"الرئيس/الشهيد
صدام حسين في
ذكرى اغتياله"
بفجر
عيد الأضحى من
العام
الميلادي 2006, اقتيد
الرئيس/الشهيد
صدام حسين تحت
جنح الظلام,
مقيد اليدين
والرجلين,
لدرجة لم يقو
الرجل معها
على الحركة
إلا بعسر شديد,
اقتيد من لدن
ثلة من
الملثمين,
لتنفيذ حكم
الإعدام فيه,
على خلفية من
"إدانته" في
أحداث الدجيل,
لبداية
ثمانينات
القرن الماضي.
لم
يكن الشهيد
مستور الوجه,
ولا مرتديا
لثياب الإعدام,
ولم يكن
خائفا,
مرتجفا, ولا
مرعوبا مستعطفا
جوقة
المحتشدين من
أمامه ومن
خلفه. ولم يكن
متلعثما في
رده على
شعارات
الغوغاء من
حوله, ولا كانت
نبرات صوته
متقطعة في
نطقه
للشهادتين.
لقد كان ثابتا,
صلبا كجلمود
الصخر,
مترفعا,
متحديا الموت,
غير آبه بمصير
جسد تخلص منه
من مدة, ولا
مكترث بقدر
محتوم, كان
يدرك أنه متأت
من خلفيات
ضغينة وثأر,
ومحكوم
بترسبات
طائفية
متجذرة. إنه,
وهو شامخ
الوقفة
والمظهر, ليذكر
بالشهيد عمر
المختار, الذي
لم يأبه هو
الآخر بالمشنقة
وهي حول
رقبته, بل
تحداها
برباطة جأش,
تماما كما
تحدى الجيوش
الفاشية
لأكثر من
عقدين من
الزمن.
إن
تنفيذ حكم
الاغتيال في
الرئيس/الشهيد,
صبيحة يوم
العيد الكبير,
لم يكن مدانا
فقط لكونه تزامن
واستعداد الملايين
من المسلمين
لإحياء سنة
إبراهيم
الخليل, داخل
بلدانهم أو
بإحرامهم
بمكة, ولكن
أيضا لأن ذات
التزامن كان
مقصودا, ومرتبا
له بدقة,
لإهانة مليار ونصف
مليار مسلم,
حرم عليهم
ربهم في هذا
اليوم
بالتحديد,
تجنب أخف
الذنوب, فما بالك
بالكبائر.
لقد
قلنا, في
أعقاب عملية
الاغتيال
وبصددها, بأنه
ما كان
للعملية
إياها أن تتم
لولا إشارة
واضحة من
الأمريكان, هم
الذين كان
الشهيد بمعتقلاتهم,
وهم الذين
"أهدوه" لفرق
الموت, وهم
الذين
استلطفوا
واستحبوا
بقوة عملية الاغتيال
صبيحة العيد,
وهم الذين
سلموه لعشيرته,
لا بل إن
الرئيس بوش
ذاته, هو من
أذن بنقله
بطائرة
عسكرية
أمريكية لدفنه
بقريته, بعدما
لم يرجح الرأي
بدفنه بمكان
سري ومجهول.
إننا
اليوم, وبعد
مرور عامين
على الجريمة,
مقتنعون أشد
ما يكن
الاقتناع, بأن
الأمريكان هم
الذين
اغتالوا
الرئيس صدام
حسين, وأن
حكومة
الاحتلال
ببغداد, لم
تكن إلا أداة
التنفيذ
والجريمة ليس
إلا. بالتالي,
فإن
المسؤولية
الجنائية
والأخلاقية في
فعلة
الاغتيال, ثابتة
بحق
الأمريكان,
ولم يكن
بمستطاع
حكومة الاحتلال
النيل منه, لو
تمنع
الأمريكان في
تسليمه, بذريعة
من لدنهم, أو
دونما ذريعة
حتى. أليسوا
هم المسؤولون
قانونيا على
البلد
المحتل؟
لم
يكن
الأمريكان
يتغيأون من
استعجال
الاغتيال, دفن
حقائق كان من
شأن إفشاء
الرئيس/الشهيد
لأسرارها,
فضحهم
وإحراجهم
أمام العالم,
بل كانوا
يراهنون بذات
التسريع على
إجهاض مد
المقاومة
المتصاعدة,
والتي كان
صدام حسين
رمزا من رموزها,
حتى وهو قابع
بالسجن, لا
يعرف من
مجريات
الأحداث
الشيء الكثير.
وإذا
بات من الثابت
من تاريخه, أن
المقاومة لم
تتوقف يوما,
ولا تماهت مع
خطابات
"العراق الجديد",
فإن عملية
الاغتيال في
حد ذاتها,
كانت إيذانا
بانطلاق
مشروع الردة
على المشروع
الوطني, الذي
ثوى خلفه
الرئيس/الشهيد,
وعمل على
تجسيده على
الأرض:
+
فالحكومة
التي نفذت
الاغتيال,
شكلت على أسس
محاصصة
طائفية مقيتة,
قسمت بموجبها
المناصب
والامتيازات
والغنائم,
وبات بظلها
لكل طائفة
جيشا,
وميليشيات,
وجبايات,
وحدودا,
وقوانين
عرفية قائمة
ومفعلة,
وفضائيات
وجرائد, لا بل
بات القتل
والاحتراب والتناحر
مرتكزا عليها
(على المحاصصة
أقصد) أيما
ارتكاز, تارة
باسم
"المظلومية
التاريخية",
وتارة باسم
"الخشية من
عودة رعب
الماضي", وتارات
عديدة أخرى
تحت مسوغ "الذود
عن الحرمات",
والدفاع عن
المقدسات, وما
سوى ذلك.
لم
يكن صدام حسين
طائفيا, ولا
عنصريا, ولا
مقدم مذهب على
مذهب (حتى أنه,
وهو السني
المعروف, كان
محاطا بمجلس
القيادة,
بغالبية
شيعية وعناصر
مسيحية, ومن
الأكراد أيضا),
لم يكن كذلك
بالمرة, بقدر
ما كان منشدا
صلبا للوحدة
الوطنية, التي
تذوب من بين
ظهرانيها,
الأعراق
والأجناس
والطوائف
والمذاهب.
وبقدر نشدانه
الوحدة لدرجة
الإدمان ربما,
كان قاسيا
بإزاء من يتجاوز
عليها, أو
يساوم على
حسابها, أو
يتآمر عليها
مع الأغيار,
أو يقدم عرقه
أو طائفته أو
مذهبه, عليها.
لذلك, فبمجرد
اغتياله, بلغت
الردة على ذلك
أشدها, على
مستوى الشكل,
كما على مستوى
الجوهر.
+
والبرلمان,
برلمان
المنطقة
الخضراء, لم
يعمد بجرة
قلم, إلى
تشريع التقسيم,
تحت مسمى
الفيديرالية,
ويعتمد ذات
التقسيم على
أساس من العرق
والمذهب, بل
شرع لمحافظات
ذات
الفيديرالية
قانونا, يمنحها
سلطات في
القرار
تتجاوز على
المستوى المركزي,
ليعطيها
بالوظيفة
والدور, صلاحيات
الدولة داخل
الدولة, لا
يمكن الطعن
فيما يصدر
عنها, أو
المزايدة
عليها بمنطوق
"الدستور
الجديد" ذاته.
لم
يكن صدام حسين
يوما من ذات
السلالة, ولا
آمن بعراق آخر
غير العراق
الواحد
الموحد,
للدولة
المركزية بصلبه
(سيما بجهة مشاريع
بناء مقومات
الدولة)
القول/الفصل
في الحال
والمآل. صحيح
أنه كان واعيا
بالهوية الكردية
القائمة
والجامحة,
فمنح الأكراد
حكما ذاتيا
موسعا, لكن
دونما أن يصل
ذلك لحد الإغراء
بتطلع انفصال
الإقليم عن
الجسد/الأم.
كان
الرئيس/الشهيد
متعصبا لعراق
واحد, موحد,
قوي بثرواته
والعطاء
الذاتي لأبنائه,
ثري بتنوع
بشره
وجغرافيته
وثقافاته,
متميزا في فروعه
كما في
الروافد. وعلى
أساس إيمانه
بذلك اغتيل,
لتبدأ الردة
من بعده في
أبشع صورها.
+
أما مجلس
الرئاسة
الثلاثي
اللون
والأضلع, فلم
يختص فقط في
تسويغ قرارات
تأتيه جاهزة
ومرتبة, بل
عمل على شرعنة
ممارسات دولة
الاحتلال,
بالتبني
الصريح
الصارخ, أو
بالإيحاء
إليه من على
بعد, أو
باستبعاده
بالمطلق, كما
في حالة إعدام
الرئيس/الشهيد,
دون استشارته,
أو طلب مصادقة
أعضائه.
لم
يكن صدام حسين
رئيسا دمية,
ولا كان, وهو
بأعلى هرم
السلطة,
يستسيغ تعدد
مستويات
القرار, بل
كانت
كارزميته الشخصية
كافية لترتيب
الوقائع,
وصياغة
الإيقاع بكل
مناطق وجهات
العراق. لذلك
اغتيل, إذ كان
الأمريكان
يدركون أن ذات
الكاريزما هي
عنصر قوة وجلد
العراق, لا بل
ولربما مصدر
مناهضة كبرى,
لم يكن للقطب
الأوحد أن
يقبل بها,
بالجملة
والتفصيل.
إن
صدام حسين كان
صاحب قرار بامتياز,
وكان صانع
قرار مستقل
أيضا. يتحرك
بحساب, يجاهر
بالقول في
حينه, ولا
يتردد في
الإقدام, ثم
في تحمل
المسؤولية
كاملة. لذلك,
فعندما اعترف
بأن العراق قد
دمر كل ما كان
يملك من
"أسلحة دمار
شامل", ونفى
علاقته
بتنظيم
القاعدة,
واعترف
علانية (حتى
وإن كان غير
مقتنع داخليا)
اعترف بسيادة
دولة الكويت,
لم يكن من باب
المناورة أو المكر,
بل كان عنوان
صدق ودليل
مسؤولية كبرى.
يكفي المرء هنا
أن من "حوكم"
أو لا يزال "يحاكم"
من رفاقه, لم
يتجرأ, والرجل
بدار البقاء,
لم يتجرأ على
الطعن في
صدقيته أو في
وطنيته, لا بل
إن الملايين
من العراقيين
(بما فيهم
أهالي الدجيل
أنفسهم)
يتحسرون
اليوم بقوة,
على زمنه وعلى
نظام حكمه.
إننا
اليوم, في
ذكرى رحيل
الشهيد/البطل,
نعاود
التأكيد من
جديد, على أن الرجل
لم يغتل كونه
كان محتكما
على أسلحة في
الدمار
الشامل, من
شأنها تهديد
حال العالم
ومستقبله, ولم
يغتل لأنه
"اضطهد" جزءا
من شعبه, بسبب
موضوعي, أو
دونما أسباب
تذكر يقول
البعض. ولم
يغتل لأنه كان
ديكتاتورا
بالسلطة, وهي
"تهمة" لم ينفها
الرجل ولا
تبرأ منها, بل
برر لها
بالمنطق والسياق.
إنه
اغتيل لأن
رجلا من طينته
لم يعد له من
مكان يذكر,
بزمن بات
للأمريكان ترتيبات
جديدة
بالمنطقة,
يحتاجون
بظلها إلى
"حكام"
مطواعين,
منفذين,
يأتمرون
بالأوامر
دونما ممانعة
أو تمنع, ولا
عقدة لديهم
مما قد يكون
كرامة أو
سيادة أو
استقلالا.
إنه
زمن يريد
الأمريكان
بظله أن
يحولوا
الإهانة
الشاملة إلى
قيمة فضلى,
والتواطؤ إلى
خاصية
إيجابية في حد
ذاتها. يكفينا
اليوم
للتدليل على
ذلك, تصريح
الرئيس
الأمريكي, وهو
على بعد أيام
معدودات لمغادرة
السلطة: لقد
بنيت حربي على
العراق على "معطيات
استخباراتية
خاطئة".
إنه
بهذا
الاعتراف, لم
يهن جهاز
الرئاسة الأمريكية
وهيبتها فحسب,
إنه أهان
القانون
الدولي, وأهان
الأمم
المتحدة, وأهان
ملايين
العراقيين,
الذين دمرت
بلادهم تدميرا
ممنهجا, أو
قتلوا أو
عذبوا أو
شردوا أو هجروا...ناهيك
عن إهانة حكام
عرب, أيدوه في
فعلة الغزو وزينوها
له, وقدموا له
القواعد
والأجواء
والبحار, وتواطئوا
معه بحربه على
العراق,
وصفقوا له سرا
وعلانية, وهو
يأذن باغتيال
الرئيس يوم
عيد مقدس, لا
بل منهم من
طالب بتسريع
التنفيذ,
وتشفى في
الشهيد, ودمه
لم يجف بعد.
إن
لعنة صدام
حسين ستطارد
جورج بوش في
حله وترحاله, ستقض
مضجعه, وتخلق
له الكوابيس
في صحوته كما
في منامه, ولن
يكون بمقدوره
التطهر من
جريمته, إلا
بالاعتذار
لشعب العراق
وتعويضه,
والتسليم
بأنه كان حقا
وحقيقة بحربه
على العراق
وباغتياله
للرئيس/الشهيد,
مجرم حرب
بامتياز,
يستاهل
المساءلة
والقصاص.
رحم
الله صدام
حسين المجيد
في ذكرى لقاء
ربه, ونخاله
والناس
بالبيت الحرام
خاشعين,
مطمئنين, ضمن
الصديقين
والبررة والشهداء.
قال
الرسول صلى
الله عليه
وسلم: "ما من
عبد قال لا
إله إلا الله
ثم مات على
ذلك إلا دخل
الجنة".
وقال عليه
الصلاة
والسلام: "من
كان آخر كلامه
لا إله إلا
الله دخل
الجنة".
هنيئا
لصدام حسين
تلفظه
بالشهادة قبل
لقاء ربه.
يحيى
اليحياوي
الرباط,
8 دجنبر 2008