العولمة ومستقبل" الدولة الوطنية "

 يحيى اليحياوي

 

الإشكالية، موضوع هذه المحاضرة، تثير في ذهني أكثر من إشكال وتدفعني إلى أكثر من تحفظ.

هناك، فيما يبدو لي وفيما أتصور، إشكالان منهجيان اثنان أرى أنه من الأساسي إزاحتهما رفعا لكل لبس أو التباس:

- الإشكال الأول ويحيل إلى الاصطلاح، إلى المفهوم، مفهوم واصطلاح العولمة ذاته.

أعتقد شخصيا أن المفهوم، مفهوم العولمة، قد سقط مبكرا، ولربما لسوء حظه، في الميدان العام لا قبل أن يمأسس له ويؤسس له فحسب، ولكن أيضا قبل أن تستقر حمولته وتتبين ملامحه ومكوناته الكبرى.

والبرهان على ذلك كون المفهوم قد تعرض (ولايزال) لتضخم في الاستعمال والاستخدام من أطراف الأفراد والجماعات والمؤسسات إما بغرض تبرير واقع أو تمرير اختيار أو لمجرد مجاراة الموضة الرائجة على اعتبار أن من لا يستخدم مصطلحات ومفاهيم العصر (وتقنياته أيضا) هو حتما خارج العصر، خارج منطق العصر.

معنى هذا الإشكال أن المصطلح قد سقط لمجرد بروزه في المشاع وأصبح بالتالي حديث الخاص والعام، النخبة والجماهير سواء بسواء.

- الإشكال الثاني ويرتبط، في نظري، بطبيعة المقاربة التي يراد بها أو من خلالها العرض لظاهرة العولمة في فعلها وتفاعلها، في اعتمال مكوناتها واشتغالها.

أعتقد أن معظم المقاربات المتوفرة حاليا (على حسب علمي) تتعامل مع الظاهرة وفق حقل الاهتمام، اهتمام الباحث أو المتتبع. وهو ما يجعلها إما مقاربة جزئية أو مقاربة مؤد لجة ولكن نادرا ما تكون شاملة وموضوعية.

بمعنى أن معظم المقاربات الرائجة إما تتعرض للظاهرة من الزاوية الاقتصادية الخالصة أو من جانب ربطها بالثورة التكنولوجية أو من منطلق محاولة فهمها من خلال استحضار إشكالات كالهوية والخصوصية والذاتية وغيرها، فتبقى بالتالي إما مقصية لباقي زوايا الرؤية الأخرى أو متحدثة في ظاهرة لم يضبط مفهومها ضبطا علميا أو لنقل على الأقل موضوعيا وشاملا.

 

هذان الإشكالان (سقوط الظاهرة في المشاع والميدان العام والمقاربة الجزئية الإقصائية أو الإجرائية) حالا، في تصوري، دون إمكانية التنظير للظاهرة أو على الأقل المأسسة والتأسيس لمحدداتها ومرتكزاتها وهو ما يجعل الكتابات فيها(عندنا بالخصوص) كتابات هواة لا كتابات احترافية مدققة.

 

ما ذا نعني بالعو لمة؟ ما هو السياق العام الذي برزت الظاهرة في إطاره؟ ما هي تبعاتها؟ وما البديل عنها؟ ماذا بقي من الدولة الوطنية فيها وما مآل الدولة داخلها؟

 

هذه مجموعة أسئلة وتساؤلات سأحاول هنا أن أطرح إشكاليتها ليس إلا نظرا لشساعة الموضوع وتعقد مكوناته.

 

ما المقصود إذن بالمصطلح، مصطلح العولمة، الذي لربما بلغنا من تضخم استعمالاته مبلغ التخمة؟

أعترف من البدء بأنه ليس من الهين (ولو مؤقتا) تحديد المفهوم تحديدا نظريا وافيا، مضبوطا، قارا وشاملا ليس فقط على اعتبار عدم استقراره الحالي وإحالته على أكثر من حقل معرفي، ولكن أيضا وبالخصوص بحكم تعدد العوامل والمؤثرات التي تفعل في الظاهرة أو تتفاعل معها ولربما أيضا بسبب جانب الأدلجة الذي تعرضت له.

لكني أريد أن أحسم القول من البدء بأن ظاهرة العولمة، في محدداتها، في جوهرها، في مضمونها، في مكوناتها العضوية، هي أصلا وبالأساس ظاهرة اقتصادية صرفة، أي ظاهرة جذورها اقتصادية، مكوناتها اقتصادية، أطراف معادلتها الكبرى اقتصادية وفضاء اشتغالها البعيد المدى اقتصادي.

بيد (وهنا المفارقة مع المقاربات الرائجة) أن تبعاتها، انعكاساتها، آثارها، وصاياها الكبرى تتفرع لتطال أنماط الإنتاج والاستهلاك وتوزيع الرموز أي لتطال الثقافة والسياسة واللغة ولربما أيضا ما يسمى بالهوية والخصوصية والذاتية أو غيرها.

الظاهرة، إذن، اقتصادية في مضمونها وفي شكلها وفي صيرورتها، لكن ما يتفرع عنها كتبعات هو من التمثلات والإسقاطات والتكهنات التي هي إلى "عالم الأفكار" أقرب إلى صيرورة الواقع، واقع الحال السائد أو الذي هو في طريقه لأن يسود.

وعلى هذا الأساس، فلو كان لنا أن نتساءل في الظاهرة من حيث زاوية قدمها أو جدتها (وهو على أية حال لا يقدم الإشكال كثيرا) لقلنا إجمالا بأن الظاهرة ليست جديدة إذا كان المقصود بها مسلسل التدويل على اعتبار أن هذا المسلسل ميز، ولعهود طويلة، التداخل المتزايد، وعبر كل دول العالم، لتيارات السلع والخدمات والمواد الأولية والوسيطة والمعارف العلمية والتقنية وغيرها بين الاقتصاديات والأمم.

وهي أيضا ليست بالظاهرة الجديدة ولا بالحديثة العهد لو كان المقصود بها مسلسل تعدد الجنسية أي تعدد جنسية الشركات المنتشرة النشاط بكل بقاع العالم والفاعلة في الاقتصاد والتجارة والنقل والإعلام وغيرها.

من هنا فمن الجائز اعتبار الظاهرة امتدادا لهاتين المرحلتين أو لهاتين الظاهرتين أو مرحلة متقدمة من مراحل تطور منظومة رأس المال.

 

بيد أنه من الممكن (أعني من الوارد) اعتبار الظاهرة ظاهرة جديدة وحديثة العهد (بأكثر من جانب) لو نحن قصدنا بها مجموعة المسلسلات التي تمكن من تحقيق أربعة معطيات جديدة:

- المعطى الأول أن السلع والخدمات تنتج وتوزع وتستهلك انطلاقا من هياكل تنظيم وسائل إنتاج (مادية ولامادية) منظمة وفق قاعدة عالمية.

- المعطى الثاني أن هذه السلع والخدمات تنتج وتوزع من أجل أسواق عالمية منظمة (أو في طريقها إلى التنظيم ) محكومة بمقاييس ومعايير عالمية.

- المعطى الثالث أن هذه السلع والخدمات (المادي منها والرمزي) تنتج وتوزع من طرف مؤسسات تعمل وفق قواعد عالمية وتخضع في تنظيم مسلسل إنتاجها وتوزيعها لاستراتيجية عالمية.

- المعطى الرابع أن هذه المؤسسات (والمسلسلات) لا تخضع لمرجعية " ترابية" واحدة ويصعب بالتالي تحديد إطارها القانوني أو الاقتصادي أو التجاري أو التكنولوجي بحكم كثرة التداخلات والتشابكات التي تميز نشاط هذه المؤسسات قبل عملية الإنتاج وبعدها.

معنى هذا أننا لو حاولنا قراءة وتتبع الظاهرة وفق هذه المعطيات لقلنا (ولو مؤقتا) بأن الظاهرة جديدة إن لم تكن في نشأتها فعلى الأقل في فلسفة الاشتغال التي تتراءى لنا من خلالها.

ومعناه أيضا أننا لو استقرأنا الظاهرة بارتباط والمسلسلين السابقين لها (التدويل وتعدد الجنسية) لكان بمستطاعنا أيضا القول بأن الظواهر الثلاث متواصلة ومتكاملة (ولا قطيعة بينها) إذ كلها تشتغل في إطار الحركية العامة المتمثلة في التراجع التدريجي لمبادئ وقواعد وأنماط تنظيم وتقييم الموارد (المادية واللامادية) المتمحورة، إلى حين عهد قريب، حول وحدانية ونسقية النظام السائد أي النظام الوطني.

هذا النظام فقد جزءا من طبيعته المرجعية مع التدويل وفقد جزءا آخر مع مسلسل تعدد الجنسية وفقد الحصة الكبرى من هذه المرجعية مع مسلسل العولمة.

أقصد أن النظام الوطني لم يعد المستوى الاستراتيجي (حتى وإن كان لا يزال أحد المستويات الهامة) في تحديد التنمية الاقتصادية أو التطور الاقتصادي أو الإبداع التكنولوجي.

لماذا؟ لأن واقع الحال السائد زمن العولمة (أو ما يقدم على أساس كونه عولمة)، هذا الواقع تزامن وانبعاث مؤسسات ضخمة تتوفر على سلط وجبروت يتعديان السياسة الوطنية والحكومات الوطنية ونسق التنظيم الوطني: الشركات المتعددة الجنسيات.

أي أن القرارات الكبرى والتوجهات العميقة التي تتحكم في الإنتاج المادي والرمزي وترهن المستقبل أصبحت، نهاية هذا القرن، من اختصاص مجموعة من الشركات الكبرى المدولة، المتعددة الجنسيات التي لا تعترف لا بالفضاءات الوطنية ولا بالسياسات الاقتصادية ولا بالثقافات الوطنية ولا تتعامل معها إلا في كونها فضاء لإنتاج السلع والخدمات أو استهلاكها...الخ.

معنى هذا أن الدولة-الأمة (الدولة الوطنية) لم يعد لها كبير دور أو لنقل لم يعد لها من دور إلا ما ارتضته هذه المؤسسات لها أو رضيت به لها، بالتالي أصبحت هذه الدولة-الأمة أو ما تبقى منها متواطئة مع هذه الشركات فاتحة لها الطريق (عبر الدبلوماسية والحرب أيضا) تحت مسوغة أن نجاح هؤلاء "الأبطال الوطنيون" هو، نهاية الأمر، نجاحا للاقتصاد الوطني أو مساهمة من لدنهم في نشر بريق الاقتصاد الوطني وتأكيد استقلاله وسيادته.

من هنا فالحكومات الوطنية لا تتوانى في منح هذه الشركات المساعدات والتسهيلات (في البحث والتطوير والتصنيع) وتتفانى في تسهيل تحالفاتها مع "الأبطال الوطنيين" الآخرين ولا تتردد في كسر شوكة كل ما من شأنه أن يزعجها (نقابات، قوانين شغل وتشريعات وغيرها).

 

هذه باختصار شديد هي المظاهر الكبرى التي تبرز لأول وهلة والتي ستتكرس لا محالة طيلة العقود القادمة: فتح الأسواق، كل الأسواق، تحرير تنقل السلع والخدمات والرساميل دون قيد أو اعتراض، تكسير القيود والتشريعات التي من شأنها أن تقف وجه هذه "السلط الجديدة" بما في ذلك دور الدولة ودور النقابات وقوانين الشغل وغيرها.

 

لو كان لنا أن نتساءل في آية وسر تقدم ظاهرة العولمة (على مستوى الخطاب والممارسة أيضا) أعني تقدمها الجارف منذ عقد من الزمن أو أكثر، لربما نعترف بوجود عوامل كبرى (قطائع يقول البعض) ساهمت إلى حد كبير في تشكل الظاهرة (أو لنقل في تعميق صيرورتها) سأحاول عرضها هنا باختصار شديد:

- العامل أو المحدد أو القطيعة الأولى التي ساهمت في تشكل الظاهرة أو في تسريع وتيرة اشتغالها وتتعلق أساسا بطفرة التطورات التكنولوجية التي كان لها الفضل (ولا يزال) في شيوع الظاهرة وانتشار مكوناتها.

ومن المعلوم أن تزايد الحديث في الظاهرة زامنه وواكبه تشديد الحديث في الثورة التكنولوجية سيما تكنولوجيا الإعلام والاتصال وأيضا النقل.

معنى هذا العامل أن ثورة تكنولوجيا الإعلام والاتصال خلصت الشركات من العوائق الجغرافية أو ما كان يسمى بامتيازات القرب الجغرافي ومكنت الأسواق من الانفتاح على بعضها البعض لدرجة أننا نلاحظ اليوم أن ملايير الدولارات تتنقل يوميا عبر الشبكات على شكل بتات إلكترونية لا حسيب عليها ولا رقيب (90 بالمائة مضارباتية لا يذهب منها إلا القليل للإنتاج المادي والرمزي).

إلى جانب تكنولوجيا الإعلام والاتصال، هناك أيضا ثورة النقل والمواصلات، فبفضلها اختصر زمان ومكان إنتاج السلع والخدمات ناهيك عن تنقل الأفراد والجماعات وليس اليد العاملة التي تتعرض لشتى ضروب العنف.

هذا المحدد المركزي ساهم بعمق في تكريس الممارسة وتجذير الخطاب المتمحور حول العولمة.

- العامل والمحدد الثاني ذو طابع تنظيمي ونظري وفكري أو مؤسساتي محض ويرتبط ب"انتصار" (أو ما يقدم على أنه انتصار) للفكر الليبرالي المطالب (الفارض) بتكسير التقنينات وتحرير الاقتصاديات وخوصصة القطاعات (حتى الاستراتيجية منها) وفتح الأسواق على مصراعيها والاحتكام لقيم ومنطق ومنظومة السوق في الإنتاج والتسيير والتدبير والتعامل.

بمعنى أن لا حاكمية زمن العولمة إلا للسوق الحر، غير المقنن، التنافسي، ولا دور للدولة يذكر اللهم إلا ما يخص تحديد قواعد اللعبة بين الفاعلين، ولا دور للمؤسسة التشريعية إلا إخراج النصوص المتبنية لاقتصاد السوق وديموقراطية السوق والمدافعة على قيمها وهكذا.

وهو أمر من السهل التدليل عليه من خلال استقراء بسيط لأدبيات مؤسستي بروتون وودز ونصوص المنظمة العالمية للتجارة وأيضا من خلال الاضطلاع على معظم قوانين المالية المعتمدة بكل دول العالم.

معنى هذا الكلام أن فضاء اشتغال رأس المال قد اتسع ولا يمكن إلا أن يتسع ما دامت الأفكار الليبرالية تحكم التعامل مع السوق والسياسات الاقتصادية.

هذا محدد أساسي لابد من استحضاره لفهم السياق العام.

- ثم هناك محدد ثالث ذو أهمية كبرى لفهم التحولات التي ساهمت في تشكيل ظاهرة العولمة واتساع مجال اشتغالها.

ويتعلق الأمر بالقطائع الجيوسياسية التي عاشها جزء من العالم بداية التسعينات، أقصد التقويض الذي تعرضت له دول أوروبا الشرقية وانخراطها في منظومة اقتصاد السوق وما ترتب على ذلك في تبعاته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

محصلة كل هذه العوامل والمحددات وغيرها أن غالبية دول المعمور أصبحت تؤمن أو تخضع لمقاييس اقتصاد السوق ومنطقه وثقافته المبنية على المبادرة الخاصة والتنافسية والإنتاجية ولا دور فيها كبير للدولة.

وهو، في المحصلة النهائية، ما كانت تسعى له الشركات الكبرى (ودولها من ورائها) أي تكوين فضاء عالمي لإنتاج السلع والخدمات، لتوزيعها ولاستهلاكها على نطاق واسع.

 

إلا أن ما نلاحظه من واقع حال أن الظاهرة، ظاهرة العولمة، لم تطاول لحد نهاية هذا القرن، كل أطراف العالم أو كل الفضاءات الوطنية.

بمعنى أن الظاهرة ما زالت لحد الآن محصورة في الفضاءات الجغرافية الكبرى وبين التجمعات الجهوية الكبرى (النافطا، الاتحاد الأوروبي وتجمعات آسيا-المحيط الهادي...الخ) لتبقى بالتالي ظاهرة جهوية وبيقطبية.

وهو ما يجعلنا نتحفظ على عبارات الشمولية أو والشوملة أو الكوكبة أو غيرها من التسميات، أي أن الظاهرة لم تتحول بعد إلى شوملة أو كوكبة ما دامت بعض الجيوب خارجة عن طوعها (ولو مؤقتا) وحتى الأدوات (أدوات العولمة) ما تزال في طور التأسيس كمنظمة التجارة العالمية وغيرها.

العولمة إذن ليست هي والشوملة حتى وإن كانت الأدبيات الرائجة تجعل من الثانية الترجمة الأنجلوساكسونية للأولى. وهذا أمر مفاهيمي لا بد من الاهتمام به.

 

لو كان لي، بصرف النظر عما ورد من كلام، أن نقف عند البعد الإيديولوجي للخطاب (والممارسة أيضا) المتبنية لظاهرة العولمة ما ذا عسانا نقول؟

أعتقد أن البحث في المضمون الإيديولوجي للظاهرة (من منطلق نظرية المؤامرة أو الاستعمار  الجديد أو الغزو الاقتصادي والثقافي) أمر وارد وهو الذي غالبا ما يقدم.

لن أقف عند هذه الطروحات، لكني سأقف هنا عند ثلاث أطروحات زامنت ورافقت وأسست لظاهرة العولمة ولربما تبين أكثر من غيرها المكنون الإيديولوجي لذات الظاهرة:

- الأطروحة الأولى وتنبني بالأساس على ما بدأ يروج منذ مدة تحت منظومة الاتصال-العالم على غرار ما سماه فالرشتاين ب"الاقتصاد-العالم".

ومفاد هذه الأطروحة أنه بفضل الأقمار الصناعية والسواتل وانتشار القنوات الفضائية وانفجار بنوك المعطيات المعلوماتية، فإن العالم قد أصبح قرية صغيرة لكل فرد فيها أن يرى ويسمع ويقرأ ما يروج حوله من أنباء ومعطيات ووقائع ومعارف وعلوم.

بمعنى أننا نهاية هذا القرن نعيش الوصول الحر للمعلومات، أي الاضطلاع على مكونات العلم والمعرفة دون تعب ولا عناء.

وهو أمر لا يخلو كله من صواب، لكنه يبقى خطابا موجها للدول الصناعية ذات الإمكانات التكنولوجية العالية من اتصالات وسمعي-بصري ومعلوميات ونشر وغيرها.

وهو ما لا يصدق على الكثير من الدول والشعوب التي لا ترى لها قدما في هذه "القرية" ولربما توجد قارات بأكملها عرضة للتهميش والإقصاء ولا قيمة لها في دورة رأس المال.

هذا نموذج من نماذج الخطابات التي يروجها متبنو ظاهرة العولمة وينشروها على أكثر من مستوى باسم طرق الإعلام السيارة الكوكبية أو مجتمع الإعلام والمعرفة الكوني وغيرها.

ولنا أن نقارن عناصر هذه الأطروحة وما تعيشه دول وقارات بأكملها من تردي في أوضاعها العامة.

- النموذج الثاني أو الأطروحة الثانية وترتكز على تقديم الفكر النيوليبيرالي (كمنظومة أفكار وكمرجع للسياسات الاقتصادية) كسبيل واحد ووحيد للتنمية والتخلص من واقع التخلف والتردي.

وتستدل هذه الأطروحة على ذلك بالقول بأن معظم الدول التي لم تتبن النموذج الليبرالي كفكر وكممارسة (أوروبا الشرقية مثلا) لم تعرف إلا المجاعة والفقر وغيرها لدرجة الانفجار من الداخل وانهيار المؤسسات.

وهو أمر قد يسهل التدليل عليه سيما وأن تطبيقات الفكر الاشتراكي في العديد من دول العالم ترتب عنها تبذير للموارد وبيروقراطية في التسيير وغياب في المراقبة وغيرها.

إلا أن طبيعة التطرف التي حملتها الليبرالية، زمن العولمة، لم تفرز لحد الآن، إلا المزيد من ضروب التهميش والتفقير والبطالة وساهمت (لربما إلى حد بعيد) في أشكال التطرف الدينية والإثنية وغيرها وفي تفجير الحساسيات القومية واللغوية والثقافية وخطاب الخصوصيات وغيرها.

ولنا أن نلاحظ الذي يجري من حولنا من عصبيات (لربما لم يشهد التاريخ مثيلا لها) ولربما بمعظم قارات العالم: إن لم تكن الحرب (كما في إفريقيا والبلقان وآسيا وأمريكا اللاتينية) فعلى الأقل العنف كما نلاحظ بالولايات المتحدة أو بأوروبا أو بغيرها، أو الانكفاء البدائي على الذات كما نلاحظه مع ظاهرة الطوائف.

لا أقول إن العولمة وتطرف الليبرالية هو السبب لكني ألاحظ أن تزامن هذه الظواهر مع تلك ليس بريئا ويجب أن ينظر إليه بعين ناقدة وموضوعية.

- النموذج الثالث الذي يدلل على الطبيعة الإيديولوجية لظاهرة العولمة ويمكن اشتقاقه مما يسمى منذ مدة بانتصار "الفكر الوحيد" أي فكر الدول الصناعية الكبرى والشركات متعددة الجنسيات والمؤسسات المالية الدولية والمؤسسات التجارية العالمية والمؤسسات أو الهيئات ذات "البعد المدني" وغيرها.

هذا الفكر الواحد، الوحيد والسائد ينبني على منظومتين:

- المنظومة الأولى ومفادها أن لا سبيل للاستفادة من مزايا العولمة وفضائلها إلا بالمزيد من الانفتاح على الأسواق، بالمزيد من التحرير، بالمزيد من الخوصصة، بالمزيد من اللاتقنين وبالمزيد من القطاع الخاص.

- المنظومة الثانية أنه فضلا عن هذه الوصايا (المقدسة) يجب إخضاع الاقتصاديات والمجتمعات والثقافات " لقيم" جديدة، لمعايير جديدة تسمى: التنافسية، الإنتاجية، الربحية، التكيف، المرونة، الانضباط والتأقلم ...وغيرها.

وهي الوصايا الجديدة و"القيم" الجديدة التي لا يسمح بغيرها وهي، على أية حال، المعتمدة والمقدمة على سواها من وصايا وقيم وهي المكرسة حاليا ببلادنا نصا وروحا على الرغم من الخطابات الشعبوية الرائجة...

 

هل بالإمكان، انطلاقا مما ورد، "أنسنة" العولمة؟

لا أعتقد بذلك ولئن كنت أعتقد به فلكأنما أعتقد بأن مواجهة الحرب الاقتصادية إنما يمر عبر تمرير قيم السلم الاقتصادي وهو ما لا يمكن بأي حال من الأحوال.

هل هي ظاهرة حتمية إذن ومعطياتها موضوعية؟

قد يجوز أمر موضوعيتها لو تأملنا مثلا الثورة التكنولوجية وانهيار الفكر غير الليبرالي وتقدم منظومة الأفكار الليبرالية وضغط المنظمات والشركات والدول المتحكمة في مصير الأفراد والجماعات.

وقد يجوز أمر حتميتها أيضا، لكني أعتقد أن إحدى وسائل اتقاء شرورها يمر عبر تكوين التجمعات الجهوية من قبيل تحريك المغرب العربي والتقدم في إنشاء السوق العربية المشتركة وهكذا.

هي إذن حتمية وغير حتمية.

 

هل من مستقبل للعولمة الحالية أو التي هي في طور تشكلها؟

لا أعتقد بذلك أيضا أكثر من عقد أو عقدين من الزمن، إذ واقع حال الظاهرة وتوجهها ينبأ بالمزيد من العنف والعنف المضاد وبالمزيد من التطرف وهو ما يتطلب صيغا أخرى للعلاقات الدولية وللتعايش أيضا.

 

هل يمكن أنسنة الدولة-الأمة؟

يجب ذلك لأن الدولة-الأمة تحت ضغط العولمة ترمي مواطنيها حفاة عراة في السوق دونما ضمانة ضد الفاقة ودونما تضامن أدنى مع الذين لا يملكون سبل التملك مقابل أناس لن تعمل العولمة إلا على الزيادة في اغتنائهم وترفهم.

لهذا لم يعد الشمال-جنوب بين الدول بل كذلك داخل الدول ولنا أن نلاحظ الفضائح بالمغرب.

 

الهوامش

 

(1)- معنى هذا أنه حينما يصبح رقم معاملات شركة من الشركات أكثر بكثير من الناتج الوطني الخام للدولة التي تفعل فيها فكيف لها أن تفرض قوانينها عليه بالتالي فالاقتصادي رهن السياسي والدولة-الأمة أو الدولة الوطنية أصبحت رهينة الفاعل الاقتصادي.

ما هو صحيح على الشركات (كمؤسسات إنتاج) هو أيضا جائز على المنظمات الدولية الكبرى (صندوق النقد الدولي، البنك العالمي، منظمة التجارة العالمية، منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي، مجموعة السبعة والثمانية وغيرها...) التي تفرض شروطا اقتصادية على مؤسسات ذات سيادة أو تدعي أن لها السيادة على الدولة الوطنية.

الدولة القطرية ذات الحدود والقوانين والتشريعات وغير ذلك أصبحت متجاوزة أو شبه متجاوزة وهذا أمر لا مجال للتفصيل فيه هنا.

(2)- العامل التكنولوجي هو أيضا تحد جديد للدولة-الأمة: في النقل الجوي أو الطيران الجوي يمكنك أن تستقل الطائرة للحيلولة دون تأشيرة المرور.

المثال الثاني: ثورة الانترنيت والقنوات الفضائية هي كذلك تحد للدولة-الأمة: كل فرد بإمكانه التقاط القنوات التي يريد دونما إمكانية للرقابة ويمكنك على الانترنيت أن تتصفح مواقع وتبعث برسائل دونما أن يكون للدولة إمكانية القرصنة أو المنع.

هذا تحد خطير وكذلك معيار من معايير قياس الاتجاه نحو الديموقراطية أو الارتداد على مسارها. الدول التي تمنع الانترنيت والقنوات الفضائية هي دول تخشى من المعرفة والتواصل وتنقل المعلومات.

المتغيرات التكنولوجية هي إذن تحد كبير للدولة الوطنية.

(3)- هذا تحد كبير أيضا للدولة-الأمة أو للدولة الوطنية لأن هذه الأخيرة عندما تحرر سوقها وتخوصص مؤسساتها العمومية وتعيد تقنين هذه المؤسسات، فإنها تتنازل للخاص على صلاحياتها وواجباتها: حجمها يتقلص حتما، دورها الاقتصادي والاجتماعي يتقلص، قدرتها على التأثير في مسار العملية التنموية تتراجع.

عمليات الخوصصة والتحريرو اللاتقنين ذات الطابع التقني والإجرائي والمؤسساتي هي في حد ذاتها ذات تبعات أساسية كبرى لأنها تجرد الدولة من طبيعتها، من دورها ومن واجباتها. وعندما تكون مجردة من بنيتها المادية، أي طبيعة سياسية ستبقى لها: الدولة الوطنية تحطم نفسها بنفسها.

الدولة القطرية أصبحت دولة عارية جراء السياسات الليبرالية واعتماد خطاب المرونة والانفتاح والتكيف والانضباط...الخ.

(4)- هذا العامل مهم ومهم جدا، لماذا؟

لأن انقسام الاتحاد السوفيتي واعتماد النموذج الليبرالي من لدن دول أوروبا الشرقية أبان وبعنف على قدرة الفكر الليبيرالي الذي دفعت به العولمة وكذلك على تمكنه من تأجيج النعرات الطائفية والدينية والعرقية وغيرها.

هناك تفتيت لكتلة وجيوستراتيجية كبرى وتقوية لدولة قومية تفتقد في بعضها لمقومات الدولة.

وهذه مفارقة من مفارقات العولمة: تفتيت تكتل ضخم وإقحامه في السوق الدولي وفي سياق العولمة بطريقة انتقائية وبما يخدم المصالح الجيوستراتيجية للدول الكبرى وشركاتها المتعددة الجنسيات.

(5)- هذا أمر مهم كذلك لأن العولمة في تركيبتها الحالية تتعدى طبيعيا الدولة الوطنية الواحدة: هناك تكتل النافطا، الاتحاد الأوروبي، الميركوزير والآسيان (اليابان ومحيطه).

نلاحظ أن الدول كفضاء جغرافي وسياسي لم تعد تتناسب والفضاء الاقتصادي للعولمة ولفاعلي العولمة: فضاء الدول أصبح إذن "يفصل" كي يتناسب وفضاء العولمة: 300 إلى 400 مليون هو المستقبل (هذا هو مآل الدولة الذي أتحدث فيه هنا): لك بحث وتطوير ومنتجات عالية وتكاليف مرتفعة، أنت في حاجة إلى تحقيق المرد ودية لهذه السلع والخدمات، أنت في حاجة إلى سوق ضخم لا إلى مجموعة من الأسواق ضيقة وأصحابها فقراء.

هذا تحد كبير أيضا على الدولة-الأمة أن تواجهه باستمرار.

(6)- هذا الأمر أساسي  بالنسبة لمآل الدول والدول-الأمم بالأساس. لأن الدولة لم تعد اليوم هي مصدر المعلومة أو مصدر المعرفة أو صاحبة الفضل في تلقين ما تريد: اليوم أصبحنا بازاء شبكات للمعلومات والمعارف واسعة وضخمة والدولة الوطنية (لو أرادت أن تضمن مستقبلها) عليها أن تضمن لمواطنيها سبل الوصول للمعرفة: من أقمار صناعية وبرامج معلوماتية ومبدلات للاتصالات ومكتبات إلكترونية وحوا سيب وغيرها.

الباحثون والعلماء يتواصلون اليوم عبر حوا سيبهم لا عبر الرسائل البريدية وهو كذلك تحد كبير بالنسبة للدولة الوطنية.

(7)- ما تأثير هذا على مآل الدولة؟

تأثيره مباشر على أكثر من مستوى:

- أولا تزايد الاحتجاج عليها وضرب مصالحها (بوفي بفرنسا والأكل القبيح، تكسير المزارعين لمطاعم ماكدونالد...الخ).

- ثانيا، تزايد تحالفات من نوع جديد: بين الطبقات الضعيفة (متجاوزة الدولة الوطنية)، بين المدن (عمليات التوأمة) وبين المصالح المتضررة وعلى نطاق واسع (سياتل، نيس، دافوس...الخ).

- وثالثا ظهور منظومات جديدة تتعامل مع الدول كسوق وليس كمؤسسات سياسية.

  

محاضرة للكاتب بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالمحمدية، جامعة الحسن الثاني، المحمدية، 20 فبراير 2001.