"الاقتصاد المجنون: الرأسمالية والسوق اليوم"

 

كريس هارمان, مركز الدراسات الاشتراكية, 2000, 227 ص.

 

 

1- بمقدمة الكتاب, يتحدث المؤلف عن أوضاع الفقر والجوع والتوتر بالعمل, والتي تطاول الملايير من سكان الأرض. ويوضح "أن السبب الرئيسي في زيادة الصراعات الداخلية في العالم, هو التهديد المستمر للجوع والعنف والأمراض...وأن الدول صغيرة وكبيرة, تفضل إنفاق المليارات على الأسلحة الحديثة, على الاهتمام بالحاجات الضرورية للشعوب".

 

صحيح, يقول المؤلف, إن الجوع والمرض والفقر واليأس كانت كلها ملازمة للمجتمع البشري, "لكن البؤس في عالمنا اليوم يختلف, لأنه يوجد جنبا إلى جنب مع ثروة يكفي مقدارها بسهولة للقضاء على الفقر إلى الأبد...ويتواجد الجوع جنبا إلى جنب مع مخزون هائل من الأغذية".

 

2- يتوزع كتاب "الاقتصاد المجنون" إلى خمسة فصول, أفردها الكاتب لتبيان كيف أن الاقتصاد الرأسمالي هو "اقتصاد مجنون" بكل المقاييس:

 

+ بالفصل الأول ("عالم مجنون"), يتحدث الكاتب عن "إفلاس علم الاقتصاد", سيما المرتكز على النظرية الحدية المتبنية للعرض والطلب, والتي "لا تفسر من أين يأتي العرض أو الطلب", ولا كيف "أنه إذا لم تتدخل الدولة, سيتوازن العرض والطلب تلقائيا".

 

إن الأشياء في ظل الرأسمالية لها خاصية غريبة, يقول الكاتب, "فقبل إمكانية استخدامها, أي أن تكون قيما استعمالية, يجب أن يتم تبادلها مقابل النقود, والتي يمكن في المقابل تبادلها ببضائع أخرى...فالمهم هو القيمة التبادلية, كم من النقود وبالتالي كم وحدة من البضائع الأخرى, يمكن الحصول عليها مقابل سلعتك".

 

وينتقد المؤلف بشدة فكرة توني بلير ب"أن الماركسية قد انتهى زمنها", لأنها كما يدعي لا تفسر دينامية اقتصاد السوق. ويعتبر ذلك جهلا من لدنه, لأن "ماركس برع في تصوير حركة النظام الرأسمالي", وبين كيف يتم "التراكم الجبري الذي يتجاهل البشر".

 

إن الرأسمالية, يتابع المؤلف, تقوم "على نمط من الإنتاج الاجتماعي, يضم اليوم حوالي 3 مليار عامل على مستوى العالم. ومع ذلك, يقوم بتنظيم الإنتاج شركات منفصلة ومتصارعة, معظمها يملكها أفراد, وبعضها تملكه دول قومية متصارعة, ومحركهم الرئيسي, هو الحاجة إلى تجاوز بعضهم البعض في المنافسة".

 

+ بالفصل الثاني ("تفسير الأزمة"), يؤكد الكاتب بأن "تاريخ الرأسمالية الصناعية هو تاريخ فترات من الرخاء, وفترات من الركود", إلا أن اقتصاديي المدرسة الحدية والكلاسيكية الجديدة يرون, بنظر المؤلف, أن "اليد الخفية للسوق تضمن أوتوماتيكيا إمكانية شراء أي سلعة تنتج: إن العرض يساوي الطلب" يقول هؤلاء.

 

ويزعم الكاتب أنه إذا كان ثمة تلاقي ما بين العرض والطلب, فإنه "لا يتم بطريقة سلسة أو فعالة, أو مريحة بينهما", ولكن من خلال التوتير العنيف, أي الأزمة".

 

إن "الحماس لقدرات السوق العجيبة والمزعومة, عادة يصل إلى قمته أثناء فترات الرخاء, حيث تتزايد الأرباح, ويتسابق الرأسماليون فيما بينهم في الإسراع في زيادة إنتاج السلع أكثر وأكثر". ولكن "في قاع المجتمع, تظل أعداد واسعة من الناس لا تشعر بأي تحسن في أوضاعها".

 

+ بالفصل الثالث ("الوضع يزداد سوءا") يوضح الكاتب بأنه "بقدر ما ينجح الرأسماليون في التراكم, بقدر ما يزداد الضغط على مستوى النظام الرأسمالي نحو انخفاض معدل الربح".

 

إن الميول بجهة زيادة فائض القيمة المطلق, وفائض القيمة النسبي وزيادة البؤس, ليست قوانين للاقتصاد الرأسمالي, يقول المؤلف, إذ أنها ليست اتجاهات هيكلية لا يمكن مقاومتها, ولكنها وسائل يلجأ إليها الرأسماليون عندما تتعرض معدلات الربح للضغط. وهي أيضا وسائل تثير المقاومة العمالية بدرجات متفاوتة, مؤدية إلى تأكيد العداء في المجتمع, وتزيد من احتمالات الصراعات الطبقية الواسعة".

 

ويعتقد المؤلف أن فرضية علم الاقتصاد التقليدي بأن الرأسمالية ستبقى إلى الأبد, وتعتبر الأزمات حادثة, ليست من التحليل الماركسي في شيء. هذا الأخير يبين "أن الأزمات الحادة مرض مزمن في النظام, ولكن هذا لا يعني أن الرأسمالية ستنهار ببساطة من تلقاء ذاتها, أو أن الأزمات تستمر للأبد".

 

+ بالفصل الرابع ("تركيز وتمركز رأس المال") لا يعتقد المؤلف بأنه ليس ثمة مشكلات للرأسمالية على المدى الطويل, ولا يؤمن بالادعاء ب "أن الأزمات المتكررة لا تدعو للقلق, حيث إن جميع الأزمات تتبعها فترات ازدهار".

 

ويعتقد الكاتب ب"تركيز وتمركز رأس المال", تلك الحالة التي تتراجع بها عدد الشركات المتنافسة, "بينما تسعى حفنة من الشركات الكبرى إلى السيطرة على صناعات بكاملها, واقتصاديات بكاملها".

 

إنه, يؤكد المؤلف, بمجرد أن يسيطر على النظام حفنة من الشركات العملاقة, فإن الأزمات لا تحل نفسها أوتوماتيكيا, بل تصبح أسوأ, لأن كل شركة عملاقة تنهار تجر وراءها الآخرين, مثل قطع الدومينو".

 

ويستدل الكاتب على ذلك, بأن هناك اليوم "أكثر من 500 شركة من الشركات عابرة القومية, تسيطر على ثلثي التجارة العالمية. وأن أكبر 15 شركة, منها جنرال موتورز وإكس وآي ب إم ورويال دوتش شل, يزيد مجموع دخلها على دخل 120 دولة".

 

إن الذي سقط, يتابع الكاتب, ليست الاشتراكية, "ولكن استراتيجية التغلب على الأزمات القديمة لرأسمالية السوق, عن طريق رأسمالية الدولة".

 

+ بالفصل الخامس ("السقوط في الهاوية") يلاحظ الكاتب أن مستويات التنمية بكل دول العالم انخفضت, منذ منتصف السبعينات, عما كانت عليه منذ 25 سنة مضت, وارتفع متوسط البطالة إلى 8 بالمائة (حوالي ألف مليون عاطل).

 

ويؤكد الكاتب أنه "حتى الجزء الذي ينمو أسرع من الاقتصاد العالمي, والشهير بالمجال الاقتصادي الصيني (الصين وهونغ كونغ وتايوان وسنغافورة) يتركز النمو حول مناطق معينة, بينما في عمق الصين الواسع, يتوق مئات الملايين إلى الهرب من البؤس الريفي, ولكن لا يمكن توفير فرص عمل لهم في المدن".

 

إن التوقعات كارثية "بالنسبة للنظام الحالي, وبالنسبة لخمسة مليار إنسان يعيشون في ظله", وأن أكثر المؤمنين بإصلاح النظام سعة في الأفق, يرون ذلك".

 

يقول وليام هوتون: "لو لم تعترف الرأسمالية الغربية...بأن عليها مسؤوليات اجتماعية وسياسية نحو العالم الذي نعيش فيه, فسوف ننقاد إلى الدمار الشامل".

 

إن الخطر الذي يواجه العالم اليوم, هو خطر "الدخول من جديد في أوضاع مماثلة لأوضاع النصف الأول من القرن العشرين. تلك الأوضاع شملت حربين عالميتين, وصعود النازية, وانهيار الديموقراطية عبر معظم أوروبا, وانتصار الستالينية ومعسكرات الموت والكولا. إذا كان لها أن تتكرر في مدى سنوات قليلة, فلا شك أنها ستكون على مستوى أكثر فظاعة بكثير...وسوف نواجه فعلا مستقبل البربرية, إذا لم يكن الدمار النهائي للبشرية كلها".

 

إن للبشر "القدرة للسيطرة على وسائل إنتاج الثروة, وإخضاعها لقراراتنا ولقيمنا. فلسنا مضطرين لأن نتركها للتقلبات العمياء للسوق, للسباق المجنون لملاك متصارعين على الثروة, في سباقهم للتفوق على بعضهم البعض".

 

إنه بإمكاننا يقول الكاتب, "تقشير البصلة طبقة طبقة, لكنه لا يمكن أن نسلخ نمرا مخلبا مخلب"...ومع ذلك, يجب خوض التجربة, يؤكد المؤلف.

 

يحيى اليحياوي

الرباط, 17 يناير 2008