أمبراطوريات الإعلام
يحيى اليحياوي
1- لو كان من الجائز ومن الشائع الأعم (في الاقتصاد كما في المال كما في الصناعة) أن يستحضر المرء مصطلح "الأمبراطورية" لنعت هيمنة مؤسسة قائمة على نشاط أو أنشطة، فإنه قلما يتم اللجوء لذات المصطلح بغرض استجلاء ما يعتمل داخل " قطاع" الإعلام والمعلومات والاتصال.
وإذا كان من الثابت، في الأدبيات الرائجة على الأقل، أن للاصطلاح هذا حمولة سياسية وجيوستراتيجية في المقام الأول، فإن توظيفه في الاقتصاد كما في الإعلام كما في غيرهما، إنما الغرض منه تبيان أن المنطق المتحكم فيها مجتمعة هو نفسه حتى في اختلاف الطبيعة والدرجة أوتباين السياق.
ومعنى هذا أن حركية الهيمنة ومنطق "القطب والهوامش" هو ذاته إلى حد بعيد (أو يكاد) سواء تعلق الأمر في ذلك بسلوك دولة كبرى أو بسياسة شركة صناعية عملاقة أو بأسلوب قطب إعلامي قوي الانتشار.
كلها بنى مؤسساتية تتغيأ الامتداد المجالي والجغرافي، تستهدف إدغام ما سواها من فضاءات وتتطلع إلى فرض منظومتها تارة بالترغيب المبطن وفي أغلب الحالات بالترهيب المباشر.
وبناء على هذا، فالمقصود هنا بأمبراطوريات الإعلام لا يتحدد فقط بالاحتكام إلى ما قد تمتلكه هذه الشركة أو تلك (العاملة بقطاع الإعلام والمعلومات والاتصال) من رساميل ورسوم أو اعتبارا لما تتوفر عليه من فروع (قد يطال فضاؤها معظم دول المعمور) بل وأيضا قياسا إلى رقم معاملاتها وترابطاتها الاستراتيجية ومدى تمكنها من مستويات في السياسة عليا تجعل منها في المحصلة " دولة داخل الدولة" إذا لم تكن ضمنا (في السر أقصد) هي الدولة في منطوقها وفي الجوهر.
لا تغدو هذه الشركة أو تلك (في انتشارها وتوسعها وتعدد جنسيتها نهاية المطاف) سيدة قطاعها ولا صاحبة السبق فيه فحسب، بل تضحو محددا من محددات بريق الدولة "المنتمية" إليها لا بريق لذات الدولة بموجب ذلك إلا بفضل بريق هذه الشركة...لدرجة يتحول معها المجال السياسي إلى مجرد مجال لهذه الشركة يتابع حلها وترحالها، يفتح لها السبل، يوفر لها الأدوات، ينوب عنها ولا يخجل من سن تشريعات لفائدتها حتى وإن كان في ذلك مس بمكتسبات قائمة أو بمبادئ قارة.
2- وإذا كان من المسلم به، تاريخيا على الأقل، أن قيام الأمبراطوريات في ميدان الإعلام والاتصال لم يكن يوما ليؤسس للقاعدة بقدر ما كان علامة للاستثناء (حتى وإن كون ذلك للقاعدة ولا يزال في ميدان السياسة كما في الاقتصاد)، فإن تحول ذلك إلى قاعدة منتصف القرن الماضي إنما جاء كمحصلة لثلاثة عوامل كبرى ساهمت مجتمعة في تحويل مؤسسات إعلامية واتصالاتية خالصة إلى أمبراطوريات شاسعة:
+ الأول ويتمثل في "الميزة الاحتكارية" التي منحتها الدولة المركزية وطيلة عقود عدة لشركات (عامة أو خاصة) تحولت معها هذه الأخيرة (بحكم القانون) إلى مؤسسات قائمة الذات ناذرا ما تتم الإشارة إليها بالأصبع أويقع التشكيك في "نزاهتها" أو في "شفافية" حساباتها أوفي التزامها بخدمة المرفق العام ومساهمتها في إضفاء بريق لذات الدولة أو إشعاع للمنظومة القائمة عليها.
لا يتعذر التحاجج كثيرا على هذا المستوى، إذ احتكار الاتصالات كما الإذاعة والتلفزة، طيلة قرن من الزمن، لم يكن ليوازيه حدة وسعة إلا حدة وسعة التنظيرات التي أقامت لهذه الميزة، البنية والمرجعية بأوروبا كما بأمريكا كما باليابان (كما بدول العالم الثالث فيما بعد).
والميزة الاحتكارية المقصودة هنا لا تعني فقط حماية فاعل واحد ووحيد (بالتبني كما بالإعانات والمنح)، ولكن أيضا جعله (نصا وتشريعا) في مأمن من أية منافسة قد يكون من شأنها زعزعة ممارسة ذات الفاعل أو التشويش على السوق المشتغل به أو المزايدة على الصفقات المتحصل عليها.
+ أما العامل الثاني فيكمن في خاصية التمركز الإعلامي المترتب عن الاندماجات الأفقية التي تتم بين شركات القطاع إما داخل الوطن الواحد أو بين الأوطان المختلفة.
لا يقتصر أمر الاندماجات هاته في حدود قطاع واحد (كالاتصالات مثلا أو المعلوميات أو الإذاعة أو التلفزة أو الصحافة المكتوبة) بل يتعداها لدرجة صهرها مجتمعة في بنية مؤسساتية موحدة تتخذ شكل أقطاب أو مجموعات إعلامية مندمجة.
والخلفية البانية لهذه البنية الإنتاجية والتنظيمية إنما البحث عن امتيازات اقتصاد سلم مرتفعة والحؤول دون إكراهات التكاليف المرتفعة وبلوغ مستويات حجم تفتح في السبل للتدويل، لتعدد الجنسية وللعولمة في المحصلة النهائية.
+ العامل الثالث ويخال لنا كامنا في مسالك الانصهارات والاندغامات التي غالبا ما تعتمدها مؤسسات دخيلة على القطاع (القطاع الإعلامي والاتصالاتي أعني) لكنها تكون مدفوعة بمنطق التوسع والتنويع الذي أصبح السمة المميزة لاستراتيجيات معظم الشركات الكبرى خلال العقود الثلاثة الأخيرة.
وعلى هذا الأساس، فاجتياح شركات عاملة بميادين كالماء أو الكهرباء أو السكك الحديدية أو البناء أو غيرها...لميدان البث الإذاعي والتلفزي وسيطرتها على منابر صحفية وشبكات ألكترونية ، هذا الاجتياح لا يمكن تفسيره، في زعمنا، إلا باعتبار كونه نتاج هوس التوسع والتنويع وتكوين الأمبراطوريات التي تطمح له كبريات شركات الإعلام والاتصال منذ مدة ليست بالطويلة.
هذه العوامل الثلاثة هي التي على أساسها (أو بفضلها) تكونت أمبراطوريات إعلامية يتعدى رقم معاملات بعضها النواتج الإجمالية الخام للعديد من دول وحكومات العالم...وهي التي أفرزت مجموعات (بالاتصالات كما بالمعلوميات كما بالصحافة) لأصحابها القول/الفصل (في العديد من الأحيان) في حاضر القطاع ومستقبله.
3- إذا لم يكن تكوين أمبراطوريات إعلامية من داخل القطاع مدعاة خطر كبير (كونها تبقى مؤطرة بقوانين وتشريعات و"أخلاقيات" محددة)، فإن ما يثير التخوف حقا هو تكوينها من لدن مؤسسات لا تعمل بالقطاع وقد لا تكون لها المعرفة الكافية بطبيعة القطاع ولا بطبيعة الرسالة المكفولة له.
لا تنحصر المخاطر هنا، في مستوى ارتهان الخبر والمعلومة أو توظيفها لخدمة هذه المجموعة أو تلك، لكنها تتعدى ذلك إلى وضع العمل الصحفي (والإعلاميين أيضا) تحت رحمة مقاولين يبقى همهم الأول والأخير تسريع دورة رأس المال وهوس الآنية والربحية والإنتاجية وما إلى ذلك.
بالتالي، لا تغدو الوظيفة الإعلامية مستقلة، قائمة الذات ومحكومة باعتبارات وأخلاقيات في المهنة، بل تضحو جزءا من منظومة اقتصادية سائدة متسيدة سرعان ما تتحول بالمحصلة النهائية إلى ناطق باسم ذات المنظومة، دافع بتصوراتها وتمثلها للإعلام ولسريان الخبر وللوتيرة المتحكمة في رواجهما مجتمعين.
وهو واقع لا يتعذر الاستشهاد بشأنه في حالة الشبكات التلفزيونية الأمريكية أو حالة هيمنة برلسكوني على المشهد السمعي/البصري بإيطاليا أو في حالة أستراليا أو في حالات أخرى غيرها.
4- ليس ثمة من شك في أن للإعلام طبيعة اقتصادية وإلى حد ما تجارية، لكن ارتداده عن طبيعته الأصل لفائدة اعتبارات أخرى هو مكمن الخطر والتخوف:
- فأمبراطوريات الإعلام المتشكلة من عناصر متباينة هو بكل الأحوال تضييق على حرية التعبير والتفكير، وتهديد لمبادئ الشفافية والسريان الحر للمعلومة والخبر والذي هو جوهر الديموقراطية وأحد وسائلها الثابتة.
ومعنى هذا أن تمركز المشهد الإعلامي بين يدي مجموعة واحدة أو مجموعات قليلة ومحدودة هو إلى حد بعيد تهديد لمبادئ التنوع والاختلاف والتعدد وتقليص لسعة الفضاء الإعلامي الذي لا حرية في ضيق سعته هاته.
- وأمبراطوريات الإعلام لا تحتكم في اشتغالها وفلسفتها، لرهانات إعلامية واضحة، بل تبقى في الغالب الأعم محكومة بالاعتبارات المالية والاقتصادية وغيرها. بالتالي، فكل العملية تغدو متمحورة حول السياسة العامة للمجموعة لا حول سياسة قطاعية متناسقة ومهيكلة.
لن يكون مبدأ المصداقية (مصداقية الخبر) هنا هو "الضحية"، بل وكذلك مبدأ المسؤولية الذي لا قيمة في غيابه تذكر لأي عمل إعلامي.
ليس التلميح هنا إلى تسييد "الخبر/الفرجة" (ثلاثية الدم والجنس والرياضة يقول البعض)، بل وكذلك إلى تداخل الأجناس الإعلامية التي تختلط في ظلها على المشاهد (أو القارئ أو المستمع) الحقيقة من الشائعة من التضليل.
والإشكال أعلاه لا يتعقد فقط في حالة سيطرة مجموعة واحدة على المشهد برمته، بل وبالأساس عندما يصل المتحكم في المشهد إياه إلى السلطة و يتمكن من مقاليد الحكم.
حينها لا يصبح الإعلام لوحده في المحك بل وأيضا الجدلية الكبرى التي تحدد وتحكم علاقة الإعلام بالمال وبالسلطة .
جريدة العلم، 16 مارس 2003