"التنمية الاقتصادية سياسيا في الوطن العربي"

 

 فارس رشيد البياتي, الأكاديمية العربية المفتوحة في الدنمارك, عمان, 2008, 324 ص.

 

 

1- بمقدمة هذه الدراسة, يقول الكاتب: إن البيئة السياسية هي "صاحبة القرار, التي طالما تضع المحددات أمام الباحث الاقتصادي, الذي يمتلك القدرات الخلاقة في دراسة مشكلات المجتمع الاقتصادية, ويقترح الحلول المناسبة لها, دون أن يمتلك القرار الأخير في التشريع, ووضع أفكاره موضع التنفيذ". إنها تلك التي تشكل سببا من أهم أسباب التخلف الاقتصادي.

 

إن هناك, يقول المؤلف, مشاكل اقتصادية قد تجتمع أو تنفرد بها البلدان العربية, وتساهم بها البيئة السياسية بقوة، "كانخفاض الإنتاج وعدم كفاءته. مما يؤدي إلى انخفاض الدخل القومي، ووجود ثروات غير مستغلة, وفي حالة استغلالها لا تستغل الاستغلال الأمثل، وسوء توزيع الدخل، وكذلك الزيادة الكبيرة في السكان، وضعف التكنولوجيا الصناعية، ومشكلة البطالة، وسيادة الثقافات غير الاقتصادية، وتخلف البنيان الاجتماعي كارتفاع نسبة الأمية, وانخفاض مستوى التعليم, وتأخر المرأة, وظاهرة عمل الاطفال". لكن هناك أيضا, إطارا قانونيا وتشريعيا عربيا, يميل لتغليب المصلحة القطرية على المصلحة القومية, فيضعف بالتالي العلاقات العربية بكل مستوياتها.

 

إن البلدان العربية, يتابع الكاتب,  تعاني حقا وحقيقة من انخفاض في مستوى التجانس الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، "على مستوى حجم الموارد البشرية, والتفاوت في حجم الموارد الطبيعية, والتفاوت في حجم ومستوى وسائل الإنتاج والتقدم التقني, والتفاوت في توزيع الدخل وحجمه. كما أن التجانس السياسي يبدو جليا, من خلال التفاوت بين أنظمة الحكم, التي تتراوح بين العشائري والملكي والجمهوري والعسكري وغير ذلك. ويبدو أيضا من خلال وجود أو عدم وجود المؤسسات الديمقراطية, والحزب الواحد الحاكم, أو التعددية السياسية".

 

فحجم التجارة العربية البينية, لا يزيد على 9 بالمائة من إجمالي حجم التجارة الخارجية العربية، في حين أن هذه النسبة تصل بالنسبة للمجموعة الأوروبية, إلى 70 بالمائة من إجمالي التجارة الخارجية للمجموعة. والاقتصاديات العربية مندمجة مع اقتصاديات العالم الخارجي، أكثر مما هو متوفر بين البلدان العربية ذاتها, ناهيك عن المميزات الاقتصادية المشتركة لهذه الدول, مثل سوء استغلال الموارد الاقتصادية, وأحادية الاعتماد على سلعة واحدة, أو بعض السلع المحدودة, وتخلف وتفكك هياكلها الإنتاجية, وانخفاض الإنتاج والإنتاجية, وضيق السوق المحلية وتفتتها, واعتمادها المطلق على التجارة الخارجية, وضعف القاعدة التكنولوجية, وانخفاض متوسط الدخل الفردي (باستثناء الدول النفطية) وبالتالي انخفاض مستوى المعيشة: إن المنطقة العربية, يقول المؤلف, "منطقة متصلة جغرافيا, ولها تاريخ وثقافة وعقيدة مشترك, لكنها تواجه تحديات التخلف والتبعية الخارجية والتجزئة, وهي بذلك ترتبط بمصير واحد".

 

من ناحية أخرى, يؤكد المؤلف أنه ليس ثمة نموذج سياسي للدول العربية واحد, أو تجسده دولة عربية معينة. إنه واقع يتميز بعدم الاستقرار, والميل لتغليب المصلحة القطرية على المصلحة القومية, وضعف العلاقات العربية, وعدم وجود تشريعات قومية نافذة اقتصادية وسياسية, مما أدى إلى حالة من التخوف والتحسب بين الدول العربية, علاوة على وجود التأثيرات الخارجية, ومنها التبعية السياسية.

 

2- يحدد الكاتب التنمية الاقتصادية, في كونها العملية التي "يتم فيها زيادة الدخل الحقيقي زيادة تراكمية وسريعة ومستمرة, عبر فترة من الزمن, بحيث تكون هذه الزيادة أكبر من معدل نمو السكان, مع توفير الخدمات الإنتاجية والاجتماعية, وحماية الموارد المتجددة من التلوث, والحفاظ على الموارد الغير متجددة من النضوب".

 

إن هذا التحديد إنما يرمي إلى تغطية كل المتطلبات الاقتصادية والسياسية والثقافية, اللازمة لتحقيق التحولات المؤسسية والهيكلية السريعة, للمجتمعات التي تعاني من المشاكل التنموية، وهذا يتطلب دورا حكوميا كبيرا, مع توافر درجة عالية من التنسيق في عملية اتخاذ القرارات الاقتصادية.

 

ويقر المؤلف, بالبناء على ذلك, أن مستقبل الدول العربية في العقود القادمة يتعلق بشكل أساسي بأدائها الاقتصادي, وأن اندماج الاقتصاديات العربية تحت مظلة كيانات اقتصادية قوية يمكنها من مواجهة تحديات العولمــــة, وأن البيئة السياسية مؤثرة في التنمية الاقتصادية العربية. من هنا, يؤكد الكاتب على أهمية وضع خطة شاملة وواضحة لتطوير تكنولوجيا المعلومات, مدعومة من القيادة السياسية العليا, واعتبار أن البحث والتطوير العلميين كفيلان بحل المشكلات التي تواجه الوطن العربي, إذا ما اقترنت بدعم البيئة السياسية.

 

إن مخاطر عدم الاستقرار السياسي والميل لتغليب المصلحة القطرية على المصلحة القومية, وضعف العلاقات العربية البينية, وغياب الديمقراطيــة، إنما أدى, بنظر الكاتب, إلى ضعف الثقـة بين الدول العربية, وخلق حالة من التخوف والتحسب، فضلا عن التأثيرات الخارجية التي منعت البعض من أن يكون سيد قراره.

 

3- لقد قسم مونتيسكيو السلطة إلى ثلاث سلطات مستقلة, وهي التشريعية والتنفيذية والقضائية, ثم جاء بعده الفيلسوف الإنجليزي إدموند بروك, وأعلن الاعتراف بنفوذ الصحافة, وسماها السلطة الرابعة: "ثلاث سلطات تجتمع هنا تحت سقف البرلمان، ولكن في قاعة المراسلين تجلس السلطة الرابعة, وهي أهم منكم جميعا". وتتقدم أهمية السلطة الرابعة على السلطات الثلاث لسبب واضح, وهو أن السلطة الرابعة تمثل الشعب وتمارس دورها باستقلال تام.

 

إن جل الدول العربية تشكو من أنظمتها الحاكمة, والتي تلجأ في تبرير وجودها إلى المشروعية التاريخية، ولا تستند إلى الشرعية الديمقراطية, سواء تعلق الأمر بنظام الانتخابات المتبع من طرف الدول العربية، أو نظام المشاركة واستقلالية السلطات. فالجهاز القضائي غير مستقل, والقيود على حرية الإعلام وعلى المجتمع المدني كبيرة, وآليات تنظيم انتقال السلطة وتداولها على أساس سلمي وعادل معاقة, بحكم غلبة الأسر والعائلات على السلطة, وتحول السلطة لفرد واحد, على الرغم من أن مفهوم تداول السلطة في التشريعات العربية, قد نص عليه في غالبها, وحددت لمؤسسات الحكم مدد قانونية تنتهي بانقضائها, مما كان من شأنه تعطيل الحياة النيابية وتغييب الرقابة تغييبا شبه تام.

 

مما تقدم يرى الباحث, أن "حالة عدم الاستقرار السياسي واردة مع كيفية استلام السلطة, وكيفية المحافظة على النظام السياسي, بالكمية والنوعية التي تجعل السلطة تضحي بكثير من البرامج الاقتصادية والاجتماعية من أجل إنجاح برامجها السياسية, والمحافظة على النظام السياسي، وأن لكل ما تقدم تأثيرا مباشرا في الحياة الاقتصادية في الوطن العربي", والتي نجد من بين مظاهرها, اتجاه السياسات الاقتصادية نحو القطرية والإقليمية, قلة التوسع في السوق العربية, عدم إمكانية البلد العربي من التعامل مع السوق الدولية بندية مقتدرة, سواء في التصدير أو الاستيراد, تمكين الشركات متعددة الجنسيات من النفاذ في الأسواق العربية بحرية وتحكمها في الاقتصاد العربي, انفتاح الاقتصاد العربي بصورة واسعة على الخارج, بقدر انغلاقه على الداخل, وهكذا.

 

من ناحية أخرى, فإن مفاهيم الاستبداد والظلم الاجتماعي وقهر الإنسان, تتكاثر داخل الثقافة السياسية العربية, إلى الحد الذي تكاد تكون فيه الوجه الآخر للسياسة الثقافية, التي تكونها وتعيد ترتيب أولوياتها الأنظمة العربية. لذا فإن التنمية السياسية في الوطن العربي, "إذا أرادت أن تنجح في مهمتها التنموية، فإن عليها أن تبدأ بالثقافة السياسية العربية, بكل مستوياتها المحلية والوطنية والقومية، بحيث تبرز القيمة الإنسانية للمواطن العربي, وحقوقه المقدسة, وأنه الأساس والهدف في كل عمليات التنمية وطموحاتها، وأن تكثر من المفردات والمفاهيم التي تخص قضايا الحرية, والديمقراطية, وحرية الفكر والقول, والتعددية السياسية, وحق المواطن العربي في نقل السلطة السياسية من خلال صناديق الانتخاب أو الاقتراع".‏

 

إن جوهر التنمية له بعد مستقبلي واضح وجلي, بمعنى أنها "تفعل في الواقع الاجتماعي العربي, لنقله مما هو كائن إلى ما يجب أن يكون، ولذلك نفترض أن التنمية السياسية تمثل شرطا لتحديث الحياة السياسية العربية، وهي بشرطها هذا تستجيب للواقع العربي الصعب والقاسي, الذي يحتاج إلى عملية تغيير سياسي, قوامه أن الوطن العربي لن يبلغ النهضة، إلا إذا كان الإنسان العربي جوهر عمليات التنمية, بكل مضامينها ومجالاتها وسيد قراره السياسي".‏

 

يحيى اليحياوي

الرباط, 26 فبراير 2009