المدرسة في مهب السوق

 

 

لست خبيرا بميدان التربية والتعليم, ولا أدعي أن لي بهذا الجانب تصورا مرسوما لما يجب أن تكون عليه المدرسة, أو نظام التربية والتكوين. من هنا, فسيقتصر الحديث هنا على طرح السياق العام لجدلية العلاقة بين التربية والعولمة, أو لنقل المدرسة والعولمة, المدرسة هنا بمفهومها النسقي العام, وليس بمعناها الأدواتي الوظيفي الخالص.

 

ثمة ثلاث ملاحظات كبرى, لا بد من سياقها بالبداية رفعا لكل لبس ودرءا لكل التباس:

 

+ الأولى وتتعلق بعبارة العولمة, أو لنقل تدقيقا عبارة العولمة الليبيرالية, على اعتبار أنه ليس هناك عولمة أخرى سارية اليوم, يمكن الحديث عنها خارج العولمة الليبيرالية, على الأقل منذ بداية ثمانينات القرن الماضي, حيث ساهمت عوامل اقتصادية وسياسية وجيوستراتيجية وقطائع مؤسساتية, في استنبات ما أضحى من حينه يسمى عولمة, أو شوملة, أو كوكبية أو كونية, أو ما سوى هذه التعبيرات والاصطلاحات.

 

+ الملاحظة الثانية: لو سلمنا بأن العولمة ليبرالية الطبيعة والطابع, فإننا سنسلم حتما بأنها تغرف من إيديولوجيا قائمة (عالم الأفكار أقصد) تحيل حتما على اقتصاد السوق, وديموقراطية السوق, وثقافة السوق. أي أنها تختزل كل الأبعاد والروافد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية في السوق, كمرجعية فكرية ونظرية صرفة, وأيضا كفضاء للتباري من الناحية العملية والتطبيقية والإجرائية. هذا معطى أساس لا بد من الانتباه إليه عند أي تعرض لإشكالية العولمة السائدة منذ مدة.

 

+ الملاحظة الثالثة: أنا لست مع الربط القسري الذي غالبا ما يصاحب استخدام اصطلاح العولمة, إما من باب الموضة (على اعتبار أن من لا يتحدث بهذا المصطلح يعتبر متجاوزا), أو من باب التسويغ لقرار أو لسياسة, كالقول مثلا بأن إكراهات العولمة وتحدياتها ورهاناتها, هي التي دفعت لاعتماد هذا القرار أو ذاك, هذه السياسة أو تلك.

 

صحيح أن هناك إكراهات من لدن المنظمات الدولية (وبمقدمتها صندوق النقد الدولي, والبنك العالمي, ومنظمة التجارة العالمية, والمنظمة العالمية للملكية الفكرية, والمنظمة العالمية للاتصالات وغيرها), تفترض وتشترط سياسات بعينها, لكن ذات السياسات كانت ضمنية, أو لنقل خلفية موجودة قبلما يتم الحديث عن العولمة, أعني قائمة منذ مدة بعيدة, ولم تعمل العولمة إلا على تسريع وتيرتها, ووتيرة استخدامها, وإعطائها زخما أكبر وأوسع بجهة مأسستها.

 

بالبناء على هذه المعطيات, أزعم أن المحك الذي وضعته العولمة بوجه منظومة التربية والتعليم والتكوين, ولنقل المدرسة بوجه عام, هو من خمسة عناصر كبرى, لا بد من طرحها هنا, واستقرائها بالسياق العام, المفضي حتما للفهم وللمعنى:

 

+ العنصر الأول, أن التربية والتعليم تحولا, بظل العولمة, إلى مجرد مورد, إلى مجرد مدخل من مداخل العملية الإنتاجية, شأنهما في ذلك شأن باقي المدخلات, من آلات وموارد أولية ووسائل لوجيستية وما سواها.

 

المدرسة هنا تحولت إلى "سلعة" اقتصادية, تطلب وتعرض, وتقيم, وتنظم, ويعاد إنتاجها, ولا قيمة لها تذكر إلا القيمة المتأتية من نجاعتها وإنتاجيتها, والربحية التي تمكنها. بالتالي, أضحت المدرسة, كما نظم التعليم والتربية والتكوين, مجالا من مجالات إنتاج وإعادة إنتاج هذا المورد البشري, المطلوب والمرغوب في استخدامه بالدورة الاقتصادية. لم يعد المعلم مثلا مربيا, بل بات تقنيا بمجال البيداغوجيا, أي مجرد تقني بيداغوجي بالتسمية الاقتصادية الرائجة.

 

من هنا, فكل الحديث عن الحقوق السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو الثقافية, وضمنها حتما الحق في التربية والتعليم كمرفق عام أو كملك عام, هو حديث لا يمكن الارتكان إليه, بنظر هذا الطرح, ما دام لا يخضع للتقييم اقتصاديا أو ماليا, أو يموسط بالسوق, أو بالاحتكام إلى مبدأ العرض والطلب, أي لا يقيم وفق منطق السوق ومنطق العرض والطلب.

 

+ العنصر الثاني: لم تعد منظومة التعليم أو التربية أو التكوين أو المدرسة, تحتكم إلى اقتصاد السوق في فعلها وتفاعلها, بل أضحت بدورها سوقا قائما, أو يراد له أن يقوم. من هنا عبارات "سوق التربية", و"سوق السلع والخدمات البيداغوجية" و"سوق الكفاءات" وغيرها (قدرت اليونسكو "سوق التربية" بحوالي 2000 مليار دولار).

 

بظل هذا المعطى, نلاحظ أن الدولة لم تعد هي الفاعل الأساس والرئيس بهذه "السوق", بل ولجه فاعلون خواص, عمدوا إلى تشكيله وتشكيل روافده المختلفة. أنا لا ألمح هنا إلى "المستثمرين التقليديين" في قطاع التربية والتعليم, بل إلى المهن الاقتصادية الجديدة المتفرعة عن تحولاته, من قبيل ناشري السلع متعددة الأقطاب, مصممي البرامج عن بعد, الفاعلين في المعلوميات (المعلوميات البيداغوجية تحديدا), وفي الاتصالات (الموفرين للأعتدة والبنى التحتية)...ثم "الجامعات الافتراضية" فيما يخص التعليم العالي, وقس على ذلك.

 

هو إذن تعليم يستوظف انفتاح الأسواق, وتوافر المستجدات التكنولوجية, لتصميم تعليم عن بعد, مؤدى عنه, ليس للدولة الوطنية من سلطة كبيرة عليه, اللهم إلا سلطة تنظيم قواعد اللعبة, وتحديد شروطها بالحد الأدنى الممكن.

 

بالمحصلة إذن, يبدو أنه أضحى للتعليم تدريجيا سوقا قائما, له فاعلوه, له منطقه, له آليات اشتغاله, وله طقوسه تماما كباقي أسواق السلع والخدمات المعهودة.

 

+ العنصر الثالث: كل المنظومة, من تربية وتعليم وتكوين وإعادة تكوين, لا تدفع اليوم إلا بثقافة السوق المفتوح, المحرر, غير المقنن والتنافسي. بالتالي, فمجريات العملية التعليمية والتربوية والتكوينية لم تعد تقاس إلا بمقياس النجاعة والجودة والكفاءة والقدرة على التكيف, والانضباط والحركية. وتقاس أيضا وتحديدا بحجم الأسواق المحصلة, وحصص السوق المدروكة. السوق هنا هو سلطة التقييم بالبداية وبنهاية المطاف.

 

بالتالي, يبدو أن كل مبادرات الإصلاح المعتمدة بالمغرب وبما سواه, إصلاح المنظومة, إنما تتطلع لإدراك ذات الأهداف بالجملة والتفصيل, أي ربط التعليم بالسوق, حتى وإن كانت القناعة قائمة بتباين واختلاف مرجعياتهما وغاياتهما.

 

+ العنصر الرابع, ويتعلق برهن التعليم والتربية والتكوين بالتكنولوجيا عموما, وبتكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال, والعمل على اعتماد السياسات التعليمية والتربوية بالاحتكام إليها, بالتكيف معها, لا العكس, أي توظيفها لخدمة منظومة متوافق عليها, ومراد لها القيام.

 

معنى هذا أنه مادامت العولمة الحالية وليدة التطورات التكنولوجية, فإن مسايرتها هو من مسايرة هذه التطورات بالشكل والمضمون. ليس المهم هنا تمثلات المهندس ولا مرجعياته, المهم هو تجريده من ذلك, ليبدو مجرد مدخل ومورد.

 

ومعناه أيضا أن الحل هو في التكنولوجيا, ومدى القدرة على استنبات المنظومة التعليمية والتربوية على أساسها, لا تحديد مفاصل هذه المنظومة, والنظر فيما بعد (وفيما بعد فقط) فيما يتطابق وإياها من مستجدات تكنولوجية.

 

هذا إشكال كبير لا يطاول منظومة التربية والتعليم والتكوين, بل وأيضا منظومة التنمية برمتها بالعالم الثالث وبالمغرب تحديدا.

 

+ العنصر الخامس ويكمن في خطاب مجتمع المعرفة المتزايد المد, سيما بالدول المتقدمة, والذي مفاده أن تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال, والكفاءات العالية, والتنظيم الشبكي, وتدبير "الموارد البشرية العالية", من شأنه إفراز منظومة تعليمية جديدة, على غرار تلك المتقادمة, أو ما تبقى من المتقادم منها.

 

قد يكون بعض من الصواب في هذا الكلام, لكنه من شأنه أن يفرز بالمحصلة توزيعا طبقيا جديدا بين من لهم القدرة, قدرة بلوغ هذه المنظومة الجديدة, وبين من لا قدرة لديهم في البلوغ.

 

قد نقبل بخطاب مجتمع المعرفة المبني على كل ما ورد, لكن الخطر هو في توظيفه لفائدة المقاولات, أي لفائدة الإنتاجية والتنافسية والربحية لدرجة الهوس...أي لفائدة الشركات متعددة الجنسيات بالنهاية.

 

من المفارقة هنا ملاحظة أنه كلما دفع المرء بهذا الخطاب, طلع له خطاب بالتوازي, لكنه نقيض له, مرتكز على أمرين:

 

+ الأول أن أزمة المنظومة, منظومة التربية والتكوين, هي (يقول ذات الخطاب) من أزمة طبيعية متأتية من إكراهات العولمة, وأن المظاهر التي نلاحظ اليوم هي مظاهر المغاص والمخاض, وأن المنظومة ستنتهي بالاستواء, عندما تتجدر "القيم" المراد إشاعتها من بين ظهرانيه ...

 

+ وأن الأزمة هي أزمة مستحبة, لأنه من شأنها أن تنقلنا إلى مجتمع المعرفة, شريطة أن نترك السوق وآليات السوق تشتغل وتحدد الغايات والأولويات.

 

أتصور أن خطابا من هذا النوع هو الذي أجهز على قطاع التربية والتعليم بالمغرب, وأجهز على المرفق العام بداخله, وأفرغه من مكمن الملك المشترك الذي يبدو لي أن منظومة التربية والتعليم هي آخر قلاعه.

 

التربية والتعليم ملك مشترك, وظيفته الأساس نقل المعارف وتعميمها, لا أداة لتراكم بدائي لرأس المال الاقتصادي. المدرسة فضاء للتعلم من أجل التعلم, وليس للتعلم من أجل خدمة المقاومة أو رب المقاولة, أو رأس المال أو ما سواهم.

 

طالما لم نع هذه الحقيقة, أو نتجاوز عليها أو نتحايل عليها, ستبقى منظومة التربية والتعليم وبصلبها المدرسة, مكمن أزمة وتأزم لا متناهيين.

 

 

يحيى اليحياوي

الرباط, 26 أكتوبر 2009