"عصر
الشبكات"
لو كان
ثمة من خاصية
كبرى, تميز
نهاية القرن الماضي
وبداية
الألفية
الحالية,
فستكون حتما خاصية
الطفرة
التكنولوجية,
التي طاول
مدها ومداها
كل مفاصل
الاقتصاد
والسياسة
والمجتمع, وكل
روافد
الإعلام
والثقافة
والفكر, إذا
لم يكن بجهة
القطيعة
النسبية, فبالتأكيد
بزاوية تسارع
المستجدات
التقنية, وتزايد
كثافة
المضامين
المبثوثة
والمروجة, وضخامة
أحجام
المحتويات
التي تقتني
هذه الشبكة
الألكترونية
أو تلك.
والواقع
أن الطفرة
إياها, وإن
كانت لا تزال
في بداياتها
وإرهاصاتها
الأولى, لم
تفرز فقط من بين
ظهرانيها
"قطائع مؤسساتية",
طاولت مجال
التنظيم
والتدبير والتسيير,
ولم تعمل فقط
على تحويل
مصادر ومكامن إنتاج
الثروة
والمعرفة, بل
ذهبت لحد
إسهامها في
تفكيك مضمون
بديهيات
خلناها, إلى
حين عهد قريب,
مستقرة أو في
مأمن عن كل
مزايدة أو
تشكيك, كما
الحال مع
بديهية مضمون
مفهوم العمل,
أو رأس المال,
أو الدولة
الوطنية, أو
الحدود الجغرافية,
أو المجال
الفضائي أو ما
سوى ذلك.
كلها
مفاهيم
واصطلاحات
تمددت
مضامينها بقوة,
جراء تضافر
مفاعيل ثورة
تكنولوجيا
الإعلام
والمعلومات
والاتصال من
جهة, ثم
العولمة والانفتاح
وتحرير
المجالات
الاقتصادية,
وتكاثف وتيرة
التبادل
المادي الصرف
منه, كما
اللامادي
الخالص, من
جهة ثانية.
إن
المقصود هنا
بعصر الشبكات,
إنما ذاك
العصر الذي
تحدث عنه
مانويل
كاسطيلس في
ثلاثيته الخالدة
عن "المجتمع
الشبكي",
وتحدث عنه
جيرمي ريفكين
في دراسته
الفريدة عن
"مجتمع
النفاذ", فيما
تحدث آخرون,
بامتداد لذلك
أو لتداعياته,
عن "مجتمع
الإعلام", أو
"الاقتصاد
الجديد", أو
"الرأسمالية الإدراكية",
أو تحدث فريق
ثالث, بتطويع
لكل ذلك,
للخلوص إلى
الحديث عن
"الديموقراطية
الرقمية", أو
"الإعلام
الجديد", أو في
حديثهم عن الإنترنيت
تحديدا, عن
"الأغورا
اليونانية الجديدة",
التي بات
بإمكان الكل
أن يكون من بين
أضلعها, منتجا
للمعلومات,
مستهلكا لها,
مساهما في
اتخاذ القرار,
خاضعا
لتطبيقاته,
ومستسلما
لتداعياته
وتبعاته.
إن عصر
الشبكات
وثورة
المعلومات هو
كل ذلك, وإلى
حد بعيد دون
شك, إذا لم يكن
بصفاته
الجزئية, فعلى
الأقل من
زاوية ما تم
استنباته من
بنى تحتية
ضخمة, في الألياف
البصرية
والأقمار
الصناعية,
والمبدلات
الألكترونية,
واندماج قل
نظيره للمعطى والصوت
والصورة,
وأيضا بزاوية
ما أفرزه من
بنوك وقواعد
معطيات ضخمة,
وبرمجيات في
التخزين والتحليل
غير مسبوقة في
التاريخ, في
الدقة والنجاعة
والمرونة.
إنه أفرز
قدرات
لامتناهية
لاتصال بني
البشر, على
الأقل لاتصال
من لهم
الإمكانات
والقدرات, وأفرز
قاعدة مادية
ومضامينا,
معيار
احتسابها ملايير
الوثائق
ببنوك
المعطيات,
وعلى شبكة الإنترنيت,
وعشرات
الآلاف من
الفضائيات
الإعلامية,
والآلاف من
برمجيات
التشغيل,
والتقاط المعلومات
وتخزينها
واستردادها,
وهكذا.
إنه أفرز
بلغة
ماكلوهان,
مجتمعا
"كونيا
موحدا", بإمكان
دانيه أن يعرف
ما يدور لدى
قاصيه, لا بل ويتصل
به بإحدى سبل
التقنية
المتاحة,
دونما إكراهات
مسافات, أو
حدود جغرافيا,
أو لوائح تقييدية
وتقليدية كبرى
تذكر.
ما من شك
إذن في أننا
إنما بحق
بإزاء عصر
الشبكات
الكبرى, ونعيش
بظل ثورة
تكنولوجية
غير مسبوقة,
في طبيعتها
كما في أحجام
المضامين
التي وفرتها,
للأفراد كما
للجماعات. إلا
أنها, وإن
مكنت الاتصال,
المباشر
والآني,
السريع
والمتجاوز
على الحدود,
الممرر
للمعطى كما
للصوت كما
للصورة, كما
لهم مجتمعين,
فإنها لم تمكن
التواصل, ولا
حدت من مفعول
التباعد, ولا
قلصت من آثار
ما ترتب عن
ذات العصر
وذات الثورة,
من هوات
رقمية, وفجوات
معرفية,
وأنفاق
معلوماتية, لم
تستطع سياسات
"حسن
النوايا"
ردمها, أو
تقليص سعتها ومداها:
+ فالاتصال
عملية تقنية
صرفة, مموسطة
بأداة, متباعدة
أطراف
معادلتها,
تباعد المرسل
والمتلقي,
بمكالمة
هاتفية, كما
بمادة إعلامية
بالفضائيات,
كما برسالة
ألكترونية, كما
بغيرها, في
حين أن
التواصل, وإن
استدغم بعد
التواصل, فهو
عملية
إنسانية,
مباشرة, غير
مموسطة دائما
بأداة تقنية,
غير محكومة
بحاجز, أو
منظومة بشبكة,
أو ببنية
مادية عازلة.
+
والاتصال,
بحكم الصفة
التقنية الحامل
للوائها,
يستبعد
التفاعلية,
وإن تسنى له,
بحكم
التطورات
التكنولوجية,
أن يضمن بعضا
منها, فغالبا
ما تمر عبر
أداة ومصفاة,
وقد تخضع
لمراقبة
ولرقابة,
تنتهك حرمتها,
وتتجاوز على
خصوصيتها, ولا
تعير كبير
اعتبار لما قد
يكون ميزة اعتبارية
أو قيمية بين
طرفي الاتصال.
+
والاتصال,
فضلا عن كل
هذا وذاك,
ينتهك قدسية الحميمية,
المفروض
توفرها بين
باعث الرسالة
ومتلقيها...إنه
يعترضها,
يغربل
مضمونها,
ويقتل بالمحصلة,
الخاصية
الرمزية التي
تتضمنها, أو
تتغيؤها في
شكلها كما في
الجوهر.
+ ثم إن
الاتصال
يستوجب توافر
القابلية على
التواصل, باعتبار
هذا الأخير
رغبة, ثم حاجة,
ثم إرادة, ثم
استعدادا
قبليا, محكوما
بقناعة ذاتية,
مؤطرة في الزمن
والمكان,
وهكذا.
بالتالي,
فإذا كان
الاتصال كبنى
تحتية وكإطار
مادي, ضروري
وأساس في
العملية
التواصلية, فإنه
غير كاف لضمان
مبدأ التواصل,
اللهم إلا إذا
تم التجاوز
على الوسيط
بهذا الشكل أو
ذاك, وتحققت
الرغبة والقابلية
على ذلك,
دونما أحكام
مسبقة, أو
تمثل لصورة
الآخر, قد لا
تكون دائما
مكمن إنصاف.
يحيى
اليحياوي
الرباط, 23
نونبر 2009