معزوفة "يهودية
إسرائيل"
في
معمعة
الترتيبات
الأولية,
الممهدة
لانعقاد
مؤتمر الخريف بضواحي
أنابوليس
الأمريكية
أواخر هذا
الشهر, خرج
رئيس الوزراء
الإسرائيلي
فجأة بتصريح مقتضب,
حاد النبرة, مباشر, وغير
قابل
"للمساومة".
يقول
إيهود أولمرت:
"إننا لن ندخل
في أية مفاوضات
حول وجودنا
كدولة يهودية,
هذا منطلق لكل
المفاوضات
القادمة" مع
الفلسطينيين,
ومع ما سواهم
من دول
المنطقة, من
الدول
العربية
المجاورة
بالتحديد.
ويضيف
القول, بلهجة
ملؤها الوعيد
والترهيب: "كل
من لا يعترف
بذلك, لا
يمكنه
التفاوض
معنا".
قد
يبدو ذات
التصريح مجرد
قول عابر, أي
للاستهلاك
الإعلامي
الداخلي
الواسع, سيما
من لدن رئيس
للوزراء
تصنفه
استطلاعات
الرأي, ضمن
"أفشل رؤساء
إسرائيل",
خصوصا بعد
هزيمته
بمواجهة تموز
2006 مع حزب الله, وتراكم
المتابعات
القضائية من
بين ظهرانيه...ولربما
أيضا بسبب من
ضعف قدرته
(وانتفاء الكاريزما
من شخصيته)
لتجنيد
الإسرائيليين
من حوله, عبر
قضية تعيد له
بعضا من
الاعتبار, أو
ترفع من مستوى
شعبيته بين
الجمهور.
وقد
يبدو الأمر
مجرد مناورة
سياسية,
لابتزاز خصوم
له بالداخل,
لطالما روجوا
لذات المطلب,
لكنهم يريدون
هنا امتحان
الرجل في مسألة,
بإزائها
توافق كبير
داخل إسرائيل, كما
بأوساط "يهود
الشتات"
بالعالم.
قد
يكون كل ذلك
واردا, لكن
المؤكد هنا
حقا, إنما
ابتزاز
الفلسطينيين
وتطويع العرب,
ليس فقط
للقبول
الضمني بمبدأ
يهودية دولة
إسرائيل, بل ولدفعهم
للاعتراف بها
على ذات
الأساس, ولكأن
من اعترف سابقا,
مطالب
بمعاودة
الاعتراف
باحتكام
للمبدأ إياه.
لو
تسنى
لإسرائيل
إدراك ذات
المبتغى, أو
النجاح في
الترويج له
على الأقل,
والبدء في
استنبات
القابلية
للتعامل معه,
فسيكون من شأن
ذلك تمكينها
من تجاوز
نقطتين (لدرجة
حسمهما ربما
بالمستقبل),
لطالما ووجهت
بهما, عند كل
حلقة تفاوض مع
الفلسطينيين,
كما مع العرب
سواء بسواء:
+ الأولى
وتتمثل في
إمكانية ما
يتيحه ذات
الاعتراف من
سبل التفاف
على حق في
العودة, يعض
عليه
الفلسطينيون
(والعرب أيضا)
بالنواجد,
ويرهنون به كل
أشكال الحلول
المقترحة
عليهم, في
سياق تفاوضهم
مع إسرائيل,
لإقامة دولة
لهم محادية
لها في الحدود
كما في الامتداد.
إن
الاعتراف
(اعتراف
الفلسطينيين
تحديدا) بيهودية
دولة إسرائيل,
إنما يعني
صراحة وجهارة,
الاعتراف
بنقائها
العرقي
والديني,
والاعتراف
بهويتها
اليهودية
(والصهيونية
أيضا بزاوية
نظر الأحزاب
المتطرفة)
لدرجة يستحيل
معها فيما بعد,
إن تم
لإسرائيل ذلك,
عودة أكثر من
مليون ونصف مليون
فلسطيني,
يعيشون
بالشتات
بمختلف دول
العالم,
ولأكثر من نصف
قرن من الزمن.
لن
تنجح إسرائيل,
إن تسنى لها
تمرير شرطها
والاعتراف
لها به, أن
تتخلص من عقبة
موضوعية,
اعترف
للفلسطينيين
بحقهم في
تجاوزها بالقرار
194, بل سترمي
بذات العقبة
في حلبة
"الدولة الفلسطينية
القادمة", التي
سيكون لها
بالتالي أن
تتعامل معها,
وفق ترتيباتها
والتزاماتها,
ووفق قدرتها
على
الاستيعاب.
لن
يكون بعد ذلك
(وقد باتت
الدولة
لليهود شكلا
وبالمحتوى),
لن يكون من
مبرر يذكر
للقول بأن
مسألة حق
العودة هي
مسألة إسرائيلية/فلسطينية,
بل سيتم نقلها
بجهة الدولة
الفلسطينية...لها
أن تعيدهم, أو
تختار من بينهم
من يعود, أو
تعوضهم
ليبقوا حيثما
هم, فيجنسوا
بجنسية بلد
التواجد, ليذوب
مع الزمن حق
العودة, كما
يذوب الثلج
نهاية الخريف
ومطلع فصل
الربيع.
+
أما الثانية
فتكمن في
إمكانية ما
يمنحه
الاعتراف إياه,
من سبل
لابتزاز
فلسطينيي
الداخل,
فلسطينيي العام
48, أو ما يسمونهم
بفلسطينيي
الخط
الأخضر...أولئك
الذين لم
يفتأوا يوما
"يزايدون"
على إسرائيل
ديموقراطيتها
الاختزالية,
ويفضحون (وهم
الإسرائيليون
تجنسا)
عنصريتها,
ويجاهرون
تنديدا
باضطهاد
مواطنيها غير
اليهود, ويرفضون
محاولتها
تذويب هويتهم
في هوية لا
يعترفون بها,
ويتمنعوا في
القبول بها
حتى.
لو
تسنى
لإسرائيل أن
تدرك ذات
المبتغى,
عاجلا أو
بالمدى
المنظور,
فسيعني ذلك
قطعا أنه لن
يكون بإمكان
أحد من
فلسطينيي
الخط الأخضر,
وقد باتت
الدولة
يهودية
بامتياز, أن
يتستر خلف مواطنة
ما, للمطالبة
بحق, أو
التنديد
بموقف, أو
إبداء رأي, أو
ما سوى ذلك. لن
يكون أمامه
إلا اعتناق
اليهودية,
ليعيش بكنف
دولة من ذات
الخاصية
الدينية, أو العيش
بها كأقلية
يسري عليها من
القوانين واللوائح
ما تعتمده
الأغلبية
القائمة,
أغلبية
"الشعب
اليهودي"
بهذه الحالة.
قد
لا يقتصر
الأمر على هذا
المستوى, بل
قد تعمد
إسرائيل, ذات
الهوية
اليهودية الصرفة,
إلى مطالبتهم
بالرحيل, أو
تعمل على
ترحيلهم بطرق
ناعمة, قد لا
تستفز رسميي
فلسطين أو
العرب كثيرا,
بل قد تستدعي
تفهمهم,
واستلطافهم
بالمحصلة,
سيما وقد بات (بالزمن
المنظور أعني)
للفلسطينيين
دولتهم,
وكيانهم
السياسي,
وحدودهم
الجغرافية
النهائية.
بهذا
الحالة, كما
بالحالة
الأولى (حالة
التجاوز على
حق العودة)
تكون إسرائيل
قد نالت ليس فقط
"شرعية قومية
ودينية"
لطالما حلمت
بها, تحفز
أكثر
المترددين من
اليهود
للالتحاق ب"أرض
الميعاد", بل
وتكون أيضا
وبالآن ذاته,
قد اقتصدت
سياسيا
وأخلاقيا,
تأنيب العالم,
ومؤاخذته
إياها على غض
الطرف عن قرار
أممي ملزم
(القرار 194
الضامن لحق
العودة), وعن
اضطهادها لمواطنين
لها, يقيمون
من بين
ظهرانيها, يحملون
جنسيتها, ومن
المفروض أن
يعاملوا
دونما تمييز
بالعرق أو القومية
أو الدين.
ليس
من الغرابة في
شيء أن يرى
المرء هنا
إسرائيل وهي
تلح في خطابها,
على عبارة
"الدولتين
لشعبين"
(الضامن "لنقاوة
الشعب
اليهودي"), عوض
حل
"الدولتين",
الذي قد يسمح
لفلسطينيي
غزة والضفة
بإقامة دولة
لهم, لكنه
يضمن, وبالآن
ذاته,
لفلسطينيي
الخط الأخضر
البقاء حيثما
هم, أي بديارهم
حتى وإن
تجنسوا قسرا
بجنسية "الغريب"
الإسرائيلي.
إن
إسرائيل, بمطالبتها
الفلسطينيين
(والعرب من خلفهم,
أو من حولهم) الاعتراف
لها بالهوية
اليهودية
الخالصة, لم تعد
تكتفي
بمطالبتها
الحق
بالاعتراف
لها بالوجود, وقد
ضمنته من لدن
عرب سلموا
رسميا بذلك
فطبعوا, أو
قبلوا به ضمنا
فتعاملوا على
أساس منه, بل باتت
تطالب
بالاعتراف
بطبيعة
دولتها, وبالإيديولوجية
الثاوية
خلفها,
بالإيديولوجية
الصهيونية
أعني,
بالبداية كما
بالمحصلة
النهائية.
لقائل
يقول: وما
المستجد في
ذلك؟ أليست
دولة إسرائيل
يهودية
الهوية منذ
البدء, أي منذ
هرتزل وبلفور,
وإلى حين
إعلان بن
غوريون قيام
الدولة أواسط القرن
الماضي؟
أليس
مطلب اليوم
(مطلب أولمرت)
هو مجرد إعادة
تذكير بطبيعة
دولة, كانت
منذ النشأة
يهودية الطبع
والطبيعة؟
وهو
قول لا يجانب
الصواب, إذ
شددت "وثيقة
الاستقلال" ل
14 ماي من العام
1948, على أن
السلطة
والسيادة في
إسرائيل هي
للشعب اليهودي,
و"أن هذا الحق
هو الحق
الطبيعي
للشعب اليهودي,
لكي يكون سيد
مصيره, شأنه
في ذلك شأن كل
الأمم في
سيادة
دولتهم"...لا,
بل إن الوثيقة
ركزت بهذه
النقطة, على
مقولات
ملازمة لذلك,
من قبيل
"الشعب
اليهودي في
بلاده
الخاصة", و"الشعب
اليهودي يبني
وطنه القومي",
و"الدولة اليهودية",
و"حق الشعب
اليهودي في
تأسيس دولته",
و"الشعب
اليهودي في
إقامة دولته",
و"شعب يهودي
سيد", وما سوى
ذلك.
هو
بالتأكيد إعادة
تذكير بواقع
كان واردا
ومحسوما منذ
خمسينات
القرن الماضي,
لا بل إن قرار
التقسيم ذاته
نص على "دولة
يهودية"
و"دولة
للعرب". ما
الجديد في ما
يروج اليوم
إذن؟
الجديد
هو أن اليهود
بوقته, كانوا
أقلية
بفلسطين,
والتنصيص على
حقهم في دولة
تأتى من ذلك,
دونما نفي لتواجد
العرب الأصليين
من بين
ظهرانيهم (إن
شاؤوا ذلك,
تقول
الأدبيات).
والجديد أيضا,
أن اليهود في
حينه كانوا
متواضعي
السلطة والسلطان,
فقبلوا
بالتعايش, في
تعذر البديل
المباشر, في
تعذر
الاستئصال التام
للفلسطينيين
أقصد.
أما
وقد باتوا
أقوياء بأرض
الواقع, وتأكد
لهم
بالمعطيات
القاطعة, أن
لا مناص من منح
الفلسطينيين
بعضا من الأرض
لإقامة دولتهم
(دع عنك طرح
الدولة
المتعددة
الأعراق
والقوميات),
فإنهم أضحوا
مجبرين للتفاوض
على حق في
العودة ضاغط, من
المتعذر
التحايل عليه
بالقوة, وأيضا
على تواجد
للفلسطينيين
(خمس سكان
إسرائيل بالداخل)
ينغصون عليها
"ديموقراطيتها",
ومشروع
"اكتمال
نقاوة
الدولة" من
صلبها.
لا
تبدو الغرابة
قوية بهذا
الجانب,
فإسرائيل أعلنت
منذ إقامتها,
أن حربها مع
محيطها هي حرب
وجود بامتياز.
الغرابة
تتأتى
بالتأكيد, من
مطلب دولة
تريد لغريمها
المباشر
(ولغرمائها العرب
غير
المباشرين) أن
يعترفوا لها
بهوية وخاصية
متميزتان, لا
يفترضهما
القانون
الدولي, ولا
كانتا يوما من
أبجديات
العلاقات
الدبلوماسية
فيما بين
الدول.
إن
الدول تعترف
لبعضها البعض
بالوجود
وبالحدود
الجغرافية
(ولا حدود
لإسرائيل
بهذه الزاوية,
كما لا دستور
لها دائم), ولا
يشترط بعضها
على البعض
الآخر تحديد
طبيعة دولته,
أو نظام حكمه,
أو تركيبة
ساكنته...فما
بالك أن يشترط
تحديد طبيعة
ذات الدولة,
أو دينها, أو
هويتها, أو
الإيديولوجية
الناظمة
لفعلها.
إن
لله, في خلق
اليهود وسر
مكرهم, شؤون
وعبر.
يحيى
اليحياوي
الرباط,
26 نونبر 2007