"في الفضاء العام الرقمي"

 

تتحدد الديموقراطية الرقمية, أو الديموقراطية الألكترونية, أو ديموقراطية الشبكة, أو الديموقراطية الافتراضية, أو ما سواها من تعابير وعناوين جامعة, تتحدد بالقياس إلى الرافعة المادية, التي تؤثث الفضاء العام, الذي تعتمل فيه الممارسة الديموقراطية, والممارسة السياسية بوجه عام. البنية التحتية هنا هي المقياس والمعيار, الذي بالبناء عليهما يتشكل ذات الفضاء, سواء أكانت ذات البنية وسيلة مكتوبة أم مرئية أم مسموعة, أم مزاوجة لكل هذه المستويات في حامل واحد, كما الشأن مع التقنيات الرقمية, ومع شبكة الإنترنيت على وجه التحديد.

ولما كانت كذلك, فإنها تحيل بالبداية وبالمحصلة, على تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال, على مستوى الأعتدة والأجهزة والأدوات, باعتبارها البنية الحاملة, وعلى البيانات والمعطيات والمعلومات, باعتبارها المادة الخام التي تقتني ذات البنية, بغية الرواج والشيوع, والانتقال من الجهة المنتجة والمخزنة والباثة, إلى الجهة المتلقية, المعيدة للإنتاج, أو المستهلكة له بهذا الشكل أو ذاك.

ولما كان من إحدى أسس الديموقراطية توافر المعلومة بالفضاء العام, وسريانها دون إكراهات أو عوائق, فإن توافر البنى الأساس لتوزيعها, بات أمر حيويا لتوسيع الفعل السياسي, وإشراك الجماهير في مسلسلات اتخاذ القرار العمومي, سيما بظل تراجع مد الديموقراطية التمثيلية, التي لطالما أسست للخيط الناظم لذلك.

إن الشفافية والتعاون والتفاعلية هي المظاهر الكبرى التي يتغيؤها أسلوب الديموقراطية الرقمية, والتحولات التي تنشدها بغرض إخراج الديموقراطية التمثيلية من أزمتها, المتمثلة في احتكار الفاعلين العموميين لمنظومة المعلومة, وتحكمهم في ميكانيزمات الفضاء العام. بالتالي, فتوافر المعلومة إنما بات قيمة ديموقراطية في حد ذاتها, من شأنها زعزعة مفهوم السلطة التمثيلية التقليدية, دونما حاجة إلى فعل مؤسساتي منظم. والمنتخبون لم يعودوا مطالبين بتملك هذه الأدوات, ولكن أيضا بضبط استعمالاتها واستخداماتها.

إن المدافعين عن الأنماط التقليدية لتنقل المعلومات, والمرتكزة على العمودية والتراتبية والرقابة, إنما أضحوا في محك من نمط جديد في الفعل السياسي, يتجاوز على مبدأي الأغلبية والتوافق, ويتيح لفاعلين جدد "على الهامش", التأثير المباشر في ذات الفعل. بالآن ذاته, فإن بروز وانتشار الشبكات الرقمية, خلص المعلومة من احتكار وسائل الإعلام التقليدية, ومن هيمنة المجموعات الإعلامية, التي كانت تسيطر على السوق عتادا ومضامينا, أجهزة ومحتويات.

إلى جانب الشفافية, فإن ذات الشبكات قد أغنت الفضاء العام, وأسهمت بالانتقال من المجتمع من مجتمع للاتصال, من خلال وسائل إعلام ذات توجه عمودي, إلى مجتمع للتواصل تفاعلي, أفقي, تشاركي, مكسرة بذلك ثنائية الإخبار والتواصل, وأيضا ثنائية الإعلام والشبكات, لدرجة تحول معها متلقي المعلومة ومستهلكها, إلى منتج للمضامين, بفضل البرمجيات والتطبيقات التي حملتها التقنيات الرقمية, وأجيال الإنترنيت المختلفة, سيما جيل الويب الثاني.

إن الخروج من اختزالية النمط التمثيلي, الذي لم يكن المواطن بموجبه, إلا مجرد مصوت أو مراقب للسياسة عن بعد, هذا النمط بات في طريقه للتجاوز, ليس فقط بفعل التحولات التي طاولت الفضاء العام, ولكن أيضا لأن جدلية التكنولوجيا والمجتمع والإبداع هي التي باتت تؤثث ذات الفضاء, وتحول الفعل السياسي من طبيعته العمودية, الأبوية والجافة, إلى فعل سياسي قيمه الجديدة, التفاعلية والتشاركية والأفقية في التواصل.

الديموقراطية لم تعد تقدم في كونها نقلا جزئيا وتدريجيا لفضاء الانتخاب من الصندوق إلى الشبكة، بل في قدرتها على ضمان السبل للمواطنين في بلوغ ممثليهم ومساءلتهم, دونما حاجة تذكر إلى البحث عنهم بين أروقة البرلمانات, أو في متاهات المكاتب وقاعات الاجتماعات وما سواها.

إن انتشار المدونات ومواقع الأنترنيت, الشخصي منها كما المؤسساتي, إلى جانب اليوتوب والدايلي موشيون والماي سبايس وغيرها, لم تعد أدوات اتصال وتواصل فحسب, بل باتت وسائل ضغط وتأثير, يوظفها أصحابها كرافد من روافد الفعل السياسي المباشر, وكرافعة جديدة لتجديد مضمون الديموقراطية, وتوسيع الإناء الجماهيري المرتكزة عليه في الشكل والجوهر.

وعلى هذا الأساس, فإن فاعلي الفضاء العام, إنما باتوا يشتغلون بالارتكاز على منطق جديد ومتجدد, يلتقي من بين ظهرانيه منطق المعلومة الصرف, مع المنطق الاجتماعي الواسع, أي المنطق العمودي (من الكاتب للقارئ, دونما رجع للصدى) مع منطق العلاقة التفاعلية بين الأفراد داخل الشبكة, على اعتبار انفتاحها, ويسر النفاذ إليها, وتقاسم مضامينها ومعطياتها, في زمن آني وسريع وواسع.

الشبكة هنا باتت كما لو أنها الفضاء العمومي الرقمي الجديد حقا, باعتباره تعبيرا عن تصاعد مد الديموقراطية الرقمية, وتجاوزا للفضاء المادي الذي أطر "السوق السياسي" طيلة الأزمنة السابقة على انفجار الشبكات. نحن بالتالي, إنما بإزاء اجتماع افتراضي "حقيقي", بالقياس إلى الاجتماع الواقعي الذي كنا نعيشه من ذي قبل, سيما مع الانتشار الهائل للمدونات, وكثافة الروابط, وإشاعة المعلومة بالويب على نطاق واسع.

 

من هنا, فإن ثنائية الفضاء الخاص والعام قد غدت في طريقها للتجاوز, بعدما تماهت مستوياتها, وتم تمييع الحدود الفاصلة فيما بين مكوناتها, فبات الويب بعدا جديدا من أبعاد الفضاء العام كما الخاص, وأضحى الأفراد كما الجماعات كما المؤسسات, مطالبين بإعادة تموقعهم بهما, وهو ما يستوجب من الفاعلين تكوينا علميا ومعرفيا عاليا, للإفادة من ذلك.

 

وهو ما ليس مضمونا دائما ولا مؤكدا, إذا لم يكن من زاوية العوائق الموضوعية (التقنية واللغوية والاقتصادية والثقافية) التي تحد من سعة المجال بالشكل والمضمون, فبالاحتكام  إلى الممانعة القوية التي يبديها السوق بوجه توسيع مجال الفضاء العام (حالة محاكمة نابسطير لمنع تحميل الموسيقى من خلال إم.ب.3, رفض السلطات تحرير البلوغ للبرامج المعلوماتية التي صممت من الميزانيات العامة, تزايد نفوذ اللوبيات لمنع تقنين البرمجيات, محاكمات متعددة حول الملكية الفكرية...الخ)...ناهيك عن المخاطر الكبرى التي قد تسنبت من بين ظهراني الشبكة, سيما عندما تتكون مجموعات عرقية أو طائفية أو غيرها, منغلفة, ولا تتواصل إلا فيما بين بعضها البعض, وهو ما يتناقض مع فلسفة الشبكة, التي تتغيأ إفراز رأي عام مرتبط, لا يأبه كثيرا بتمثلات السياسة السائدة, أو بالتعاقدات الجانبية, أو بالاصطفافات الإثنية أو العرقية أو اللغوية أو ما سواها.

يحيى اليحياوي

الرباط, 17 غشت 2009