هل يستحق مسلسل " فارس بلا جواد" كل هذه الضجة؟

 

يحيى اليحياوي

 

 

1-  ليس من الضرورة في شيء (ولا من المفروض حتى) أن يكون المرء ناقدا تلفزيونيا متضلعا أو متخصصا في النقد متمرسا فيه، حتى يكون بمستطاعه تذوق عمل ما أو تقييمه أو الحكم عليه.

 

والحكمة في ذلك إنما الاعتقاد، اعتقادنا الخاص على الأقل، بأنه ما دام المتلقي، نهاية المطاف، هو الحكم (باعتباره مادة العمل ومكمنه وهدفه في الآن معا)،  فإنه بذلك يبقى أداة القياس المركزية للحكم على ذات العمل إن بالفشل أو بالنجاح،  سيان لديه في ذلك موقف النقاد ونحوهم بالعمل إياه بهذا المنحى أو ذاك...إذ لرب عمل استحسنه النقد وأجازه ولم يلق استلطاف المتلقي أو استحسانه،  تماما كما قد يلقى (العمل أعني) استهجان النقاد ونفورهم في حين يتعاطف المتلقي معه ويثني عليه لدرجة الاحتضان...وهكذا.

 

وإذا كانت القاعدة المأمولة في أي عمل تلفزيوني (كما في سواه) هي نيل رضى الطرفين (بصرف النظر عن مستوى ذات الرضى واختلاف المقاييس المعتمدة لقياس ذلك)، فإنه لن يكون من المبالغة في شيء (ولا من باب أحكام القيمة الصرفة) القول بأن مسلسل " فارس بلا جواد" قد شذ وإلى حد بعيد عن ذات القاعدة في شكله كما في بنيته كما في الجوهر:

 

+ فبنية المسلسل مهلهلة إلى حد كبير وتصنيفه في الشكل متعذر، إذ لا هو "صناعة درامية" خالصة تستنبط عناصرها من فن الدراما المتعارف عليه، ولا هو "كوميديا" صرفة تسترجع وقائع تاريخية وتخضعها لإعادة القراءة بأدوات فنية تتحول بموجبها ذات "الكوميديا" (إن كان لها أن تعتمد في الفترة المحددة كسياق للمسلسل) ...تتحول إلى فرجة تلفزيونية تندغم المتعة فيها بالفائدة.

 

بالتالي، فالمسلسل لم يفلح لا في توظيف الدراما حق توظيفها ولا في استنبات عناصر الفرجة المرجوة في عمل بهذا الحجم...لدرجة يخال للمرء معها أن بنية المسلسل ولكأنما صيغت على مقاس بطلها...وهو والحالة هذه  صاحب "الرؤية التلفزيونية" المعتمدة.

 

وعلى هذا الأساس، فلم يكن المسلسل حالة نشاز فقط قياسا إلى ما اعتاده المشاهد العربي في إنتاجات من هذه الفصيلة،  بل ولربما أيضا حالة شاذة احتكاما إلى ما يعتمده النقد لمقاربة أعمال ذات صبغة "وطنية" أو "ملحمية" أو "تاريخية" من طينة " فارس بلا جواد".

 

+ وبنية المسلسل تركيبية، غير مؤطرة برؤية وغير خاضعة لتصور متكامل يجعل العمل متناسقا في حلقاته الأربعين...إذ الخيط الرابط بين الحلقات إياها ضعيفا للغاية وتمطيط المسلسل غير ذي جدوى تذكر...وهو ما يشي دون أدنى شك بأن العمل افتقر للحبكة التلفزيونية التي كان من شأنها أن تختصره بذكاء  لتغدو الرتابة والإسقاطات  بموجبها إذا لم تكن غير مبررة فحتما متجاوزة.

 

لا يروم التلميح هنا إلى سخافة وعدم أهمية العديد من المشاهد (والمواقف حتى)، ولكن بالأساس إلى العديد من الحلقات التي لم يكن للمسلسل أن يتأثر لو تسنى للمرء أن يحذفها في الجملة والتفصيل.

 

إذا لم يكن الأمر كذلك، فما معنى تعذر التقاط "رسالة" المسلسل (من لدننا على الأقل) حتى في تتبعنا له طيلة أيام رمضان؟

أليس مما يدعو للدهشة حقا أن الإشكالية لم تطرح والمسلسل يشرف على نهايته؟

ومن ذا الذي يستسيغ تتبع "مهزلة" تلفزيونية (تجاوز بثها الشهر) بحثا عن الإشكالية؟

 

+ والمسلسل، فضلا عن كل هذا وذاك، يتغيأ، في مضمونه وجوهره، استحضار وثائق و "بروتوكولات" (بروتوكولات حكماء صهيون) بغرض البناء لأطروحة لا يحتاج المرء إلى استحضارها (البروتوكولات أقصد) لفهم واقع الحال...إذ اغتصاب فلسطين وسطوة الصهيونية (واليهود تحديدا) على مكامن القوة الاقتصادية والسياسية في العالم أمور لا تحتاج التاريخ لإثبات خلفياتها ومرجعياتها الأولى.

 

بالتالي، فالتساؤل (على محك الواقع والممارسة السائدين) عن صحة البروتوكولات من عدمها يبقى ترفا فكريا لا يقدم إشكالية مراد طرحها تلفزيا.

 

ومعنى هذا أنه حتى لو كان  للمسلسل أن يثبت صحة البروتوكولات (أو العكس)، فإن ذلك لا يقدم شيئا في طبيعة الصراع العربي-الصهيوني القائم.

ومعناه أيضا أن مادة ذات الصراع لا تعدم بل هي من "الوفرة" (على الأقل منذ حرب 67 وانطلاق الانتفاضة الأولى) ما يجعل إنتاجات من هذه الطينة أفيد وأنجع ولربما أيضا أكثر تجنيدا (في حاة المسلسلات الوثائقية على الأقل).

 

2- إذا كان المسلسل بهذه الدرجة من السخافة والضعف والرتابة وغياب الحبكة من بين ظهرانيه، فما السر إذن وراء الضجة الدبلوماسية والإعلامية التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة لمجرد إعلان بعض القنوات العربية على بثه في رمضان وتمرير بعض من لقطاته؟

 

ما الآية من احتجاج إسرائيل والولايات المتحدة على  مصر (الجهة المنتجة) بهدف منع بثه تحت مسوغة "معاداته للسامية" و "زرع الكراهية" أو غيرها؟

 

لن يتعذر كثيرا، فيما نعتقد، استنتاج السر من وراء الضجة ولن يصعب استنباط الآية من ذات الاحتجاج:

 

+ فإسرائيل (ومن ورائها الولايات المتحدة) لا " تطيق" التشكيك في "هويتها" أو التعرض للإيديولوجية التي بنت على أساسها "كيانها" أو التشنيع ب "الآباء المؤسسين" لها أكانوا حقا واضعي البروتوكولات أم كان ذلك "تلفيقا وتحريفا ومزايدة عليهم".

 

بالتالي، فهي لا تكتفي بإضفاء بعد "القداسة" على المحرقة بجل دول العالم (على خلفية من عقدة الذنب التي أشاعتها)، بل ولا تتوانى في تأجيج الرأي ضد كل ما يتراءى لها "لاسامية" أو "عنصرية" أو ما سواها.

 

+ وإسرائيل (ومن خلفها الولايات المتحدة) لا تريد، بأي شكل من الأشكال، الإشارة إلى اليهود أو نعتهم بصفة من الصفات (كالدونية أو المكر مثلا) أو التعرض لسلوكياتهم وممارساتهم إزاء بعضهم البعض وإزاء غيرهم من الأقوام والديانات.

 

وعلى هذا الأساس، فهي بقدر ما تدفع بجهة تكريس عقدة الذنب لدى الغرب إلى ما لا نهاية، فهي تدفع أيضا بمبدأ "السامية" لدى سواه بغرض التغطية على ممارسة الإبادة الجماعية التي تنهجها إزاء شعب هو سامي كذلك وبكل المقاييس.

 

+ وإسرائيل لا تكتفي فقط بإمعانها في إذلال العرب دولا وشعوبا على المستوى العسكري وتمييع صورتهم بالمحافل الدولية وبوسائل الإعلام، بل وتعمل على الإجهاز عليهم فكريا وقتل بعد الذاكرة من بين ظهرانيهم وغرس الاعتقاد بأنها جزء من المنطقة العربية منذ غابر العهود والأزمان.

 

3- وبصرف النظر عن نجاح إسرائيل والصهيونية في ذلك، وبغض الطرف عن جانب الحقيقة (من عدمه) في البروتوكولات، فإن الضجة الدبلوماسية والإعلامية التي " فجرها" المسلسل أبانت على ثلاث حقائق جوهرية ستحكم مستقبلا وإلى حد ما الخلفية الإعلامية للصراع العربي-الصهيوني:

 

- الحقيقة الأولى وتكمن في قدرة إسرائيل على " تهييج" العالم ضد أي جهة من جهات العالم بمسوغ أو بآخر، ونجاعة مؤسسات الضغط المتوفرة لديها في اختراق النخب الحاكمة وتطويعها وإخضاعها لتصورها.

 

فالمسلسل لم "يمنع" (بالخليج كما بالمغرب) بقرار من إدارات التلفزيون أو لكونه كان ضحية سوط  مؤسسات الرقابة، بل ورضوخا "لأوامر عليا" غالبا ما يتخذها رأس الدولة أو تتم بإيعاز مباشر منه.

 

إذا لم يكن الأمر كذلك، فبم يفسر قرار استبعاد المسلسل من شبكة برامج القناة الأولى بالمغرب مثلا وهي التي تسلمت الحلقات بأكملها وأعلنت بكثافة عن بثه وراهنت عليه، فضلا عن ذلك، ضمن الشبكة إياها؟

 

- الحقيقة الثانية وتتمثل في الاعتقاد بأن مسلسلا من هذه الفصيلة (على الأقل قياسا إلى الضجة التي استتبعته) لم يحمل واقع الأمر محمل الجد...إذ كان من المفروض أن تجتمع فيه أكثر من كفاءة ويعمل على كتابته وإخراجه أكثر من شخص...وتوظف له في ذلك وجوه أكثر جدية وأقل رتابة (تلفزيونيا أعني).

 

ومعنى هذا أن عملا من هذا الحجم إنما هو من الأعمال التي تفترض استنفار معظم الكفاءات العربية وتتبناه (معنويا على الأقل) معظم الدول العربية.

ومعناه أيضا أن الأعمال الضخمة (التي تعمر طويلا أقصد) لا تقاس بمدى قدرتها على دغدغة مجانية للشعور القومي، بقدر ما تقاس بمستوى إتقانها ودرجة الإبداع الفني الذي ينسج لشكلها.

 

- الحقيقة الثالثة ونتصورها كامنة في خاصية الإخفاق العميقة التي من شأن هذه الأعمال أن تكرسها...فالمسلسل في بنيته الداخلية كما في شكله العام كما في  معالجته السطحية للإشكالية موضوعه، لا يشي  بتعذر امتلاكنا لأدوات الصراع فحسب، بل ولربما يجعل الإحباط أحد سماتنا المميزة...ويجعل، فضلا عن ذلك، تشفي إسرائيل والصهيونية فينا أمرا مستحقا بكل المقاييس.

 

جريدة العلم، 22 دجنبر 2002