" التخلف الآخر:عولمة أزمة الهويات الثقافية في الوطن العربي والعالم الثالث"

 

محمود الذوادي، الأطلسية للنشر، أريانة، تونس 2002، 213 ص.

 

1- ولد الدكتور محمود بن الحبيب بن الحاج أحمد الذوادي بتونس أواسط القرن الماضي وبها تابع دراسته الابتدائية والثانوية لينتقل إلى جامعة بغداد  فجامعة ميامي بأمريكا حيث نال شهادة عليا في علم النفس ومن ثمة إلى جامعة مونريال بكندا التي نال منها شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع عن أطروحته " مفهوم الحداثة في علم الاجتماع الأمريكي". وهو الجانب الذي عمقه أكثر لدى حصوله على منحة من مؤسسة فولبرايت في العام 2000-2001.

 

درس (منذ العام 1974) بثانويات وجامعات عديدة بكندا كما بآسيا كما بأمريكا اللاتينية ليستقر به المآل كأستاذ للتعليم العالي في علم الاجتماع بجامعة تونس تدريسا وكتابة وتأطيرا للبحوث والأطروحات.

 

له العديد من الكتب باللغات العربية والفرنسية والإنجليزية من أبرزها "الثقافة بين تأصيل الرؤية الإسلامية واغتراب منظور العلوم الاجتماعية" (بالعربية عن دار الكتاب الجديد ببيروت في العام 2006)، و"اضواء جديدة على محددات العقل العمراني الخلدوني" (بالعربية عن المركز الجامعي للنشر بتونس في العام 2003)، و"حول علم اجتماع إسلامي للرموز الثقافية" (بالإنجليزية عن أس. نورالدين بكوالالمبور بماليزيا في العام 1996)، و"العولمة والتخلف الآخر: الهويات الثقافية للعالم الثالث" (لدى نفس الناشر في العام 2002) ناهيك عن مئات المقالات والدراسات والأبحاث باللغات الثلاث وبالعديد من المجلات العربية والدولية المحكمة.

 

2- ينقسم كتاب "التخلف الآخر" إلى أربعة أبواب مركزية مكونة من عدة فصول يسائل المؤلف عبرها ومن خلالها العديد من الإشكالات والقضايا الكبرى المتمحورة حول ما يسميه بالتخلف الآخر.

 

بتوطئة الكتاب يحدد المؤلف مادة بحثه ومفهومه المركزي فيقول: ... " المجتمعات النامية لا تشكو فقط من معالم التخلف الاقتصادي والاجتماعي والتكنولوجي والعلمي والصناعي، بل هي تشكو أيضا من نوع آخر من التخلف وهو التخلف اللغوي، الثقافي والنفسي (التخلف الآخر)... وهذا الأخير يتكون، في نظرنا، من معلمين رئيسيين: معلم لغوي ثقافي ومعلم نفسي"، أي أن "الجانبين الثقافي والنفسي لهذا المفهوم/الظاهرة يؤثران في بعضهما البعض بحيث يكونان نسقا لغويا ثقافيا ونفسيا مترابط العناصر".

 

ولضبط طبيعة ذات التخلف وفهمها وتحليلها، يلجأ المؤلف إلى اعتماد مفهوم "الرموز الثقافية" (المكونة من اللغة والعقائد والأفكار والمعارف والعلوم والقيم والأعراف والتقاليد والأساطير وما سواها) الذي يعتبره عنصر التميز والتمايز ليس فقط بين الأجناس الحية، بل وبالتحديد بين الثقافات المختلفة... في تواصلها كما في تطلع بعضها إلى الاستعلاء والتوجه بجهة التسيد على أساس من هذه الخلفية أو تلك. 

 

+ بالباب الأول ("حول طبيعة عالم الرموز الثقافية والتأثيرات بين المجموعات البشرية") ينطلق المؤلف من مسلمتين يعتبرهما بديهيتين:

 

°- الأولى "أن الإنسان يمتاز عن غيره من الكائنات الأخرى بعالم ضخم من الرموز الثقافية... وبقدرة فائقة في استعماله لتلك الإمكانيات والطاقات الرموزية. وهذا ما جعلنا نطلق عليه بأنه كائن رموزي ثقافي بالطبع أولا وقبل كل شيء".

 

°- المسلمة الثانية هي "أن مسألة ضخامة حجم الرموز الثقافية عند الإنسان ليست قضية شكلية أو كمية فحسب. إنما هي أيضا نوعية أو كيفية. إنها عمق جوهر الإنسان ذاته. إنها روح هذا الكائن العاقل".

 

فاللغة مثلا، يقول الكاتب، ليست أداة تواصل مع الآخر فحسب (في عالم حسي محكوم بقيود الزمن والمكان)، ولا فقط وسيلة لصيانة الذاكرة من التلاشي، بل وأيضا معطا رمزيا ثقافيا بإمكانه إقحام الإنسان في عوالم ميتافيزيقية غير محسوسة (في حالة التضرع إلى الله كما في حالات الابتهال التي تستوظف فيها اللغة لذات الغرض).

 

بالتالي، فإذا كانت كل الرموز الثقافية حبلى بلمسات ماورائية، فإنها محملة أيضا بشتى أصناف التاثر والتأثير بين المجموعات البشرية قد يقتصر فيها الأمر على التأثير الخفيف لهذه الثقافة على تلك وقد يكون متوسطا وقد يبلغ درجات تنصهر في ظله ثقافة بصلب أخرى وهكذا.     

 

وهو ما يجد تمظهراته الكبرى في الازدواجية اللغوية (ذات التبعات الثقافية المؤكدة) التي قد يتساوى بها استخدام لغة ما مع استعمال اللغة/الأم (وهي حالة نادرة وفق المؤلف) أو تندغم  الواحدة في الأخرى لدرجة هيمنة واحدة منهما بطريقة غير متزنة فاسحة بالتالي في المجال  ليس فقط " لبروز معالم الغزو الثقافي في صورته الأكثر خطرا على الأفراد والجماعات"، بل وأيضا لما يسميه بعض الباحثين بظاهرتي "الاستيلاب الثقافي" أو "الاغتراب الثقافي".

 

وهو أمر يرجعه المؤلف (بالنسبة لدول وشعوب العالم الثالث) إلى سببين رئيسيين:

 

°-  إلى" فترة الاحتلال الاستعماري" واستمرار حضور " جاذبية الرموز الثقافية الغربية لدى فئات مختلفة لشعوب العالم الثالث". بهذه النقطة يؤكد الكاتب أن الاستعمار الفرنسي كان أكثر مراهنة على هذا الجانب من الاستعمار الإنجليزي (لدرجة إحلاله بالجزائر مثلا للغة والثقافة الفرنسية محل اللغة والثقافة العربية). ولا يزال الأمر ساريا إلى حد ما تحت تأثير استمرارية النخب التي عاشت هذه المرحلة وكذا انتشار الرموز الثقافية عبر عمليات المتاجرة مع الغرب ناهيك عن دور وسائل الاتصال والإعلام.

 

°- ثم إلى سيادة السلع الأجنبية بالعديد من دول العالم الثالث سيما بالدول النفطية على اعتبار أن ذات السلع إنما هي أيضا حمالة للرموز الثقافية الغربية ومضمرة لانبهار هذه الدول والشعوب بالحداثة الغربية (وهو ما يبرز كذلك بالمغرب العربي من خلال ما يسميه المؤلف ب"الفرانكوأراب" أي الاستعمال المتزايد للغة الفرنسية على حساب العربية أو إعمالهما معا بصيغة تركيبية توحي بالحداثة والتميز).

 

وعلى الرغم من ذلك، فإن المؤلف يعترف بأن الشعوب العربية والإسلامية (على الأقل من خلال حالة الجزائر) ابانت عن ممانعة قوية لمشروع الصهر الفرنسي ليس فقط بحكم تشبتها بتقاليدها وتراثها الشعبي، ولكن أساسا بحكم المناعة القوية التي يضفيها الإسلام على معتنقيه ويحول بذلك دون تبني رموز الديانات الأخرى سيما ديانة المستعمر. معنى ذلك أن " تمسك الشعب الجزائري (مثلا) برموز الدين الإسلامي نسف من الأساس إمكانية حصول انصهاره الكامل أو شبه الكامل في رمز حضارة المستعمر".

 

وإذا كان المؤلف يعترف بقدرة الطفرة التكنولوجية في ميدان الإعلام والاتصال والمعلومات على التأثير في منظومات تمثل الأفراد والجماعات، فإنه لا يعزي ذلك إلى الطفرة إياها في حد ذاتها بقدر ما يعزيه أيضا إلى طبيعة وخصوصية عالم الرموز الثقافية، إذ تحمل هذه الأخيرة " في كينونتها بصمات ميتافيزيقية بصورة طبيعية أو فطرية. ومن ثم فدور ثورة الاتصالات المذهلة يتمثل أساسا في توفير التقنيات المتقدمة في استغلال اللمسات الميتافيزيقية الخفية الكامنة في الطبيعة الأصلية لعالم الرموز الثقافية" وفي مقدمتها اللغة  باعتبارها أم الرموز بامتياز.

 

+ بالباب الثاني ("التخلف الآخر بالوطن العربي والعالم الثالث") يقر المؤلف بقصور دراسات التنمية المعاصرة على تلمس خاصية هذا "التخلف المنسي" الذي اسماه بالتخلف الآخر. ويقصد به تحديدا " تدهور (ضعف، تخلف) نمو عناصر التراث الثقافي (الجانب الثقافي) للمجتمع السائر في طريق النمو وما يقترن بذلك عادة من تدهور نفساني (الجانب النفسي). وتتمثل أيضا بعض أعراضه أساسا في الشعور بمركبات النقص وضعف الثقة بالنفس بين أفراد وفئات هذا المجتمع خاصة إزاء الطرف الغالب والغازي لهم" على خلفية من استحضار لمقولة ابن خلدون الشهيرة " في أن المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده".

 

ولعل تدهور استخدام اللغة (أو اللغات) الوطنية واستبدالها (قسرا أو طواعية) بلغة المستعمر أو الغازي خير مثال (يقول الكاتب) " لما نعنيه بالتخلف الثقافي كجزء من مركب التخلف الآخر الذي تعيشه كثير من المجتمعات المتخلفة اليوم"، في حين أن الجزء الثاني إنما يكمن في الشعور بالدونية (أو بالسمو) لدى استخدام رموز ثقافة الآخر ليس فقط على مستوى اللغة،  بل وأيضا على مستوى السلوك اليومي والعادات والتقاليد وما سواها.

 

من هنا، يقول المؤلف، "جاءت أهمية النظر إلى ظواهر التبادلات الثقافية على أنها ليست عملية مقصورة على الجانب الثقافي فقط، وإنما هي عملية تبدأ ثقافية لتلمس في النهاية من قريب او بعيد المستوى النفسي للإنسان المعرض لمثل تلك التأثيرات. فالتخلف الآخر هو إذن ظاهرة مزدوجة الطبيعة: هناك الجانب اللغوي الثقافي والنفسي" كما تسهل ملاحظة ذلك في حالة الازدواج اللغوي والثقافي بالمغرب العربي مثلا.

 

وعلى هذا الأساس، فإذا كان الثابت في نظر الذوادي (كما في راينا) أن جزءا من التخلف هو مادي صرف، فإن جزءه الثاني (والذي لا يقل عنه خطورة) إنما يتمثل في الجانب المعنوي، إذ "ان أكبر مصيبة يمكن أن تصيب أي مجتمع هي مصيبة تشويه شخصيته وانحلالها في رموز ثقافية خارجية غازية" تتغيأ عقل المغلوب وروحه. وهو ما لم تنتبه له، بنظر الكاتب، معظم نظريات التنمية المتداولة بالغرب كما بالعالم الثالث كون المنظر الاجتماعي بكلا الفضاءين " لم يلطخ... يديه في تربة خصوصيات المجتمعات النامية".

 

ولهذا السبب، فإن مطالبة المؤلف بضمان ما يسميه ب"الأمن اللغوي" (المنطلق من الوعي بقصور المنظومات التربوية والتعليمية بمعظم المنطقة العربية وعدم تمكنها من تجاوز الازدواجية بين اللغة/الأم واللغات الأجنبية وبين العامية والفصحى) إنما " يجب أن يصبح جزءا لا يتجزأ من الأمن الثقافي لكل مجتمعات الأمة العربية" وفي مقدمته استعادة الثقة بالنفس وتجاوز (بل وتقويض) أطروحة أن "الغربيين، بطبيعتهم وعرقهم، هم وحدهم أهل التطور والتقدم، ونحن بطبيعتنا وعرقنا محكوم علينا بالجمود والتأخر".

 

+ بالباب الثالث ("التخلف الآخر بمجتمعات المغرب العربي") يعاود المؤلف التذكير بأننا بهذه المنطقة إنما بإزاء " صمت مسترسل وطويل، خاصة من طرف خبراء التنمية والتخلف أنفسهم، إزاء ظاهرة التخلف الثقافي الذي هو جزء لا يتجزأ من هيكل ظاهرة التخلف الكبرى".

 

فإذا كان الاستعمار الفرنسي هو العنصر المشترك بين دول المغرب العربي، فإن الجزائر "تأتي في الصدارة فيما يخص مدى عمق التشويه والتدهور اللذين طرآ على الزاد الثقافي الجزائري الوطني... واستغلاله المضعف لمكونات الزاد الثقافي الأصيل"...حيث، بعد عقود من الاستقلال، لا تزال اللغة الفرنسية هي اللغة المحبذة في كثير من القطاعات والمؤسسات الوطنية باعتبارها "لغة الحضارة، لغة العلم، لغة الاقتصاد، لغة الدبلوماسية، لغة الإدارة العصرية، لغة التفاهم بين الأمم"... ولا سيما في ذهنية القيادات السياسية كما هو شأن تونس في عهد بورقيبة حيث لم يعرف التعريب الدفعة المطلوبة عقب مرحلة الاستقلال عن فرنسا وبقيت الفرنسية مكمن تماهي ومماهاة لدرجة الاندغام مع النظرة الحداثية للتنمية وللتقدم.

 

وعلى الرغم من الإرادة السياسية التي امتلكها الجزائريون (منذ فترة بومدين) بضرورة التعريب وإلحاحيته، فإن ذلك إنما تأتى من "الرؤية الإيديولوجية للقيادة السياسية والمتمثلة في تحقيق مشروع التنمية الاشتراكية المستقلة" تحديدا.

+ بالباب الرابع ("التخلف الآخر بالمجتمع التونسي")، يلاحظ المؤلف أن اشد ما استرعى نظره كباحث في علم الاجتماع إنما ظاهرة المزج اللغوي (الفرانكوأراب) التي تتخذ من  مزج اللهجة التونسية والعبارات والكلمات الفرنسية "أداة" تخاطب وتواصل فيما بين التونسيين. وهي حالة لا تعبر فقط عن ميراث استعماري ثقيل أو عن تقصير النخب السياسية، ولكن أيضا عن خلفية من الرغبة في التميز أو المماهاة مع التكنولوجيا والعصرية والحداثة وما سواها (كما يظهر ذلك من النطق المتباين مثلا لبعض العبارات من لدن الرجال والنساء المتعلمين).  

 

وإذا تراءى للمؤلف أن ذلك قد لا يكون مثار إشكال كبير، فإنه يشدد بالمقابل على ضرورة تقنينه اي " تنظيم الازدواجية أو التعددية اللغوية بطريقة تخدم في النهاية مصلحة المجتمع ككل" (كما هو حال التجربة السويسرية التي نظمت التعددية وخلقت فضاء تتعايش بصلبه التعددية دونما توتر أو تصادم).

 

إن المطلوب، يقول محمود الذوادي، إنما ضرورة الدفع بعملية التعريب (بتونس كما بغيرها من دول المغرب العربي) ليس فقط  من باب إعادة استنبات ظروف الاعتزاز باللغة/الأم واعتمادها كلغة في التفكير والبحث والإبداع، ولكن أيضا لتجاوز حالة التخلف الآخر التي عشعشت من بين ظهرانينا والتي من المفروض محاربتها والتصدي لها.

 

وعلى هذه الأسس، يقول الذوادي ونقول معه أيضا، فإن " تقديم هذا الحصاد الفكري (يقصد كتابه هذا) باللسان العربي (إنما)  يجسد... فكرة مقاومة التخلف الآخر والقضاء عليه"... دونما منحه سبل الارتداد الواردة.

 

يحيى اليحياوي

الرباط، 25 ماي 2006