هل هناك عهد جديد بالمغرب؟
يحيى اليحياوي
هذا التساؤل يشي
بملاحظة أولية: قدرة الخطاب السياسي (والصحفي) بالمغرب على إفراز المصطلحات
و"المفاهيم" وقدرته أيضا (ولربما قابليته) على تجاوزها وابتداع أخرى
" تساير" المرحلة.
الملاحظة الثانية أن
الحديث من منطلق "العهد الجديد" هو ظاهرة عربية بامتياز: في تونس بعد
إزاحة بورقيبة، في السودان وبعد ذلك في الأردن وسوريا وكذلك المغرب.
المفارقة المشتركة
بينها هي أنها تتحدث وتقدم نفسها على أساس كونها تجسد "عهدا جديدا" في
حين أنها تسير على وتيرة ما سبقها من عهود وتعمق الردة على أكثر من مستوى وليس لها
من جديد إلا رحيل وجوه وقدوم أخرى..."جديدة" بيولوجيا.
الحال بالمغرب لا يشد
على هذه القاعدة: فبعد استنفاذ مسوغات التناوب والتوافق والإصلاح والتغيير...الخ،
بدأ الحديث عن عهد جديد، وهو حديث تلقفه معظم السياسيين والصحفيين من خلال ما يسمونه
ب"الإشارات الكبرى"، ب"الإشارات القوية" أو غيرها. وهي مسميات
ماكرة لأن الملاحظ بالمغرب أن هناك شبه إجماع على أن الوضعية الاقتصادية
والاجتماعية والثقافية والإعلامية متردية وقوى التجنيد لمجابهتها هشة
وضعيفة...بالتالي فهي لا تحتاج إلى إشارات كيفما كانت قوتها، بل تحتاج:
- إلى تحديد رؤية واضحة
لما نريد أن نكون عليه مستقبلا،
- ترجمة هذه الرؤية إلى
استراتيجية،
- تحديد (وبدقة) دور
الأفراد والجماعات لبلورتها،
- وتنفيذها وفق تصور
زمني معين محكوم بوسائل التقييم والتقويم المستمرين مع إعمال مبدأ المحاسبة سلبا
وإيجابا.
هذه أمور غير متوفرة،
على ما نظن، كي نتحدث عن عهد جديد.
لو قاربنا الإشكال وفق
زاوية أخرى لكانت النتيجة مشابهة: هل هناك " قطيعة تاريخية" مع
الاختيارات السابقة (أو على الأقل إعادة نظر كبرى في خياراتها) حتى يصح الحديث عن
عهد جديد؟
بالتأكيد لا، فنحن في
صلب سيناريو الاستمرارية بامتياز ولا معنى للتحقيب في ظل الاستمرارية.
نحن، في أحسن الأحوال،
في وضعية انتقالية عميقة وغير واضحة المعالم وغير تلك التي تتردد من بين ظهرانينا، وضعية: القديم الذي لم يتم تجاوزه والجديد
الذي لم تكتب له الولادة بعد...
جريدة العمل الديموقراطي، 2-8 دجنبر 2000.