمر المختار واحتلال لا يقل عنه فاشية في حالة صدام حسين، فإن الرجلين أضحيا جزءا ليس فقط من التاريخ الوطني المستمر، بل باتا دون منازع جزءا من ذاكرة جمعية لن تفنى...

 

رحم الله الشيخان المجاهدان، ونخالهم صدقا ضمن الأبرار والشهداء.

 

يحيى اليحياوي

الرباط، فاتح يناير 2007