"مفاعل" دير الزور

 

 

في السادس من شتنبر من العام 2007, أقدم سلاح الجو الإسرائيلي على شن غارة غامضة على موقع بمنطقة الدير بصحراء سوريا, لم تصدر بأعقابها دولة إسرائيل بيانا للتبني, ولا بلاغا لنفي المنسوب إليها, فيما أصدرت الخارجية السورية بيانا تؤكد فيه خبر استهداف طائرات أجنبية ل"مبنى عسكري صغير", دونما تفاصيل محددة أخرى تذكر.

 

ليس من عادة إسرائيل أن تتكتم على كذا "إنجازات", بل لطالما تفاخرت بنجاح مخابراتها وجواسيسها في اختراق هذا الحصن المنيع, أو ضرب ذاك الهدف البالغ السرية, أو اصطياد هذا "الغريم المتخفي" أو ذاك. إلا أنه بحالة دير الزور, استنكفت عن ذات السلوك لغايات محددة دون شك, لعل ما راج بشأن أحدها الحؤول دون إثارة واستفزاز الرئيس السوري, ودفعه, إن تقصدت إسرائيل إهانة نظامه عنوة, إلى رد فعل عسكري من لدنه, تدرك إسرائيل أنها لا يمكن أن تخرج منه سالمة بالمرة, على الأقل بمقاييس الخسارة والربح المعهودة بالحروب التقليدية.

 

بعد ثمانية أشهر على ذلك, أكد مسؤولو المخابرات الأمريكية (وأجهزة إدارة بوش أيضا) حادثة الغارة, وتحدثوا "عن ثلاث مسائل لديهم قناعات بدرجات متفاوتة في شأنها. وقالوا إن الاستخبارات الأمريكية على درجة كبيرة من الثقة, بأن المنشأة التي قصفها الإسرائيليون كانت مفاعلا نوويا. وتعتقد بدرجة متوسطة من الثقة, بأن الكوريين الشماليين ساهموا في بنائها. كما أكدوا أنهم أقل ثقة بأن بلوتنيوم, جاء من كوريا الشمالية من أجل المفاعل, هو مخطط لأسلحة نووية, موضحين أن عدم العثور على عناصر أخرى من برنامج عسكري, مثل مصنع لإعادة معالجة البلوتنيوم, يجعلهم أقل ثقة بأن البلوتنيوم مخصص لأسلحة نووية".

 

واستدل هؤلاء على قولهم هذا, بصور تحصلوا عليها من "عميل لهم بعين المكان", تبين بناء درع لقلب المفاعل, وقضبان لأجهزة التحكم, وقنوات للتزويد بالوقود في الجزء المرتفع من المفاعل...وهي مواصفات, يتابع هؤلاء, شبيهة بمواصفات المفاعل النووي الكوري الشمالي في يونغبيون, الذي ينتج البلوتنيوم. لا, بل ذهبوا لحد عرض صور لرئيس المشروع النووي السوري مع خبير نووي من كوريا الشمالية, واستأنسوا بردهات الكونغرس, بمعارضين سوريين أتوا بهم "للتزكية", تماما كما كانوا يأتون بعملاء من قبيل أحمد الجلبي وكنعان مكية وغيرهم, في سياق تحضيراتهم لغزو العراق واحتلاله.

 

يقول بيان البيت الأبيض: "نحن مقتنعون بناء على معلومات متنوعة, بأن كوريا الشمالية ساعدت سورية على إجراء نشاطات نووية سرية, وأنه حتى السادس من شتنبر 2007, كان النظام السوري يبني مفاعلا نوويا سريا في الصحراء الواقعة في شرق البلاد, كان قادرا على إنتاج البلوتونيوم"...وأن المفاعل النووي لم يكن يستهدف غايات سلمية، بل عسكرية صرفة, وأن سوريا لم تعلم الوكالة الدولية للطاقة الذرية بوجوده.

 

ما زاد من"مصداقية" الأطروحة الأمريكية, زعم هيئة الإذاعة والتلفزة اليابانية (نقلا عن مسؤولي مخابرات في كوريا الجنوبية كما زعمت) أن "عشرة خبراء كوريين شماليين يشاركون في بناء مفاعل نووي مشتبه به في سوريا, ربما لقوا حتفهم خلال الغارة الإسرائيلية على الموقع في دير الزور, في شتنبر الماضي".

 

لم يعد ثمة من شك يذكر إذن, في أن إسرائيل هي التي قصفت الموقع "السري", وأن تكفل المخابرات والإدارة الأمريكية بتسويغ الأمر, بعد مرور أكثر من نصف عام, لم يتأت من إجبارية إخبار الكونغرس التي يشترطها القانون الأمريكي, بل يدخل بتصورنا, في إطار توزيع الأدوار بين الإسرائيليين والأمريكان, بهذه الواقعة كما بالعديد غيرها.

 

وعلى الرغم من ادعاء الأمريكان بأنهم لم يكونوا على علم مسبق بما كانت إسرائيل مقبلة وعازمة على القيام به, ولا أعطوها "الضوء الأخضر" لذلك, فإن المؤكد قطعا أن الولايات المتحدة لم تكن بمنأى عن العملية لا في فكرتها ولا في تفصيلاتها, ولا في التوقيت المحدد لتنفيذها على الأرض:

 

+ فإسرائيل لا تستطيع الإقدام على عمل من هذا القبيل وبهذا الحجم, إذا لم تضمن التواطؤ السياسي الأمريكي, بجهة درء التداعيات المحتملة, أو الحيلولة دون إفساد ما قد تكون الولايات المتحدة ذاتها عازمة عليه, أو ترتب له الأوراق والأجندات. ولها بهذه الزاوية, زاوية سوريا, أكثر من ورقة وترتيب, حتى وإن تعددت الأجندات لديها, وتباينت التوقيتات.

 

+ وإسرائيل لا تستطيع المجازفة بطياريها وب"سمعتها", إذا لم توفر لها الإدارة الأمريكية السند اللوجيستي, والخبر اليقين المتأتي من صور أقمار التجسس, أو من العملاء بعين المكان. وقد أكدت شبكة آرتز شيف العبرية أن وحدة من قوات المشاة الخاصة الإسرائيلية, تمركزت في العراق قبل بضعة أسابيع على الغارة, بمعرفة قوات الاحتلال الأمريكية. وأكدت أيضا "أن الجيش الأمريكي أعطى القوة الإسرائيلية الضوء الأخضر, وقدم لها المساعدة للتسلل إلى داخل الأراضي السورية مطلع شتنبر, والوصول إلى الموقع المستهدف".

 

+ وإسرائيل تدرك, فضلا عن ذلك, أنها لا تستطيع بلوغ الهدف من هضبة الجولان التي تحتلها, لتعذر ذلك عمليا, فاختارت الحدود العراقية/السورية المواتية, لتدخل وحدة تابعة للمخابرات الإسرائيلية عبرها, وتضع علامات خاصة عند الموقع, لتتمكن الطائرات الإسرائيلية من رؤيتها بجنح الظلام...وقد ساعدتها في ذلك قوات من البشمركة الكردية, المتمرسة على تضاريس وجغرافيا المنطقة.

 

قد لا يكون من الأهمية الكبيرة, الوقوف هنا عند مدى تنسيق الأمريكان مع الإسرائيليين بهذه النازلة, لكن المثير للغرابة حقا إنما تكفل الأمريكان بتقديم بعض معطيات الواقعة, وتشبثهم (لدرجة "الإتيان" بالحجج والدلائل) بأطروحة أن ما قصفته إسرائيل بدير الزور, إنما كان مفاعلا نوويا تحت الإنشاء, على الرغم من تكذيب سوريا على لسان الرئيس الأسد, ومندوب بلاده بالأمم المتحدة, وسفيرها بأمريكا, وممثلها بوكالة الطاقة الدولية.

 

يقول الرئيس السوري: "هل من المعقول أن نشيد موقعا نوويا في الصحراء, وليس محميا بالمضادات؟...موقع نووي تحت رؤية الأقمار الصناعية وفي وسط سوريا, وفي مكان مفتوح...؟ إننا لا نريد القنبلة النووية لو امتلكتها إيران".

 

إن صور واشنطن, تؤكد الصحافة السورية, يستحيل أن يقبل بها أهل الخبرة, "فكل ما فيها لا يتعدى كونه مبنى قيد الإنشاء, ويتناقض مع أي تصميمات مفترضة لموقع نووي". إنها مناورة شبيهة بالمناورات التي سبقت الحرب على العراق...إنها صنيعة خالصة للمخابرات بفضل التقنيات الرقمية, يقول السوريون. ف"عدم وجود منشأة لفصل البلوتونيوم ومنشأة لتركيب السلاح, يضعف الزعم بأن المفاعل أقيم كجزء من مشروع نووي عسكري فاعل...ثم إنه لا دلائل البتة على وجود يورانيوم مخصب في سوريا, أو حتى وجود منشأة لتخزينه، وهي مقومات ضرورية من أجل تشغيل مفاعل".

 

إن تضخيم "مفاعل" دير الزور (لدرجة ذهاب مايكل هايدن, مدير المخابرات المركزية الأمريكية لدرجة القول: "إن مفاعل البلوتنيوم كان أمامه أسابيع أو أشهر معدودة, ليكتمل إنشاؤه, وإنه خلال عام من تشغيله, كان يمكنه إنتاج مادة تكفي على الأقل لسلاح واحد سنويا"), هذا التضخيم لا يوازيه إلا تضخيم أسلحة الدمار الشامل "العراقية", التي ادعى رئيس الوزراء البريطاني توني بلير, أنه بمقدورها مطاولة بريطانيا في أقل من أربعين دقيقة.

 

من جهة أخرى, فإن صمت الولايات المتحدة, طيلة الثمان أشهر الماضية, ثم تحمسها اليوم للدفاع عما قام به سلاح الجو الإسرائيلي بدير الزور, إنما يشي بالتواطؤ الأمريكي الواضح بهذه النقطة (لدرجة التنسيق في تحديد الأدوار), ويشي أيضا بتخبط الاستراتيجية الأمريكية ليس فقط بإزاء ما يجب سلوكه مع سوريا, بل وأيضا ما يجب اعتماده بالمنطقة كلها, بعدما أفشلت المقاومة العراقية كل الحسابات, وأربكت كل الترتيبات:

 

°- فأمريكا لا تخفي تذمرها من نظام بشار الأسد (على خلفية احتضانه لرموز القضية الفلسطينية, ودعمه لحزب الله, ومساندته للمقاومة بالعراق وما سوى ذلك), لكنها لا تستطيع استهدافه بالقوة العسكرية بالزمن المنظور, هي المتورطة حتى النخاع بالمستنقع العراقي, وهو (النظام السوري أقصد) الناصب لصواريخه بجهة معظم مدن إسرائيل, والناشط منذ مدة في بناء الاستحكامات والخنادق والأنفاق, والقادر على التنغيص على الأمريكان كما على الإسرائيليين, في ترتيباتهم بفلسطين كما بلبنان كما بإزاء تواجدهم بالعراق.

 

°- وأمريكا, كما إسرائيل, لا تخفي استياءها لدرجة التقزز, من مستوى التنسيق بين إيران وسوريا (وحلفاءهما بلبنان كما بالعراق, مقاومة وميليشيات على حد سواء) إذا لم يكن لإرباك الحسابات الأمريكية بالمنطقة, فعلى الأقل لزيادة متاعب الجيش الأمريكي, هناك ببلاد الرافدين, حيث الاستنزاف ماديا وبشريا بلغ مستويات لا تطاق من لدنه.

 

°- وأمريكا تدرك, تماما كإسرائيل, أن سوريا لا يمكنها التنازل على أراضيها بالجولان, بل ولا يمكنها التعامل مع ذلك, إلا في إطار رزمانة تسوية تضمن لسوريا السيادة على هضبتها, تفسح للفلسطينيين في المجال لإقامة دولتهم, وتضمن لشعوب المنطقة العيش دونما تهديدات من لدن إسرائيل...إسرائيل المتسترة دائما على مفاعل لها بديمونة, لم يتجرأ أحد على ضربه, أو إخضاعه لرقابة الوكالة الدولية.

 

يحيى اليحياوي

الرباط, 5 ماي 2008