" من الدجيل إلى الأنفال: الثابت والمتحرك"

 

لا تختلف طقوس محاكمة الأنفال عن محاكمة الدجيل، اللتان يتابع الرئيس صدام حسين في ظلهما على خلفية من إعدامات جماعية "مقصودة" بالأولى، وتحت مسوغة الإبادة الجماعية "المتعمدة" بالثانية:

 

+ فالمحاكمتان معا تتمان بالمنطقة الخضراء المحصنة المداخل والمخارج، والمحاطة (كالقلعة تماما) بعازلات من الحيطان الإسمنتية الضخمة، ذات الأسلاك الكهربائية المحادية لكاميرات المراقبة البائنة كما بتلك المخبأة بين أغصان الشجر وبين الحجر والحجر، لا تفلت من عقالها إلا قذائف عن بعد لمقاومة تباغت تحصيناتها من حيث لا تدري.   

 

لا يستطيع المرء التكهن حقا بأي زاوية من زوايا هذه القلعة يحاكم الرئيس ورفاقه، ولا من أين يؤتى بهم مقيدين بالسلاسل. لكن الثابت لديهم (ولدينا أيضا) أنهم بأرض عراقية صرفة، صادرها الاحتلال وأقام عليها مرافقه ومصالحه وسمح للحكومة العميلة له، كما للبرلمان المنبثقة عنه، الاحتماء معه بها دونما استحياء من لدنها أو مكابرة.

 

+ والمحاكمتان معا تتمان في جو من الشحن النفسي المتبادل، ومن التوتر والمشادات يفقد القاعة مصداقيتها، ولا يستطيع المرء معها معرفة ما جرى ويجري في ظل إخراج تلفزيوني يختزل الرقيب من أطوارها ما يريد، ويسمح بتمرير ما يريد.  

 

هي وضعية ثابتة منذ اليوم الأول من محاكمة الدجيل، عمد الاحتلال على أن تقدم على ذات المنوال بمحاكمة الأنفال: متهمون بأقفاص من خشب، وقضاة يستبدلون بانتظام وادعاء مترفع وهيئة دفاع تحتج وتقاطع ثم تعود، وشهود من كل الأعمار منهم  من يظهر ومنهم من يشهد من وراء الستار بصوت معدل، وخليط من الأصوات لا يدري المرء مصدرها تدعي التحدث باسم الحق المدني...وهكذا دواليك، حيث الرتابة والاحتقان والتطاير بالألفاظ والشتائم يبلغ مداه بكل حلقة من الحلقات.   

 

+ والمحاكمتان معا تكادان تعكسان الجو الطائفي العام الذي ساد البلاد منذ تكسر "الحلم الديموقراطي" للرئيس الأمريكي، وبدا له أن اقتتالا مذهبيا وطائفيا واسعا هو الكفيل بصيانة جنوده من الوحل، وبشغل العراقيين عن الاحتلال وأهداف الاحتلال.

 

لا يروم التلميح هنا فقط تعمد اختيار القضاة من بين أبناء الوسط الشيعي والكردي، غالبا ما تبين أن لهم أو لذويهم ثأر مع الرئيس أو مع رفاقه، ولكن أيضا إلى جهة ولاء الادعاء العام ومجاهرته بالعداء المبين للمتهمين جملة وبالتفاصيل.  

هي لازمة ثابتة لاحظناها بالمحاكمة الأولى ونلاحظها أيضا بالثانية، ولكأن تعيين قضاة وهيئة ادعاء من أبناء السنة هو  بمثابة سبة، أو قد يكون من شأن ذلك إثارة بعض من التعاطف مع الرئيس أوقابلية تحمل التجاوز من بين ما يقول أو ما سوى ذلك. بالتالي تبدو المحكمة من هنا كما لو أنها تحاكم السنة كل السنة، محاكمة غيابية لمجرد أن الرئيس منهم. 

 

+ والمحاكمتان معا تتمان، فضلا عن كل ذلك، بخطى متسارعة في جوهرها حتى وإن بدت في شكلها متباطئة أومدققة في الوثائق وأقوال الشهود... بدليل أنه في غبن المحامين العراقيين والتحرش بالمحامين العرب المؤازرين، يبدو المجال فسيحا للادعاء ولشهود كثر، لا يمكن أن يعتد بمضمون كلامهم قانونيا أو الارتكان إلى الأخذ به، في زمن لم يعد للقسم على القرآن قيمة اعتبارية كبرى أمام شحنة الثأر اللامتناهية النزوع.

 

كيف لقضاء "عادل" أن يدقق في الحجج والدلائل ويتقصى حقيقة ما يقال من شهادات، ويعمد إلى مقاطعة بعضها البعض والإتيان بشهود نفي، وذات القضاء يدري قبليا أنه مطالب بتنفيذ توجيهات والسير على طريق مرسوم دون زوغان أو اجتهاد؟ ألم يطرد القاضي الثالث لمجرد أنه اجتهد واستبعد عن الرئيس صفة الدكتاتور؟

 

ليس ثمة شك، فيما يتراءى لنا، أن القصد من ذلك كله لا يقتصر فقط على إهانة الرجل والعمل على تدمير صورته جهارة وبالعلن، بل وكذلك محاولة تثبيت حكم أزعم أنه صدر ضد الرجل منذ اعتزمت الولايات المتحدة غزو العراق واحتلاله، وليس يوم جر قسرا إلى محاكمة غير محايدة وغير عادلة، وفاقدة لأدنى شروط الشرعية فضلا عن ذلك.

 

إذا كانت كل هذه العناصر ثابتة، لأنه مخطط لها وموجهة بجهة كسر معنويات الرئيس العراقي وتطويق سبل مكابرته الواضحة، فإن بعضا من العناصر المتحولة بدأت تتجلى بقوة وإن لم تكن بمستوى تقويض الثابت منها أو دفعها لتحقيق انعطافة ما بهذا المنحى أو ذاك:

 

+ أما المتحول الأول، فيتمثل في تزايد ضربات المقاومة وتضييقها الخناق على الاحتلال وعلى الحكومة المعينة من لدنه، لدرجة جعلت الرئيس الأمريكي يذهب إلى حد تشبيه بعض أوجه ما يجري بالعراق بما جرى بفيتنام من حوالي أربعة عقود أو أكثر.

 

ولئن كان من الطبيعي أن يتشبت حزب البعث في بياناته بالرئيس، فإن تنظيمات مقاومة أخرى أضحت في ركابه سرا وعلانية، كما الحال بالجيش الإسلامي وبالعديد من العشائر العراقية ذات النفوذ الواسع.

 

لا يقتصر الأمر عند هذا الحد، بل يتعداه لدرجة جهر شرائح واسعة من الشعب العراقي بحنينها لزمن رجل كان المرء في ظله يتجول وعائلته ببغداد آناء الليل وأطراف النهار دون خشية على روحه أو ماله أو عرضه.

 

+ المتحول الثاني ويكمن، بنظر الحكومة الأمريكية والحكومة العميلة لها بالعراق، بغضها الطرف عن الديموقراطية وتقليص سقف حركتها على مسألة الاستقرار الذي على محرابه تكسرت كل الاستراتيجية السياسية الأمريكية والتكتيكات العسكرية بأرض الواقع... ولكأني بهما (الاحتلال والحكومة العميلة) يحنان أيضا لزمن لم يكن خلاله من أثر يذكر للاقتتال الطائفي أوللقتل على الهوية، بل قل القتل من أجل القتل.

 

هو متحول عابر ومؤقت يزعم البعض، لكنه يبدو لنا مفصلي بكل المقاييس على الأقل بالاحتكام إلى " وعود اليوم الأول" بتحويل العراق إلى " واحة في الديموقراطية تتخذ أنموذجا للمنطقة برمتها".

وهو مفصلي أيضا على اعتبار القناعة المتزايدة بأن العراق لا يمكن أن يحكم من لدن ساسة أقزام أو "زعامات" تتصيد الغنائم، لا ولاء لها للعراق وتعمل بالتوجيهات عن بعد فوق كل ذلك.  

 

+أما المتحول الثالث فيتمثل في تضارب الرؤى والتصورات بشأن فيدرالية يرى فيها البعض مدخلا مواتيا للانفصال وإعلان الاستقلال عن الوطن الأم، ويرى البعض الآخر في ذات الانفصال تقسيما لبلد لطالما شد الرئيس صدام حسين على وحدته بالنواجد وإن في أخطاء السياسية المؤكدة.

 

بالتالي، فإن تشديد الرئيس الأمريكي مؤخرا على وحدة العراق واستبعاده لفكرة التقسيم (وإن لغايات مختلفة)، إنما تشفع للرئيس العراقي رؤيته حتى وإن اعتمد للحفاظ عليها على قوة النار والحديد...  

 

هل من المعقول حقا أن يفصل الجزء عن الكل لمجرد أنه متميز عنه، أو له من يحميه، أو لكونه عانى شكلا من أشكال الظلم، أو لأنه لم يعد يطيق الوحدة تحت هذا المسوغ أو ذاك؟

هل من المعقول أن يحاكم رئيس دولة لمجرد أنه دافع عن وحدة الوطن وهيبته حتى وإن استخدم في ذلك القوة أو بعضا منها؟

 

لقائل يقول: وهل لهذه العناصر الثابت منها كما المتحرك، تأثير على سير المحاكمتين؟ بالتأكيد، نزعم. إذ بصرف النظر عن الطبيعة السياسية لهما وخاصية الثأر التي تلازمهما شكلا ومضمونا، فإن المؤكد حقا فيما نتصور، أنهما معا مبتورتين عن سياقهما وعن الأفعال التي يتابع الرئيس العراقي ورفاقه على خلفيتهما.

 

فالأفعال المنسوبة للمتهمين تمت في سياق ردة فعل ويجب أن يتم التعامل معها على هذا الأساس: أساس محاولة اغتيال رئيس الجمهورية بأياد معارضة وبدعم خارجي معروف، وأساس محاولة فصيلين حزبيين استغلا في حينه ظروف حرب مستعرة (الحرب مع إيران) للدفع بتطلعات قومية لم يكن السياق القائم مجالها ولا مقامها.

 

بالتالي، فبقدر بتر المحاكمتين لسياق الأحداث مادتهما، فإن سيرهما يبدو لنا أيضا مغيبا لسياق الأحداث الجارية.

 

إذا لم يكن الأمر كذلك، فما السر في استمرار أطوارهما ومئات العراقيين يسقطون يوميا دونما معرفة الفاعل، فما بالك توجيه التهم له أو التطلع إلى محاكمته؟

 

وإذا لم يكن الأمر كذلك، فما معنى استمرار محاكمة أضحى الثاوون خلفها يعلمون علم اليقين أن حكم العراق لا يمكن أن يتحقق إلا على أيدي أبنائه؟

هل يمكن أن نحسب من أتى على ظهر دبابة الاحتلال قادر على حكم العراق؟ هل يمكن أن نحسب أن هؤلاء هم حقا عراقيون...أبناء العراق؟

 

يحيى اليحياوي

الرباط، 23 أكتوبر 2006