"الفضائيات
العربية: محاولة في التصنيف"
بصرف النظر عن التسمية المعتمدة (قنوات فضائية، محطات فضائية، تلفزيونات باثة عبر الأقمار الصناعية وغيرها)، فإن عبارة "فضائية" تستخدم للتدليل على أن
القنوات موضوع الدرس والتساؤل، إنما هي قنوات تستعمل الأقمار الصناعية في كل ما تبعثه وتبثه من برامج
ومحتويات، أيا تكن السواتل
المستخدمة، أو الجهات
الجغرافية التي تطاولها، أو طبيعة الجهة المالكة لها، الموفرة لخدماتها.
استخدام عبارة "فضائية" في هذا المقام، يعبر عن كل ما يبث عبر هذه السواتل، ويستثني بتحصيل حاصل المحطات الأرضية، حتى وإن كان بعض من هذه الأخيرة يلجأ للسواتل في بث بعض
أو كل ما يريد بثه من مواد وبرامج.
من جهة أخرى، فإن الأدبيات الرائجة بهذا الخصوص، غالبا ما تميز بين ثلاثة أنواع من الفضائيات، إما بالارتكاز على مقياس طبيعة الملكية، أو على أساس مجال الاهتمام، أو بناء على
معيار الاختيارات التحريرية المعتمدة:
°- أولا: القنوات العمومية، وهي القنوات التي تعود ملكيتها لهذه الحكومة أو تلك، لهذه الدولة أو تلك. المعيار، في هذا التمييز، يحيل على طبيعة الملكية وما يستتبع ذلك من آثار
وتداعيات. إذ القنوات هاته تعتمد في تمويلاتها المختلفة على ميزانية الدولة، حتى وإن كان لها أن "تجبي" بعضا من مصادر
دخلها من رسوم الاستهلاك على الأجهزة. ثم هي، نتيجة وضعها القانوني هذا، مؤتمنة على مرفق عمومي عام تكون الخدمة بمقتضاه معممة، لا تستثني أحدا، مراعية لمبدأ الاستمرارية في الأداء، ولا تتغيأ في مقاصدها مبدأ الربحية المادية الصرفة.
°- ثانيا: القنوات الخاصة، وهي نقيض القنوات العمومية، على اعتبار مصدر رأسمالها الخاص كليا أو بالجزء الغالب، وبحكم المقاصد الربحية التي تحكم المشروع في
استراتيجيته وخلفيات اشتغاله، وطبيعة تراكم المال من بين ظهرانيه، عبر التحالفات أو الاندماجات أو ما سواها.
ومع أن بعض المحطات الفضائية الخاصة قد تتحصل في جزء من
تمويلاتها من الدعم الحكومي (لاعتبارات سياسية أو لتعضيد مبدأ المرفق العام)، فإن خطابها غالبا ما يترك مسافة محددة من الخطاب
الحكومي الرسمي، وذلك إما من باب ضمان الحد الأدنى من الاستقلالية، أو بجهة محاولة التجاوز على الرتابة التي قد تطبع
القنوات العمومية في تناولها لهذا الموضوع الإشكالي أو ذاك، لهذا "الملف الحساس" أو ذاك.
°- ثالثا: القنوات الجامعة، وهي القنوات الشاملة، خاصة أو عمومية، لا تمايز بينها كبير بهذه الجزئية. والمقصود بالبعد الشمولي هنا إنما البث
الذي تثوي خلفه هذه القنوات, ولا يضع تمييزا كبيرا بين هذا المجال في الاهتمام أو
ذاك. إنها قنوات تتأثث شبكتها من خلال بث "برامج تجمع بين أكثر من مجال
اهتمام، وتشتمل برمجتها على
مواد مختلفة الأغراض والأهداف من إعلام وتثقيف وترفيه" وما سواها.
صحيح أن لكل قناة طريقتها الخاصة في مزج عناصر هذه
الثلاثية في شبكتها البرامجية، لكن العبرة تبقى دائما بمدى حضور هذه الأصناف التلفزيونية مجتمعة في
القناة أو تلك, بهذا الشكل أو ذاك.
°- رابعا: القنوات المتخصصة، وهي المقابل للقنوات الجامعة أو الشاملة، أو المحكومة موضوعيا بثلاثية الإخبار والتثقيف والترفيه
المتحدث فيها من قبل. إنها القنوات التي
لا تشتغل وفق مبادئ شمولية المضامين والمحتويات، بل تختص في مجال برامجي واحد، تخاطب من خلاله وعبره حصرا جمهورا محددا، دونما إعمال لمبدأ المزج بين الأنواع التلفزية المختلفة
والمتباينة في بعض الأحيان.
ومعنى هذا أن القناة المتخصصة إنما هي تلك التي
"تركز اهتماماتها عل فرع واحد من فروع التخصصات التي يهتم بها نوع من
الجمهور. وقد تتولد جزئيات في التخصص عن هذه الفروع، كأن نقول إن قناة ما تهتم بالقطاع الثقافي كفرع من فروع
التخصصات. وقد تركز قناة أخرى اهتمامها على جزء من هذا الفرع مثل صناعة الكتاب أو
المطالعة"، أو ما سواها.
من جهة أخرى، فالملاحظ بالقنوات المتخصصة أن مجال التخصص قد يتسع كما
قد يضيق، وذلك قياسا إلى
درجة الاختيار الذي يحكم حدود التخصص وتخومه. بالتالي، نرى الدارسين لهذه الظاهرة يميزون بين أصناف مختلفة، على أساس العمر أو الجنس أو الانتماء الديني
والإيديولوجي أو غيرها:
+ فهناك القنوات الموجهة إلى الجمهور وفق معيار السن، كما الحال مثلا مع قنوات الأطفال أو قنوات الرسوم
المتحركة أو ما سواها.
+ وهناك القنوات الموجهة للجمهور على أساس من اعتبار
جنسه، كما الحال مع قنوات
المرأة مثلا.
+ وهناك القنوات المحكومة في خلفياتها بالانتماءات
الدينية أو المذهبية أو الطائفية أو الإيديولوجية أو ما سواها، إما بصورة واضحة وقد تكون صارخة، أو بطريقة ضمنية في المعالجة، كأن تقوم القناة بمعالجة قضايا الشباب وفق رؤية دينية، أو أن تضمن خطابها رسائل وقيم ذات طبيعة أخلاقية صرفة، لكنها غير مباشرة على مستوى المعالجة، وهكذا.
+ وهناك القنوات التي تتخصص في الاهتمام بالأنشطة
الفردية أو الجماعية، وتبني كل شبكتها على هذا الأساس، كحال قنوات الرياضة أو الموسيقى أو الأفلام الكلاسيكية
أو الصيد أو القنص أو غيرها.
+ وهناك القنوات التي توجه برامجها، وتحدد طبيعة جمهورها وفق اعتبارات تربوية أو ثقافية أو
معرفية أو فنية راقية، كما سنعرض لذلك في حينه.
+ ثم هناك القنوات الإخبارية الصرفة، والتي لا تخرج في تصميم شبكتها البرامجية عن الجانب
الإخباري الخالص، أو ما قد يتماشى بموازاة ذلك، من تغطيات خاصة وبرامج حوارية ومواد للنقاش ومضامين
وطنية أو دولية تطرحها للتحليل، وهكذا.
يحيى اليحياوي
الرباط, 21 نونبر 2011