"عن مضمون تحرير السمعي/البصري بالمغرب"
ثمة أربع ملاحظات جوهرية لا بد للمرء أن يستحضرها قبل أي
حديث عن واقع وآفاق القطاع السمعي/البصري بالمغرب:
+ الأولى ومفادها أن عبارة التحرير التي غالبا ما تستخدم
لملامسة ما يجرب بالقطاع السمعي/البصري, إنما هي عبارة ذات مضمون هلامي, غير دقيق
بأكثر من مستوى. الأول لأن التحرير لم يطاول لحد الآن إلا المجال الإذاعي المسموع,
باستثناء شبه كامل للمجال التلفزي المرئي. بالتالي فإن المفروض أن تعتمد العبارة
لمقاربة مجال الإذاعة, وألا تتجاوز على ذلك في دمجها لبعد الصورة الذي لم تمسسه
سياسة التحرير, تحت هذا المسوغ أو ذاك.
أما المستوى الثاني, فلأن عبارة التحرير تشي بأن المجال
كان مغلقا بالكامل وبالمطلق, في حين أنه لم يكن كذلك بالمرة, إذ كان ثمة على الأقل
إذاعتان (إذاعة البحر الأبيض المتوسط وإذاعة سوا الأمريكية) كانتا تعملان ليس فقط بدون
دفتر تحملات, بل وفي تجاوز صارخ ومستفز لقانون احتكار الأثير, الذي ظل سائدا لما
يناهز قرنا من الزمن, ولم يقوض إلا بداية الألفية الحالية, حيث اكتفت الإذاعتان
إياهما بمجرد تسوية وضعيتهما الإدارية, عندما بات قانون التحرير ساريا, ووضعيتهما
شاذة.
+ الملاحظة الثانية: ليس القطاع هو الذي خضع للتحرير كما
تلمح إلى ذلك العبارة, عبارة التحرير. التحرير طاول السوق المحيلة على القطاع وليس
القطاع. وعليه, فإن الذي تحرر إنما السوق حيث يعمل الفاعلون الإذاعيون, وليس بنيان
القطاع كقطاع, في طبيعته أو تشكيلته أو الإطار العام الناظم لهياكله.
إن المقصود هنا إنما تدقيق القول بما يوضح أنه ليست بنية
القطاع هي التي تحررت, بل الفضاء الذي يفعل فيه هؤلاء هو الذي كان مكمن تحرير. هذا
تمييز متعارف عليه بنظريات الاقتصاد الصناعي, وأنماط التنظيم ومختلف أطروحات
التدبير الاستراتيجي للهياكل والبنى الإنتاجية والمؤسساتية وما سواها.
+ الملاحظة الثالثة: تقييم المشهد الحالي, بعد عشر سنوات
من أداء هذه المحطات الإذاعية الخاصة, يبقى مهما بحد ذاته, وبالقياس إلى المراد
إدراكه في القادم من سنين, لكنه يبقى ناقصا وغير مكتمل طالما لم يخضع المجال
التلفزي المرئي لتحرير السوق المتعلقة به. ومعنى ذلك,
أنه لو كان للمرء أن يقوم بتقييم واف ومعمق, فالأولى أن تكون مادته كل القطاع, لا
رافدا من روافده, على أهميته ودوره في تحريك جزء من المشهد العام.
+ الملاحظة الرابعة: يبدو من الأدبيات الرائجة حول تحرير
مجال المحطات الإذاعية, أن العملية في مجملها إنما كانت غاية في حد ذاتها, وليست
أداة لتحريك ذات القطاع, أو الدفع بالتنافسية المفروض أن تواكبه. والدليل على ذلك
أن معظم ذات المحطات إنما ذات أحواض بث محلية أو جهوية, وموادها موضوعاتية مختلفة.
بالتالي, فكل محطة وفق مجالها الجغرافي الخاص, تعتبره حكرا عليها, لا سبيل لولوجه
من لدن الآخرين.
من هنا, يبدو أن "السوق الإذاعي" خضع لعملية
في التجزيء والتقسيم, أكثر ما خضع لمنطق وحدة السوق وفتحه, ليكون التباري من بين
ظهرانيه حر والمنافسة واردة, قابلة للاستنبات.
يحيى اليحياوي
الرباط, 20 دجنبر 2010