"إفناء غزة"

 

 

في صبيحة السابع والعشرين من هذا الشهر, شهر دجنبر للعام 2008, أفاق العالم على مشاهد, بالفضائيات وعلى مواقع الإنترنيت الحية, أفاق على مشاهد للجثث المتناثرة, والرؤوس المهشمة, والأطراف المتطايرة, والمباني المحطمة, والسيارات المدمرة, والمشافي حيث لا رائحة إلا رائحة الدم والموت, في مشهد يخال للمرء معه حقا وحقيقة, وصيحات الثكالى والمروعين تتعالى, أنه بإزاء فيلم من أفلام الرعب, أو بإحدى إنتاجات الخيال العلمي, حيث الكون مشرف على نهايته.

 

لقد كانت ثلاث دقائق من القصف الصاروخي المركز, من الطائرات والبوارج والزوارق الحربية الإسرائيلية, كافية لتحول مرافق غزة الحيوية, إلى دمار شامل, ومنازلها إلى خراب, والمئات من ساكنيها إلى جثث وأشلاء ومبتوري الأطراف, لا يقوون على الحركة, فما بالك على استعطاف الإغاثة أو النجدة: إنها المحرقة بعينها, التي لطالما لوح بها الإسرائيليون بوجه حركة حماس, وجاهروا بأنها قادمة لا محالة, طالما استمرت ممانعة ذات الحكومة, وتماديها في رفع لواء المقاومة, وتمنعها في الاعتراف بإسرائيل, والاندماج في مسار مفاوضات, بدا لحماس منذ اليوم الأول وبمرور الزمن, أنه عبثي وبكل المقاييس.

 

إن إعلان الحركة وقفها للعمل بالهدنة, إنما بدا لإسرائيل, حيث حمى الانتخابات على أشدها, بدا لها ولكأنه إعلان حرب مباشر, ركبت ناصيته للضرب بقوة وأمام الملأ, بعدما لم تكن من ذي قبل, أعني منذ سيطرت حماس على قطاع غزة, لم تكن تلجأ إليه إلا من باب "الرد المشروع" على الصواريخ المتقطعة, التي يبعث بها للمستوطنات المحيطة بغزة, مجاهدو عز الدين القسام, وفصائل المقاومة المسلحة الأخرى.

 

إن الذي "اضطر" الإسرائيليين لدك المنازل فوق رؤوس ساكنة غزة, لم يتأت لهم فقط من "تجرأ" حماس على إنهاء العمل بالهدنة من جانب واحد, ولا الخسائر "الجسيمة" التي توقعها صواريخ القسام على المستوطنات المجاورة للقطاع, ولا حتى الحسابات الداخلية والانتخابات بالأفق. إن الذي قض مضجعهم بقوة, ودفعهم لاعتماد الخشونة المفرطة وفي أعلى صورها, إنما أمران اثنان يبدوان لنا بارزين, وإن بخلفية الصورة:

 

+ أما الأول, فيتمثل في نجاح حكومة حماس في إدارة شؤون غزة, الاقتصادية كما السياسية كما الاجتماعية, دونما مناهضة كبيرة من جماهير جائعة, عاطلة, لا تحتكم لا على ماء ولا على كهرباء, لكنها صامدة, مكابرة, وصابرة, وإن بسياق معيشي متردي, يستوي بظله الحاكم والمحكوم.

 

لم تبين حماس بهذه النقطة, أنها قادرة على ضبط الأمن, وإعمال منطوق القانون, بل أبانت على قدرة فائقة في استنبات الأمل, وشرعنة خط المقاومة, بأفق إذا لم يكن تحرير فلسطين التاريخية, فعلى الأقل "فلسطين أوسلو", ما دامت السياقات لا تسمح بالوقت الراهن, بأكثر من ذلك.

 

+ أما الأمر الثاني, فيكمن في نجاح حكومة حماس في التحايل على الحصار المفروض على قطاع غزة, وقدرتها على استجلاب تعاطف العديد من دول وشعوب العالم, لم تعد محايدة في مواقفها ونظرتها لما يجري بغزة, بل باتت يوما بعد يوم, على قناعة بأن أهل القطاع إنما هم ضحية سلوك متعمد من لدن إسرائيل, تعاقب بموجبه أكثر من مليون ونصف من البشر, بجريرة نفر منهم يمتلك الشرعية, ويدفع بمشروع في التحرير والتخلص من الاحتلال: إن تصدع الحصار من حول غزة لم يكن ليرق لإسرائيل فحسب, بل لم تعد قادرة على الحد من مداه المتزايد.

 

وعلى هذا الأساس, فإن إنهاء حماس للعمل بالهدنة, لم يكن السبب الرئيس في تحديد قرار إسرائيل ضرب غزة, بقدر ما كان النقطة التي أفاضت كأسا, كان بالأصل مليئا عن آخره, ولم يكن ينتظر إلا شرارة التجاوز على المستوى.

 

 وعلى هذا الأساس أيضا, فإن فهم مواقف هذه الجهة أو تلك, داخلية وإقليمية ودولية, إنما يجب أن يقاس شكلا وجوهرا, بهذه الزاوية لا بسواها:

 

°°- فحكومة محمود عباس لم تكتف بالتحامل على حكومة حماس, وهي شرعية بمقياس الانتخاب, لم تتحامل عليها لدرجة نعتها ب"الانقلابية", "والخارجة عن الشرعية", بل حملتها مسؤولية الحصار المضروب على غزة, واستهزأت من قوافل الإغاثة المكسرة لذات الحصار, لا بل وحملتها مسؤولية العدوان الإسرائيلي على القطاع, بناء على "خطأ" خطها السياسي, "وطيش صواريخها", و"عدم امتثال قادتها لأجندات الحوار الوطني".

 

إن ضربة إسرائيل لمرافق غزة وساكنتها, لم تجد لدى حكومة محمود عباس الاستحسان والاستلطاف فحسب, بل منحتها سبلا للتشفي في حكومة "خارجة عن القانون", "غير مدركة لموازين القوة", "متهورة السلوك", و"غير متمثلة لمصالح ساكنة لا تستطيع التفوه, فما بالك بالمعارضة". يقول محمود عباس وهو بالقاهرة: "كان بوسع حماس أن تتجنب الهجمات", فيما الارتياح باد على وجوه مستشاريه ووزرائه, في طقس يشبه تزكية ما تقوم به إسرائيل, لا بل وتشجيعا لها من لدنهم بائن وصريح.

 

°°- أما موقف أمريكا, فقد تماهى كما عادته مع السلوك الإسرائيلي, ليس فقط في مسألة "حق الدفاع المشروع عن النفس", بل وأيضا في ضرورة الإنهاء مع حركة أسهمت في جزء كبير من مواقفها وسلوكياتها, في تقويض مشروع الشرق الأوسط الكبير, حيث "التسوية" بالمقاس, والترتيبات من فوق, والمطلوب القبول والتسليم.

 

إن "تفهم" أمريكا لما قامت وتقوم به القوات الإسرائيلية, لا يعبر فقط عن دعم مباشر, مغلف بكلام لا يقبل التأويل, بل ويشي في صلبه كما في جوهره, عن تناسقية في الخيار كاملة, مؤداها إخضاع قطاع غزة, وتسليم قادة حماس "للسلطة الشرعية", أحياء كانوا أم أمواتا.

 

°°- أما مصر, جارة القطاع وراعية دورات الحوار الفلسطيني, فلم تستقبل وزيرة خارجية إسرائيل, وتتيح لها بالإعلام, سبل إطلاق التهديد والوعيد, بل والتزمت الصمت المطبق, وغزة غارقة في دمائها, حتى إذا ما نطق وزير خارجيتها, قال: "لقد حذرناهم ولم يصغوا إلينا", أو للجهر بأنه "لا ذنب لنا وقد حذرناهم". ثم يقول: "كانت هناك تحذيرات مصرية في الفترة الماضية, وهي التحذيرات التي لم يسمعها أحد".

 

°°- أما ما بقي من دول عربية بالمحيط المباشر أو البعيد عن غزة, فقد اكتفت بالاحتجاج والتنديد, والمطالبة ب"وقف العنف", أو إبداء الرغبة في حضور هذه القمة العربية أو تلك إن التأمت, فيما يوحي بمساواتها الضمنية, كما عباس وأمريكا ومصر, بين الجلاد والضحية, دونما اعتبار لفائض الدم المسال, ولا لحجم الأرواح المزهقة.

 

إن الذي تشي به لنا ضربة إسرائيل الهمجية لقطاع غزة, بعد كل ما رأينا وسمعنا وقرأنا, إنما أن ثمة شراكة ثابتة بزاوية الفعل والتنفيذ, وأن ثمة تواطأ صارخا بجهة الغطاء السياسي والإعلامي للضربة. والدليل هنا لا يستشف فقط مما قيل ويقال, والضربة على قدم وساق, بل وأيضا مما قيل قبلما تبدأ ذات الضربة: "سنغير الواقع القائم بغزة", تقول وزيرة خارجية إسرائيل من بين ظهراني القاهرة, فيسكت وزير خارجية مصر وهو بجانبها... وفي صمته, كان يجب أن يستشف أن الضربة آتية لا محالة.

 

ما الفائدة إذن من احتجاجاتنا وتظاهراتنا, وحكامنا شركاء في الجريمة؟

 

 إن الاحتجاج والتظاهر هما بالأصل رسالة, المفروض أن يلتقطها الحاكم, ويبني موقفه على أساس من استحضارها. كيف لحكامنا ذلك وهم يحتقروننا, ويهينوننا, ولا يتوانوا في توجيه بنادقهم إلى صدورنا, إن نحن لم نمش خلفهم, حتى وهم يتآمرون علينا علانية؟

 

 

يحيى اليحياوي

الرباط, 29 دجنبر 2008