"خدعة التكنولوجيا" لجاك إيلول

 

ترجمة فاطمة نصر، مكتبة الأسرة، 2004

 

 

ولد جاك إيلول في السادس من يناير 1912 بمدينة بوردو الفرنسية حيث قضى معظم حياته الجامعية إلى أن توفي بضواحيها (ب16 ماي 1994) على بعد كيلومترات فقط من المركب الجامعي الذي أفنى جزءا كبيرا من حياته بين طلبته ورواده.

 

وعلى الرغم من مسار أكاديمي شديد الغنى (أكثر من ستين كتابا وعشرات المئات من المقالات) ، فإن الذي فسح له في المجال واسعا للشهرة إنما الجزء الأول ("التقنية أو رهان القرن") من ثلاثية ضخمة أصدرها في العام 1957 وترجمت إلى مختلف لغات العالم دفعت بالعديد من الطلبة الأمريكيين إلى التهافت على دروسه ومحاضراته بمعهد الدراسات السياسية ببوردو (قبل تقاعده العام 1990) حيث الحديث في المجتمع التقني، في التضليل، في فكر كارل ماركس وفي فكر العديد من نظرائه الألمان والإيطاليين والروس والصينيين وغيرهم.

 

وإذا كان من الصعوبة حقا تصنيف إيلول (الذي كتب في الأخلاق والسياسة والدين وعلم الاجتماع والتاريخ والفلسفة والاقتصاد والتقنية وغيرها من الحقول المعرفية الأخرى)، فإن الهوس/الأصل الذي لازمه، طيلة حياته، إنما ارتكز على النضال من أجل " تخليص الإنسان من المخاطر المحذقة به" دونما أن يستتبع ذلك من لدنه تموقعا ما بالحقل الإيديولوجي (الفلسفة الوضعية تحديدا) أوالسياسي (حيث انتقد اليمين كما اليسار سواء بسواء).

 

وبناء على اعتقاده الراسخ بضعف السياسة أمام السطوة التقنوعلمية، فإنه يعتقد من هنا بأن الإنسان لم ينجح في تسخير التقنية بل هذه الأخيرة هي التي نجحت في تسخيره، محولة الوسيلة إلى غاية والضرورة إلى ميزة.

 

إن جاك إيلول لا يعتقد بوجود مجتمع ما بعد صناعي كما يتحدث في ذلك " كتاب الحداثة"، بل بوجود مجتمع تقني حيث يثوي النظام التقني في القلب كنتاج للظاهرة التقنية (المميزة بالاستقلالية والوحدانية والكليانية) وللتطور التقني (المحدد في التراكم الذاتي والآلية والنمو الجدلي وما سواها).

ولما كان ذات النظام متموطنا بصلب المجتمع التقني، فإنه لا محالة ينخره تماما كما ينخر السرطان جسم الإنسان.

 

إن إيلول لا يتحامل على التقنية في حد ذاتها، بل على الإيديولوجيا التقنية التي تتحول التقنية بموجبها إلى غول وتتحول المعلومة الحاملة لها إلى عملية تضليلية للرأي العام "الذي تصنعه المعلومة قبل أن تتحول إلى جهاز للتضليل".

 

لا يخرج كتاب "خديعة التكنولوجيا" (الذي أصدره إيلول في العام 1994 ولم يترجم للعربية إلا بعد أكثر من عقد ونصف من الزمن)، لا يخرج عن النسقية العامة التي حكمت فكر إيلول وأسست للازمة الأساس التي طبعته منذ البدء.

 

هناك، فيما نتصور، أربعة تيمات كبرى لا بد من الوقوف عندها لفهم الإشكالية الكبرى الناظمة لهذا الكتاب:

 

+ الأولى وتتعلق بحيادية التكنولوجيا. بهذه النقطة يرفض إيلول ما ذهب إليه أنصار التقنية من أن هذه الأخيرة محايدة وأن الآثار السلبية التي تفرزها إنما هي متأتية من طرق الاستخدام وليس من التقنية في حد ذاتها. في حين يذهب إيلول إلى القول بأن كل تقنية تحمل في طياتها آثارها الخاصة (السلبية كما الإيجابية) بصرف النظر عن الاستخدام المترتب عنها في الزمن أو المكان.

 

 ولما كانت التقنية كذلك، فإن التطور التقني أيضا غالبا ما يكون مصحوبا بثمن من المفروض أداؤه بهذا الشكل أو ذاك على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي أو البيئي أو ما سواها.

بالتالي فليس من الموضوعية في شيء فصل الآثار السلبية عن الآثار الإيجابية للتقنية سيما وأن هذه الأخيرة غالبا ما تصمم لحل مشاكل محددة فتؤدي إلى خلق أخرى غير منتظرة أو غير متنبإ بها.

 

+ أما التيمة الثانية فتتعلق بخطاب "التكيف مع التكنولوجيا" سيما تكنولوجيا الصدارة وفي مقدمتها تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال. فالإنسان، يقول إيلول، أضحى مطالبا  يوما بعد يوم بالتكيف مع تقنية غزت المصانع والمعامل والإدارات واقتحمت على الأفراد والجماعات حميميتها وخلقت بذلك تغيرات جوهرية على مستوى حياة الفرد والجماعة.

 

التقنية من هنا، وفق إيلول، لا تستعبد الإنسان فحسب (بالمعمل كما بالمنزل كما بغيرها)، بل وتذهب لحد " سحق التلقائية والخيال والقيم" (بتركيزها على الفردية والذاتية) التي هي جوهر اختلاف الإنسان مع الآلة وسر تميزه وتمايزه عنها.

 

+ التيمة الثالثة وتتعلق بجدلية العلاقة بين السياسة والتقنية. بهذا الجانب يعتقد إيلول أن "السياسة أصبحت تستمد شرعيتها من التقنية. فالعلم يضفي على السياسة المشروعية، لذا تقوم السياسة بمنح التقنية كافة التسهيلات اعتمادا على ما تنتظره من مكاسب اقتصادية وتقوية وسائل تحكمها رغم أن النمو التقني قد لا يأتي بثروة حقيقية رغم ما يضخ فيه من أموال واستثمارات".

 

لا يقف إيلول عند هذا المستوى، بل يعتبر أن التقنية المروجة للمعلومة إنما هي مروجة في الآن ذاته للإيديولوجيا وللتضليل من خلفها. فيعتبر بالتالي:

 

 

°-  أنه إذا كان من الثابت أن لا ديموقراطية بدون معلومة، فإنه من الثابت أيضا أن لا معلومة بدون تضليل.

°-  وإذا كان  للديموقراطية أن تستمر فلن يتسنى لها ذلك إلا باللجوء إلى التضليل حتى وإن كان هذا الأخير نقيضها في الشكل كما في المضمون.

 الخطورة هنا لا تكمن، في نظر إيلول، في التضليل بحد ذاته بقدر ما تكمن في  الديموقراطية الذي تتخذ منه الوسيلة فيتحول بالمحصلة إلى غاية على اعتبار أنه ليس هناك تضليل حسن وتضليل قبيح، بل هناك التضليل الناجع  و التضليل غير الناجع.

لا يختلط جراء ذلك، يقول إيلول، السياسي بالاجتماعي إلى درجة المماهاة فحسب، بل تتحول  الدولة، جراء ذات الخلط، إلى " دولة تقنية" خالصة.

 ولما كانت "الدولة التقنية" شمولية بمنشئها (كائن ما يكن شكلها القانوني أو لبوسها الإيديولوجي)، فإن كليانية التقنية تحول (مع الزمن) الخصوصيات السياسية والمؤسساتية إلى أبعاد ثانوية لا يعتد بها أو يقاس.

 

+ التيمة الرابعة وترتبط بالعلاقة بين الثقافة والتقنية والتي يختزلها الخطاب التقني الرائج في "الثقافة التقنية" التي تقحم التقنية بموجبها في جسد الثقافة وتخضعها بالتالي لعملية تصنيع وتسليع قسرية متجاوزة على البعد الإنساني وعلى مبدأ التنوع الذي يؤسس لجوهر الثقافة شكلا وبالجوهر.

 

ما يزيد العلاقة إياها التباسا، يقول إيلول، ركوب الخطاب التقني لها من خلال " طبقة الأرستقراطية الجديدة" التي ترى، يقول إيلول، "إن التقنية لها القدرة على تحقيق ما ظل الإنسان عاجزا عن تحقيقه في القرون الماضية كالحرية والسعادة والمساواة وغيرها".

 

بهذه النقطة يجزم إيلول القول: "إذا كان البعض يرى أن التقنية ما هي إلا نتاج ثقافتنا وإذا أردنا تغيير التقنية فعلينا تغيير الثقافة، فإن الواقع يؤكد أن التقنية الحالية في غالبيتها هي نتاج الثقافة الغربية أساسا، أما بقية البشر فهم مستهلكون لها. والبشر أكثر تعقيدا من الآلة ومن الاستحالة صبغ البشر جميعهم بصبغة الإنسان الغربي وثقافته...إضافة إلى أن التقنية المعاصرة لديها التزام مطلق بخدمة الاقتصاد وهو ما يجعل التقنية وسيلة للسيطرة في يد من يملك إنتاجها وتجعل المنتج للتقنية يطرح ثقافته مع الآلة التي يسوقها لأن كليهما يكفلان السيطرة على البشر والثقافات الأخرى".

 

ما السبيل إلى الخلاص إذن؟

 

  الخلاص الحقيقي، في نظر إيلول، لن يكتب له التمأسس إلا " بمملكة الما بعد"...

 

يحيى اليحياوي

الرباط، 2 مارس 2006