أين أخفقت القنوات الفضائية العربية في تعاملها مع العدوان على العراق؟

 يحيى اليحياوي

 

ليس من الهين في شيء أن يحدد المرء بدقة مكامن إخفاق الإعلام العربي (قنواته الفضائية تحديدا) أو الوقوف بالتدقيق عند مستوى أدائه منذ انطلق العدوان على العراق بأم القصر في العشرين من مارس وإلى حدود دخول القوات الأمريكية إلى ساحة الفردوس بقلب بغداد في التاسع من أبريل.

 

والسبب في ذلك، فيما نعتقد، لا يكمن فقط في تباين الخط التحريري بين هذا المنبر أو ذاك أو في طبيعة هذه المنابر مجتمعة (بين حكومي وشبه حكومي وخاص)، ولكن أيضا وبالأساس على اعتبار تباين الخلفيات من النظام القائم بالعراق ومصدر المعلومات الذي يتسنى لهذا المنبر أو ذاك الاعتماد عليها في التغطية، كما في الصور المبثوثة كما في المصطلحات والتعليقات.

 

ولئن تمثل العامل المشترك بين العديد من القنوات الفضائية العربية في كونها خرجت عن سياق برنامجها العام " لتتخصص" في تغطية العدوان صوتا وصورة وتعليقا وبمراسلين لها بعين المكان موزعين، فإن عامل التباين بينها إنما تمثل في إبقاء أخرى  على وتيرة برنامجها العام دونما إرسال مبعوثين لها بعين المكان ليبقى العدوان في نشراتها الإخبارية الرئيسية، بالتالي، حدثا عرضيا (وعاديا أيضا) تبث الوجبات الرسمية ضمنه حتما حتى لو تسنى له "اغتنام" الحيز الأكبر من ذات النشرات أو " الفوز" بالأسبقية في الترتيب.

 

وإذا كان العديد من القنوات العربية قد استسهلت اقتناص أخبارها ومادة " تغطيتها" للعدوان دونما تكلفة تذكر لدرجة تعففها حتى من ذكر المصدر، فإن أخريات قد دفعت بالعديد من صحفييها بأرض "المعركة" استبسل بعضهم فأدوا من حياتهم ومن مستقبل أبنائهم... ضمنهم رضيعة لا يزيد سنها كثيرا عن مدة العدوان.

 

بالتالي، فبقدر ما نجح العدوان على العراق في إفراز قنوات أخذت "الحدث" مأخذ الجد وخصصت له بالتالي مجمل ساعات بثها وبالمباشر في العديد من الأحيان، بقدر ما أفرز أيضا طفيليات إعلامية تغذت ولا تزال مما توفر " بالطبيعة" دونما جهد من لدنها في الغالب الأعم حتى على إعادة التركيب أو وضع المادة المبثوثة (المقرصنة أعني) في سياقها القائم.

 

قد يبدو التباين على هذا المستوى تباينا أخلاقيا صرفا بالنسبة لهذه القنوات "اللقيطة"، لكنه لا يبدو كذلك بالمرة بالنسبة للقنوات التي بعثت بطواقم لها كاملة وجازفت بحياة العديد من أفراده لتغطية أطوار العدوان كائنة ما تكن مواقفها من مبدئه أو من "مبادئ" الثاوين وراء شنه.

 

 

إذا كان للمرء أن يحصر " نجاحات" القنوات الفضائية العربية، بصرف النظر عن تبايناتها الشكلية وتمايز مرجعياتها وخلفياتها، فإنه سيقف على الرغم من ذلك عند ثلاثة نجاحات "كبرى" كانت، من ذي قبل، حكرا على غريمات لها بالغرب لطالما تباهت بميزة السبق التي تمنحها إياها:

 

+  الأول ويتمثل في إفراد العديد منها لمجمل شبكته البرامجية بغرض تغطية أطوار العدوان على العراق مذ انطلق بأم القصر في العشرين من مارس وإلى حين دخول القوات الأمريكية ساحة الفردوس.

 

لم تقتصر هذه القنوات (الجزيرة كما أبو ظبي كما العربية كما المنار كما شبكة الأخبار العربية كما غيرها)، لم تقتصر على استنفار شبكتها لتغطية العدوان بالصوت والصورة، بل ولم تتوان في استجلاب خبراء في التحليل الاستراتيجي وعسكريين ذووا قيمة اعتبارية كبرى، لتحليل الخطط الحربية والتعليق على سير "المعركة" أولا بأول وببث حي ومباشر بداخل نشرات الأخبار كما بمنتديات النقاش والحوار المقامة لذات الغاية.

 

بالتالي، فأن تتم تغطية العدوان بالصوت والصورة، طيلة ساعات اليوم مصحوبة بتعاليق خبراء ومتمرسين في الجيش وفنون الحرب، من لدن هذه القناة العربية أو تلك...لا يمكن أن يعتبر إلا نجاحا في حد ذاته حتى لو تباينت زوايا الرؤية وتميزت المواقف أو احتدت وجهات النظر بهذه النقطة أو تلك.

 

ومعنى هذا أن وجود (أو تواجد) قنوات عربية ذهبت في بعض منها لحد إزعاج المخططين العسكريين أوإذكاء سخط السياسيين (حالة بوش ورامسفيلد مع قناة الجزيرة مثلا) هو في حد ذاته نجاح دونه أي نجاح حتى وإن اختلف المرء حول أداء ذات القناة أوحول خلفياتها أو طبيعة علاقاتها مع هذه الدولة أو تلك.

 

+ النجاح الثاني ويكمن، فيما نتصور، في قدرة هذه القنوات (أو بعض منها على الأقل) على " زعزعة" الرأي العام الأمريكي و" توريطه" في إرهاصات العدوان ونتائجه الأولية دونما غوص في التنديد أو إطناب في الخطاب. إذ عرض قناة الجزيرة مثلا لجنود أمريكان وبريطانيين بين ميت وحي لم يزعزع الإدارة الأمريكية فحسب، بل زعزع من بين ظهرانيها رأيا عاما أبناؤه بأرض المعركة، لكنه لا يدري عن مصيرهم الشيء الكثير.

 

يكاد المرء أن يجزم بهذه الحالة بالضبط وفي أيام العدوان الأولى، أن قناة الجزيرة نجحت وإلى حد بعيد في تأجيج جزء من الرأي العام الأمريكي حول الجدوى من العدوان والجدوى من الزج بشباب في مقتبل العمر لا يعرف أكبرهم سنا الهدف الحقيقي من ذات العدوان.

 

قد يكون بمستطاع المرء أن يجزم بمحدودية الصور هاته في ذهن صاحب القرار الأمريكي والبريطاني كونه لم يأبه بمظاهرات ضخمة سبقت ذلك وبأكثر من دولة من دول العالم، لكنه لا يستطيع إلا أن يجزم أنه على أساسها تمت محاصرة قناة الجزيرة وضرب مقرها بالعراق وتمت محاصرة فضائية أبو ظبي كما تم التضييق على البعض الآخر منها.

 

هو نجاح، في تقديرنا، وبكل المقاييس وإن على نسبيته، إذ اتضح فيما يبدو أن الفضائيات العربية قادرة إلى حد ما، في الشكل كما في المضمون، على تغطية الحدث والمساهمة في تأجيج الرأي العام من حوله أو بشأنه.

 

+ أما النجاح الثالث فنراه كامنا في الحرية النسبية التي وفرتها ذات القنوات لصحفييها في تغطية الأحداث أو في الجزء الرمزي منها على الأقل: فمراسلي قناة أبو ظبي كما الجزيرة كما غيرها القليل، لم يمرروا فقط للاستفزاز الذي واكب وضع العلم الأمريكي على رأس تمثال الرئيس العراقي قبيل إسقاطه، بل اعتبروا ذلك إيذانا بالمرحلة الأمريكية التي ادعت " تحرير العراق" ووضع "مصيره بين يدي أبنائه".

 

هي صورة حقيقية لنموذج في الإعلام قد يكون للصحفي بموجبه إمكانية التعليق الحر (والعفوي حتى) دونما قطع البث عليه أو تشويش الصورة ضدا على تعليقه.

 

هي كلها " نجاحات" مميزة وإن في الإكراهات والضغوطات التي تعترض هذه القناة أو تلك، لكنها بالتأكيد ضوء في نفق الإعلام العربي المظلم الذي لم تتسن له بعد بعض من شروط الممارسة.

 

وعلى الرغم من ذلك، فإن المفارقة حقا في كل ما سبق، أن ذات النجاحات تظل نسبية وغير ذات قيمة كبرى قياسا إلى الإخفاقات التي لا يتعذر على المرء تسجيلها على هذه القنوات في شكل أدائها كما في جوهره سيما في تغطيتها للعدوان على العراق:

 

+ فهي (أو في معظمها) لم تستطع التخلص من الرابط البنيوي الذي ربطها بما تبثه المؤسسة العسكرية (والسياسية) الأنجلوأمريكية... لتجد نفسها بالمحصلة، بطريقة أو بأخرى، بوقا لهذه المؤسسة بامتياز إذا لم يكن في طريقة تغطية العدوان فعلى الأقل في المادة المبثوثة والتي تتأتى لها، في الغالب الأعم، من ذات المؤسسة كلمة وصوتا وصورة.

 

لا يتعلق الأمر هنا بنقلها للمؤتمرات الصحفية اليومية التي يقدمها التحالف الأنجلوأمريكي بقطر كما بأروقة البنتاغون (ودونما توقف عند بعض من نقاطها)، بل ويتعداه لدرجة بث أنباء يدرجها العدوان بغرض الاستدراج أو التجريب وتلتقطها ذات القنوات دونما تأكد من لدنها من درجة صحتها. إذ بقدر ما تتساقط المدن تباعا في تكتيك التحالف، تتساقط أيضا وبالدرجة نفسها في أخبار وتعليقات القنوات الفضائية دونما أن يتسنى لها تقرير ذلك أو إثباته بعين المكان.

 

+ والقنوات الفضائية العربية (أو الجزء الأعم منها على الأقل) لم تستنفر قواها لاستنكار العدوان على شعب ضاق الأمرين ولسنين طويلة خلت، بل وتعاملت معه ولكأنه " شعب في حالة حرب" تماما كما لو كان الشعب العراقي في مواجهة مباشرة مع الشعب الأمريكي للمنهزم ضمنهما واجب الاستسلام للمنتصر.

 

وعلى هذا الأساس، فالاعتقاد السائد من لدننا بإزاء هذه القنوات إنما هو القول بأن ذات القنوات بقيت (حكومية كانت أم شبه حكومية أم خاصة) بقيت في فضاء ما حددته لها دولتها أو ما تم لها استشفافه بتواجد مكاتبها (ورأسمالها) بهذه الدولة أو تلك.

 

لن يتعذر على المرء بالمحصلة النهائية، الاعتقاد (الصحيح في تقديرنا) بأن كل القنوات العربية بقيت وأضحت (بهذه الطريقة أو بتلك) وفية لموقف دولتها، لممول أنشطتها أوللساهر على بقائها.

 

بالتالي، فلم تخرج التغطية كثيرا عن هذا السياق ولم يكن لها أن تجتهد بجهة تجاوزه، إذ العدوان على العراق لم يكن حقيقة الأمر تحديا لأداء هذه القناة العربية أو تلك، بقدر ما كان تحديا حقيقيا للدول والأنظمة التي تمول ذات القنوات أو تسهر على استمراريتها خبرا كما في التعليق.

 

جريدة العلم، 4 ماي 2003

جريدة القدس العربي، 19 ماي 2003