البحث العلمي والعولمة ووسائل الاتصال

يحيى اليحياوي

 

 

1- موضوع "البحث العلمي والعولمة ووسائل الاتصال" لا يمكن أن يختزل في محاضرة أو في مقال أو عرض. هو مشروع بحث كل المقاييس ليس فقط لأنه موضوع لساعة كما يقال ولكن أيضا لأن مكونات الموضوع تشي حتما ومباشرة برهاناته وبمدى قدرته على تحديد الحاضر والمستقبل.

 

ومعنى هذا أن القرن الحالي سيكون لا محالة قرن بحث علمي بامتياز. سيكون قرن التكنولوجيا بكل فروعها وسيكون قرن التكريس المؤكد لمنطق العولمة بصرف النظر عن الموقف من ظاهرة العولمة أو تمثلنا لصيرورتها وفعلها في الاقتصاد والثقافة والمجتمع.

 

علاقة "البحث العلمي بالعولمة وبوسائل الاتصال" هي بكل المستويات علاقة مركبة وتتطلب أكثر من تخصص. ثم هي علاقة تسائل المستقبل، مستقبل الدول والأمم والشعوب، مستقبل الأفراد والجماعات، مستقبل العديد من شعوب وجهات العالم.

 

ما السبيل إذن لمقاربة موضوع من هذا القبيل وكيف للمرء أن يتناوله؟

 هناك طريقتان أساسيتان لذلك:

 

- الأولى وتتعلق بالمقاربة وفق الثنائيات، ومعناها أن نأخذ عنصرين بعنصرين ثم نستخرج الخلاصات الكلية من خلال الخلاصات الجزئية.

هي مقاربة عملية وإلى حد بعيد لكنها لا تنصف مبدأ التفاعلية بين عناصر المعادلة الثلاثة.

 

- الثانية، وهي أكثر تعذرا، وتتمثل في محاولة ضبط العلاقة من خلال ضبط ما يجمع عناصرها وضبط ما يجعل هذه العناصر متنافرة.

هي مقاربة عملية أيضا لكنها لا تستحضر كثيرا مبدأ التفاعلية المفروض تقديمه هنا.

 

2- لو كان لنا أن نمزج بين المقاربتين (لاعتبارات منهجية ضمن أخرى) فسنستخلص لا محالة مجموعة ملاحظات يمكن إجمالها في سبعة نعتبرها أساسية لفهم الإشكالية المطروحة:

 

- الملاحظة الأولى وتكمن في الاعتقاد، اعتقادنا على الأقل، بأن ممارسة البحث العلمي هي عملية سابقة زمنيا على ظاهرة العولمة وطفرة تكنولوجيا الإعلام والاتصال.

 

العولمة ظاهرة جديدة وحديثة العهد (ثمانينات القرن الماضي) تماما كالطفرة التكنولوجية التي طالت ميدان الإعلام والاتصال في حين أن البحث العلمي (البحث والتنمية أساسا) هو سابق لهما، وتكنولوجيا المعلومات والإعلام والاتصال هي إفراز لهذا البحث العلمي سواء تعلق الأمر (فيما يخص الاتصالات مثلا) بالبحوث حول المبدلات أو نظم الاتصالات أو بروتوكولات التحويل أو غيرها.

 

هذه نقطة مركزية لا مجال للمزايدة بشأنها: البحث العلمي عملية سابقة على طفرة التكنولوجيا وتقدم ظاهرة العولمة المتكرسة منذ نهاية ثمانينات القرن الماضي.

 

- الملاحظة الثانية وتتمثل في أن تطور وسائل الإعلام والمعلومات والاتصال سهل حركية فاعلي العولمة (الشركات متعددة الجنسيات) ومكن من توسيع فضاء البحوث العلمية.

 

لهذا السبب يجري الحديث يوما بعد يوم عن البحث العلمي عن بعد وتبادل التجارب والخبرات عن بعد أو "البحث العلمي الشبكي" الذي لا يتطلب من الباحثين التواجد في مكان محدد (المختبر مثلا).

 

 بالتالي فانفتاح الفضاءات الجغرافية جراء تكرس ظاهرة العولمة وتقدم وسائل الاتصال والتواصل جعل من انتقال البحوث والمعارف العلمية عملية ممكنة من خلال العمل الشبكي ومن خلال الاشتغال المشترك عن بعد.

 

والمقصود هو أن انتقال المعارف وتداولها وتبادلها أصبح أمرا واقعا زمن العولمة وتطور ما أسميته في إحدى كتبي ب "شبكات المعرفة".

 

- الملاحظة الثالثة: في زمن العولمة وتطور وسائل الإعلام والتواصل والاتصال، استباح البحث العلمي كل شيء، أي أنه لم يعد هناك مجال محرم على البحث العلمي أو حكرا على تمثل من التمثلات (دينية أو أخلاقية أو غيرها).

 

والتلميح هنا يطال البحوث حول العناصر المحولة جينيا والبحوث المتسارعة لاستنساخ الجنس البشري وغيرها.

 

بالتالي فكل شيء أصبح قابلا للخضوع للتشريح العلمي والبحث التكنولوجي بصرف النظر عن الاعتبارات الدينية أو الأخلاقية أو غيرها.

 

- الملاحظة الرابعة: هو أن البحث العلمي والتطور التكنولوجي والإبداع لم تعد زمن العولمة وتطور تكنولوجيا الإعلام والاتصال ترفا أو سلوكا فرديا مستقلا بقدر /ا أصبح اختيارا سياسيا على أعلى مستوى.

 

بالتالي فالدولة إذا لم تكن هي التي تتكفل بميزانيات البحث العلمي والتطور التكنولوجي فإنها على الأقل تتكفل بضمان منح للشركات وللمقاولات التي تشتغل في هذا الميدان.

 

البحث العلمي أضحى رهانا وطنيا لا يتزايد بشأنه لا أهل اليمين ولا أهل اليسار ولا من هم بينهما، إذ الحقيقة المركزية هي أنه في زمن العولمة وتطور تكنولوجيا الاتصالات والمعلوماتية والسمعي- البصري وغيرها لم يعد البحث العلمي والتكنولوجي ترفا فرديا ولا اختيارا مستقلا بل أصبح اختيارا وطنيا ولربما أيضا سياسيا خالصا.

 

- الملاحظة الخامسة هو أن العولمة وتطور تقنيات ووسائل الاتصال لم تمركز فقط مزايا العولمة وهذه التقنيات بالدول الكبرى (ثلاثية الدول المتقدمة)، بل مركزت بين يديها أيضا كل ضروب البحث العلمي والتطوير التكنولوجي.

 

هناك تمركز، زمن العولمة، ليس فقط للتجارة والاستثمار والتكنولوجيا (أجهزة ومعارفا) بين يدي الدول الكبرى بل أيضا كل ما يرتبط بفروع البحث العلمي المختلفة...كل ذلك سيتعمق أكثر مع تحول العولمة إلى شوملة وبروز مخرجات البحث العلمي المزمع إخراجا قريبا.

 

هناك إذن هوة سحيقة بين هذه الدول ودول العالم الثالث، هوة رقمية على مستوى التكنولوجيا والمعرفة وهوة في مختلف سبل وضروب التنمية التقليدية.

 

- الملاحظة السادسة: مختلف فروع البحث العلمي منذ 10 أو 15 سنة تركز أساسا على الجوانب التطبيقية... بالتالي فلم يعد البحث العلمي بحثا من أجل البحث بل أصبح مرتبطا أكثر فأكثر بالتطبيقات المتفرعة عنه أي التطبيقات القصيرة المدى لا الطويلة.

 

وهذا يفسر إلى حد بعيد تزايد الحذر التكنولوجي والتنافسي...بالتالي فالتكنولوجيا المتوفرة أصبحت عاملا ليس للتجسس العسكري بل التجاري والاقتصادي والتكنولوجي والعلمي.

 

من جهة أخرى نلاحظ أن فاعلي العولمة لا يهتمون بالبحث العلمي إلا فيما يضمن لهم الإنتاجية المباشرة السريعة والربحية الآنية والحصول على حصص إضافية بالسوق ومنافسة الآخرين.

 

وهذا يفسر إلى حد أقصى حمى الانصهارات والاندماجات ومختلف التحالفات القائمة: الكل يتحالف مع الكل ضد الكل يقول ريكاردو بتريلا.

 

- الملاحظة السابعة: لم تعد، زمن العولمة وطفرة تكنولوجيا الإعلام الاتصال والنقل وغيرها، لم تعد المراهنة على اليد العاملة بقدر ما بدأ التركيز على الموارد البشرية الكفأة التي بمقدورها إيصال قيمة علمية إضافية للشركة أو للمقاولة.

وهذا ما يفسر استقطاب الأدمغة وما يفسر سياسات إعادات الهيكلة التي تطال آلاف المستخدمين الذين لم يعودوا "أداة منافسة" كما يقال.

 

3- هذه الملاحظات السبع إنما سقناها هنا لتبيان حركية ودينامية البحث العلمي والتطور التكنولوجي زمن العولمة وطفرة تكنولوجيا ووسائل الإعلام والاتصال.

 

لو كان لنا أن نضع المغرب في سياق كل ما سبق لقلنا: لم تعد حركية البحث العلمي والتطور التكنولوجي والتحول الإعلامي والاتصالي تتماشى مع خطاب "الينبغيات" ولا مع خطاب التمني بل أصبح الرهان محصورا في العمل والاعتمال.

 

محاضرة، مركز تكوين المعلمين ، الرشيدية، 21 أبريل 2002

 جريدة العلم، 25 نونبر 2002