عن التوزيع الإدراكي العالمي للعمل

 

 

عندما يتحدث دومينيك فوراي عن "نظام الإبداع الدائم", لوصف الانتقال إلى مرحلة الرأسمالية الإدراكية, فللتعبير (جزئيا على الأقل), على حقيقة أن "المصدر الرئيسي للتنافسية لا يوجد اليوم بالتكنولوجيا المتضمنة بالرأسمال القار, ولكن بكفاءات قوى العمل القادرة على التحكم في دينامية التطور المستمر, والتي من شأنها تجديد المعارف الخاضعة للتجاوز السريع باستمرار".

 

إن الانتقال من التوزيع التقني التايلوري المعهود, إلى التوزيع الإدراكي للعمل المتقدم المد, إنما يترجم, بنظر فوراي, لعمليات "تقطيع مسلسلات الإنتاج, وفق طبيعة أقطاب المعارف التي تعتمل بداخلها", مؤثرة بقوة الأمر الواقع, على تموقع الشركات, على استراتيجياتها, وعلى طبيعة التخصصات الدولية الجديدة, التي من المفروض أن تندغم بصلب ذات الاستراتيجيات قلبا وقالبا, بالزمن الآني, كما بالزمن المنظور.

 

بمعنى آخر, فإن هيمنة العمل الذهني, والأولوية المعطاة للمنطق الإدراكي بالتوزيع العالمي الجديد للعمل, إنما تبدو (وهي كذلك دون شك) محكومة بحركية جذرية لرأس المال, إذ  "الفضاءات التي تعترضها الصعوبات اليوم, هي تلك الفضاءات التي لا تزال ذات طبيعة تايلورية صرفة, غير قادرة على التحكم في ضروب عدم الاستقرار, التي تطبع بقوة طبيعة رأس المال. مقابل ذلك, فإن الأنشطة الكثيفة المعارف, لا تزال متمركزة ترابيا وفضائيا, على اعتبار أن رأس المال لا يزال مرتهنا بمجال العمل الذهني واللامادي, ومتموقعا بالمحاور الاقتصادية والتكنولوجية والإبداعية الكبرى".

 

إن العنصر المحدد لتنافسية أي بلد على المدى البعيد, إنما يرتبط أكثر فأكثر (بظل التوزيع العالمي الجديد للعمل, المرتكز على منسوب إدراكي مرتفع), يرتبط ب"حجم" العمل الذهني الموظف, وبمدى إخضاعه لعنصري التعاونية والتفاعلية في المكان والزمان.

 

بهذا الجانب, يبدو من البديهي تراجع منطق استغلال الامتيازات المقارنة التقليدية, لفائدة عناصر جديدة, وضمنها الاحتكار والامتيازات المطلقة, المنبنية على الكفاءات التي تفرزها كل شركة على حدة, أو في ترابطاتها وتحالفاتها مع الشركات الأخرى.

 

إن تكريس الرأسمالية الإدراكية, بداية هذا القرن, إنما يسير بالتوازي مع جنوح عميق للقطبية في جغرافية التنمية بين الجهات والأمم. ويبدو أن من شأن ذات التكريس كما ذات الجنوح, دفع دول العالم الثالث, سيما التي لا تتوفر على كفاءات في العمل عالية, إلى ما يشبه "الانفصام القسري" عن مسارات التنمية السائدة.

 

ولعل مما يجعل الجنوح إياه يتقوى ويتسع, إنما تلك التوجهات المتسارعة بجهة خوصصة الحياة, والدفع بالثورة البيوتكنولوجية إلى درجات قصوى, لتمكين شركات الشمال الكبرى من التملك الرخيص للمصادر الجينية, والمعارف التقليدية المتوفرة ببلدان الجنوب, مع العمل على تعويض العديد من السلع التقليدية المستوردة من ذات البلدان, بسلع "جديدة" منتجة بالشمال, قد لا تكون لساكنة الجنوب القدرة ولا القابلية على استعمالها, لكنها تخضع لإعادة تصدير لهذه الدول وبأسعار مرتفعة, قد لا تستطيع هذه الدول تحملها دائما.

 

من جهة أخرى, فإذا أضحى من الثابت منذ مدة, أن بعض مراحل الإنتاج إنما باتت تخضع لعملية إعادة المركزة بالمناطق المتقدمة بالشمال, فإنه بالإمكان لبعض وظائف الإدارة والتصميم, أن تنقل إلى دول الجنوب أو إلى القطب السوفياتي السابق, والتي تتوفر على مخزون مهم من اليد العاملة الكفؤة ذهنيا, وفق منطق نقل مسلسلات الإنتاج المرتكزة على اليد العاملة البخسة, مع العمل على دمجها تدريجيا بالمنطق الجديد للتوزيع الإدراكي للعمل, ذي الخاصيات اللامادية المرتفعة, والعمل الشبكي المتقدم وما سوى ذلك.

 

إن المضمون الأساس لهذا التحول في تراكم رأس المال, إنما يعمل بالحالتين معا, على توجيه طبيعة اقتصاد المعرفة, لفائدة مجموعات الرأسمالية المالية, المتبنية لاقتصاد الريع والمضاربات, والتي لا تجد أدنى حرج في المتاجرة بمكامن الحياة والخصوصية, واستنفاذ الثروات الرمزية للدول الفقيرة, من تقاليد ومقومات ثقافية, وأنماط في الموسيقى والفن وما سواها.

 

بالتالي, "فإن استجلاب الموارد المادية من الجنوب لفائدة الشمال جراء خدمة الدين مثلا, إنما تسهم وبنفس الطريقة التي يشتغل بها نظام البراءات, أو رأسمالية الأسهم أو ما سواها: إنها تنهل مجتمعة من ميكانيزم النهب والاستغلال الريعي للعمل", المحيل صوبا بجهة تفقير هذه الدول, واغتيال مكنوناتها المادية واللامادية بالآن معا.

 

من هنا, فإن الجنوح للقطبية الملاحظ منذ مدة, إنما يتقوى بظل كل ذلك, ويتقوى أكثر فأكثر, على اعتبار أن الأتمتة المتزايدة, وبروز اقتصاديات التنوع, مكنت ولا تزال تمكن الدول القديمة التصنيع, من إعادة تحصيل الامتيازات المقارنة, بما فيها امتيازات القطاعات الكثيفة العمل ذاتها.

 

 بالتالي, فإن التوزيع العالمي الجديد للعمل إنما بدأ يجنح بقوة نحو إعادة مركزة الأنشطة الإنتاجية التي كانت, بزمن أزمة الفوردية, مكمن لامركزية إنتاجية بالدول, حيث الأجور ضعيفة, ومصادر الربح مضمونة.

 

ولهذا السبب, وعلى الرغم من التزايد الجلي في حجم الاستثمار الأجنبي المباشر مثلا, فإنه يبقى متمركزا بالدول المتقدمة, وبعدد جد محدود من الدول الحديثة التصنيع, ذات النمو الاقتصادي العالي,  والمتوفرة على سوق استهلاكي واسع, وعلى كفاءات يد عاملة مرتفعة.

 

إن ما يسميه موليي بوتانغ (في حديثه عن طبيعة وتوجهات الرأسمالية الجديدة) ب"زرائب المعارف", المترتبة عن سياسات تقوية حقوق الملكية الذهنية, وخوصصة الأحياء وقرصنة المعارف التقليدية, إنما يمثل بامتياز "ريع الموقع", الذي يبدو بمظهره كما بصيرورته, كما لو أنه حقا "أداة إيديولوجية تسوغ لإقصاء الجنوب من ولوج التوزيع الإدراكي العالمي الجديد"...وهي كذلك دون شك, حتى وإن لبست لبوس التنقل الحر للمعارف والإبداعات, وادعت تبنيها لأطروحة الملك الكوني للثروات المادية واللامادية, المتوفرة بالأرض وبمعتقدات وتقاليد ورموز بني البشر, التي لا تخضع لتقييم, ولا وسيلة لاستصدارها من أفئدة وأذهان متملكيها.

 

 

يحيى اليحياوي

الرباط, 30 نونبر 2009