"الاستشراق: المعرفة... السلطة... الإنشاء"
إدوارد سعيد
(ترجمة كمال
أبو ديب),
مؤسسة
الأبحاث
العربية, 1986, 372 ص.
1- ولد
إدوارد سعيد
في نوفمبر من
العام
1935 بالقدس من عائلة
مسيحية، ثم أصبح
لاجئا مع
عائلته, بعد تقسيم
فلسطين في
العام
1947.
درس في مدرسة سان
جورج، ثم في
كلية فيكتوريا, التي طرد
منها في العام 1951, فقرر
والداه
إرساله إلى
المدرسة
التحضيرية في ماساشوستس
في الولايات
المتحدة، حيث حصل على
درجة البكالوريوس
من جامعة برنستون
عام 1957,
ثم الماجستير في العام 1960,
والدكتوراه
من جامعة
هارفارد في العام 1964.
عمل
أستاذا للأدب
المقارن في
جامعة
كولومبيا في
نيويورك،
وتجول كأستاذ
زائر في العديد من كبريات
المؤسسات
الأكاديمية, مثل جامعة يال وهارفرد
وجون هوبكنز, وكان يتحدث
العربية
والإنجليزية
والفرنسية بطلاقة،
وألم بالإسبانية
والألمانية
والإيطالية
واللاتينية.
اهتم بالأدب
المقارن
والفلسفة
والموسيقى
والسياسة،
وقد عرف منذ
صباه بشغفه
بالقراءة
والموسيقى, حتى أصبح
كاتبا ومفكرا
كبيرا وعازفا
على آلة البيانو.
كان
إدوارد سعيد
عضوا بالمجلس
الوطني الفلسطيني
طوال 14 سنة, قبل أن
يستقيل عام 1991, بسبب
معارضته
الشديدة لبعض
مواقف الرئيس
الفلسطيني
ياسر عرفات. وقد
عرف خلال
العقود
الثلاثة
الأخيرة, بمواقفه
الجريئة
وكتاباته عن
الوضع بالشرق الأوسط, التي
يدافع فيها عن
القضية
الفلسطينية
وقيام دولة
فلسطينية ذات
سيادة.
وقد رحل
في إحدي
مستشفيات
نيويورك في 25 شتنبر من العام 2003
عن
عمر يناهز 67
عاما, نتيجة اصابته
بمرض اللوكيميا.
2- هذا
الكتاب ليس
ردة فعل من
لدن
البروفيسور
إدوارد سعيد
على مستشرقين
متحاملين على
الإسلام ولا
على العرب.
إنه بحث
أكاديمي
يتجاوز ذلك,
كونه يتغيأ
تبيان
التناقض
الجذري بين
الشرق والغرب,
مصاغا على شكل
ثنائيات
من اللاعقلانية
والبدائية واللاأخلاقية, التي يوسم
بها الشرق, مقابل
العقلانية
والتقدم
والفضيلة التي يصنف
الغرب على
أساسها.
ثم هو
بناء فكري
يسائل الكاتب
من خلاله
الدراسات الاستشراقية
والمؤسسات
الثاوية
خلفها, والتي
خدمت ولا تزال
تخدم "إدارة
الاستعمار
الغربي
للشرق", على أساس من
العمل على إثبات بداوة
وانحدار
وتعصب الشرق, وضرورة
رسالة الغرب
الحضارية الموجهة
إليه.
إن الاستشراق, برأي إدوارد سعيد إنما هو "رؤية
سياسية
للواقع... رؤية الفرق بين
المألوف
(أوروبا
وأمريكا، نحن)
وبين الغريب
(الشرق، هم).
وهذا التحديد
للآخر (الشرق)
والتمييز له, ليس مسألة
نفسية لإبداء
الفروق الوصفية
وحسب,
في بلدان مثل
بريطانيا
وفرنسا
والولايات المتحدة،
بل هو مسألة
سياسية, تدخل في
نطاق التعليم
والتربية
والتبليغ الإعلامي, وضمن نطاق
توجيه
السياسة
الخارجية
لهذه البلدان".
فالآخر
(أي الشرق),
يقول إدوار
سعيد, "همجي, لاعقلاني, يعجز عن
التفكير
المنظم
والتحليل،
شاذ,
بليد ومتعصب... والحركات
التحررية
الإسلامية
شبكة من التنظيمات
الخطرة
يغذيها حقد
على الحضارة... والآخر
مختلف إلى حد
العداء، وهذا
ما يسوغ للفعالية
الاستشراقية
سعيها
لتطويعه
وتقديمها في
ضوء ذلك التوصيات
والمشورة
حوله,
لموظفي
السفارات
والمبعوثين
إليه على سبيل
المثال. والهدف
هو عدم إخراجه
عن السيطرة ما
دامت منطقته
الجغرافية
اليوم مصدرا حيويا
للطاقة, التي تضخ
الحياة في
الشرايين
الاقتصادية
للدول
الغربية
الصناعية, وسوقا
رائجة
لسلعها، وما
دامت المصلحة
تقتضي بقاء
دولة إسرائيل
الذريعة
الدائمة
للتدخل في شئونه".
3- يتكون
كتاب الاستشراق
من ثلاثة فصول
كبرى:
مجال الاستشراق،
والبنى الاستشراقية
وإعادة
خلقها، والاستشراق
الآن, يحاول
المؤلف من
خلالها
التوقف عند
الدلالات
الأساس للاستشراق:
+ تعريف
المستشرق
ومجال عمله,
والتغير
النسبي الذي
طرأ على
تسميته, إذ
استبدلت
مصطلحات الدراسات
الشرقية أو
الأوسطية, بمصطلحات
من قبيل الدراسات
الإقليمية مثلا,
على اعتبار
الحمولة
السلطوية
التي ميزت الاستعمار الأوروبي
في القرن
التاسع عشر
وأوائل القرن العشرين.
+ توضيح أن الاستشراق
إنما هو, قبل
كل ذلك وبعده,
أسلوب تفكير,
مرتكز
على التمييز الوجودي والمعرفي بين
الشرق والغرب, "وقد تقبل
هذا التمييز
الأساسي بين
الشرق والغرب, جمهور
كبير جدا من
الكتاب
الغربيين،
وبينهم شعراء
وروائيون
وفلاسفة
ومنظرون
سياسيون واقتصاديون
وإداريون
استعماريون, بوصفه
نقطة انطلاق
لسلسلة محكمة
الصياغة من النظريات
والملاحم
والروايات
والأوصاف الاجتماعية
والمسارد
السياسية, التي
تتعلق بالشرق
وسكانه
وعاداته
وعقله وقدره, وما إلى
ذلك".
+ والتدليل
على أن
للمصطلح
مرجعية
تاريخية صرف,
باعتباره تلك
"الحركة
النشطة المنظبطة
بين المعني
الجامعي
والمعنى
العام.
إذ لو اتخذنا
من أواخر
القرن الثامن
عشر نقطة
للانطلاق
محددة تحديدا
تقريبيا, فإن الاستشراق
يمكن أن يناقش
ويحلل بوصفه
المؤسسة
المشتركة
للتعامل مع
الشرق،
التعامل معه
بإصدار تقارير
حوله، وإجازة
الآراء فيه
وإقرارها،
وبوصفه
وتدريسه
والاستقرار
فيه وحكمه... الاستشراق أسلوب
غربي للسيطرة
على الشرق, وإعادة
بنائه,
وتحقيق
السيادة
عليه".
وإذا كان
إدوارد سعيد
قد تحدث
بإسهاب,
بالفصلين
الأول
والثاني, عن
نشأة الاستشراق
وتموجاته
التاريخية في
علاقة الغرب
بالشرق, سيما
التجاذب حول الإسلام,
فإنه قد ركز
أيضا على ما
يسميه بالمستشرق
"الحديث",
المزامن
للقرن الثامن
عشر, والذي
يؤرخ لتحول الاستشراق
إلى فرع
من فروع
المعرفة التي
أخرجته من
سياقه الديني,
وألبسته معتقدات
علمانية وشبه
دينية, لكن
دونما أن يعني
ذلك اختفاء
الطابع
الديني من ثنايا الخطاب
الاستشراقي, إذ "لئن كانت
هذه العناصر
المتداخلة
المترابطة تمثل
اتجاها
معلمنا, فإن ذلك لا
يعني القول
بأن الأنساق
الدينية القديمة
أزيلت،
هيهات.. بل
إنها قد أعيد تركيبها وموضعتها, وتوزيعها
ضمن الأطر
العلمانية
التي عددت قبل
قليل".
4- أما الاستشراق
بزيه الجديد ("الاستشراق
الآن"),
فيتناول فيه الاستشراق
بصيغته
الأمريكية
القائمة منذ
مدة ولحد الآن,
والتي تزيح عن
الولايات
المتحدة
الأمريكية
تلك الرمزية
التي تدعيها
في دفاعها عن
الحرية
والديموقراطية
وما سواهما.
يقول
إدوارد سعيد
بهذه النقطة:
إن "للولايات
المتحدة توظيفات
هائلة حاليا
في الشرق
الأوسط, تفوق في
حجمها ما هو
قائم في أي
بقعة أخرى على
وجه الأرض، مع
ذلك نجد أن
الخبراء في
شؤون الشرق
الأوسط, الذين
يقدمون
المشورة إلى
صانعي
السياسة, مشبعون
واحدا واحدا
دون استثناء بالاستشراق, لذلك يظل
الجزء الأعظم
من هذه التوظيفات
مبنيا على
الرمال, لأن
الخبراء
يقدمون
توجيهاتهم
لصنع السياسة
استنادا إلى تجريدات
رائجة، مثل
النخب
السياسية
والتحديث
والاستقرار, التي لا
تتعدى في
معظمها كونها
القوالب الاستشراقية
القديمة, مطروحة
بلباس
مصطلحات علم
السياسة".
من هنا,
فلا تزال الآراء
المعاصرة للمستشرقين
المحدثين, جد مؤثرة في الصحافة وفي العقل
الشعبي
الغربي. "فالعرب
ما زالوا إلى
اليوم يصورون
على أنهم راكبو
جمال,
إرهابيون, معقوفو
الأنوف, شهوانيون, شرهون, تمثل
ثرواتهم
المستحقة
إهانة
للحضارة الحقيقية.
وثمة
دائما افتراض
متربص بأن المستهلك
الغربي, رغم كونه
ينتمي إلى
أقلية عددية, ذو حق شرعي, إما في
امتلاك معظم
الموارد
الطبيعية في
العالم, أو في
استهلاكها (أو
في كليهما)".
إن
المطلوب, يؤكد
المؤلف, إنما "ضرورة
تحدي الضغوط والصراعات
الكبرى, التي تعمل
على تقسيم
البشر في شكل
زائف,
إلى وحدات
كبرى تحت
عناوين مثل:
أمريكا أو
الغرب أو
الإسلام، لكل
منها هويته
الشمولية
التي تطمس
التباينات
الكبيرة بين
الأفراد، ولا
يزال في
حوزتنا من أجل
ذلك,
المهارات
التفسيرية
العقلانية
التي خلقها التعليم
القائم على
مبدأ
الإنسانية،
التي لا يعني
التزامها
مجرد الحنين
إلى القيم
الكلاسيكية, بل
الممارسة الناشطة
للخطاب
النقدي
العقلاني
اللصيق
بعالمنا".
يحيى اليحياوي
الرباط, 29
يناير 2010